بيان الجمعة: ان المسلم ينظر الى الدنيا فيراها على حقيقتها ولا يلهيه العاجل عن الآجل ولا تخدعه زخارف الحياة وآباطيلها. فلا يعيش في دنياه يبحث عن اللذائذ ويفرق في الشهوات بل ان له من اهدافه العليا ما يحجبه عن العبث ويعصمه من النزق والفجور. فالمسلم يعلم ان متاع الدنيا ونعيمها ليس غاية من غايات الوجود فلا ينبغي ان يشتغل به الانسان ويفرق فيه فيتعب نفسه بلا طائل ثم يتبين سوء العاقبة في الدنيا والآخرة كما يقول تعالى: «أفرأيت ان متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون». والمسلم لا يحرم على نفسه طيبات الحياة ولا يمنعها حقوقها المشروعة «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين» ولكنه يقيد نفسه في استمتاعه بالحياة بقيدين: الحلال والاعتدال. فلا يظلم نفسه بانتهاك حرمات الله ولا يعتدي بالخروج الى حد الاسراف الذي يمقته الاسلام بل يلتزم بما رسمه الاسلام له من الطريق الوسط في سلوكه في دنياه وتمتعه بها كما يشير اليه قوله تعالى: «ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ان ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر انه كان بعباده خبيرا بصيرا» ومما يعين المسلم على الزهد في شهوات الغي والقناعة بالطيب من الرزق انه ينظر الى دنياه وأخراه معا. فبينما هو يعمل للدنيا لا ينسى واجب الآخرة فلا يجعل متاع الدنيا اكبر همه ولا يتهالك على شهواتها بل يأخذ من دنياه بقدر ما يعينه على نيل ثواب ربه في الآخرة كما يقول سبحانه: «فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا». والنظر البصير الى الحياة يجعل الانسان لا يبتغي من دنياه ما به قوام العيش وأمن الحياة دون حرص على المناعم او ولوع باللذات «من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» فحسب الانسان في دنياه الامن والعافية وقوت اليوم اما الاغراق في المتاع فإنه فضول ليس من مطالب الحياة وليس من أهدافها بل هو كما يقول صلى الله عليه وسلم: «اياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمين». والقرآن الكريم يرسم صورة مثالية للذين يسارعون في الخيرات وينالون ارفع الدرجات حتى تتحطم المثل الزائفة التي كانت تغش الابصار في الجاهلية وكل جاهلية. «ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بايات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لايشركون والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة انهم الى ربهم راجعون اولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون». ان هؤلاء الذين يبتغون من حياتهم تحقيق مثل اعلى يؤمنون به ويعملون له والذين تسقط لديهم كل قيمة زائفة وكل نظرة الى الحياة مختلفة فلا يرون في الثروة غاية تبتغي ولا هدفا يذهل الانسان عما وراءه هؤلاء ينفقون ويؤتون في سبيل الخير ما آتوا وقلوبهم وجلة تخشى سوء الحساب وتقدر عظيم التبعة وتحس بخطر التكليف وثقل الامانة التي حملها الانسان. واولئك ينظرون الى المال على حقيقته وسيلة يشارك بها الانسان في الخيرات وابتلاء ينجح الانسان فيه على قدر احسانه التصرف فيما وهب له فلا يستند لهم المال ولا يخفض هاماتهم حب المتاع ولا يتخلون عن الحق ولا يغضون عن الفساد ولذا فان المسلم لايفتر بمظاهر الثروة. وعجيب في المنطق المادي ان تصبح النعمة اداة عذاب لصاحبها ولكنها الحقيقة التي يؤيدها التاريخ ان الطمع والشراهة والشح شر على صاحبها وعلى المجتمع البشري فيصبح المال في ايدي المفسدين وبالا وفتنة وفي مقابل هذا ربما كان بين المقلين الزاهدين في متاع الحياة من يرفعه الى اسمى الدرجات بيقينه وتقواه. «رب أشعث اغبر ذي طمرين لو اقسم على الله لابره». وهذا خليق ان يعلق نظر المسلم بالحقائق وان يزهده في المظاهر والاشكال فيضع الناس حيث وضعهم الله ويقدر الامور بميزانها المسلم يملك نفسه ويحزم امره ويؤثر ما يبقى على ما يفنى ويصبر على تكاليف الحق ويزهد في عرض يحول وظل يزول: «زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب». تلك من المقومات الاساسية للشخصية المسلمة عقيدة وعبادة واخلاق فالمسلم الذي تكونه العناصر الفاضلة هو الفرد الصالح الذي يسعد به المجتمع ويؤدي دوره في الحياة اما الذي ينحرف عن دينه ويجهل مقوماته فهو خطر على نفسه وعلى المجتمع وهو عنصر هدام. فالمسلم الحق هو الذي يسعد وطنه ويرقي امته ويعمل من اجل الانسانية فالتربية الاسلامية الصحيحة على اساس من الفهم والاخلاص هي التي تجعل الانسان يفهم الحقائق ويتحرر من الاباطيل. احمد عبدالتواب