تتغنى أمريكا وتتفاخر دائماً انها تمثل الديمقراطية والعالم الحر وتعتبر نفسها المدافع عن حقوق الانسان. وفي الوقت نفسه، تتهم كل من يخالفها الرأي او يتصدى لهيمنتها بأنه ارهابي أو يدعم الارهاب. لكن هناك اماكن كثيرة على امتداد العالم تشهد على مواقف امريكا ضد الشعوب الضعيفة المغلوبة على امرها هناك مثال ادل من مثال فيتنام التي شنت الولايات المتحدة عليها حرباً ممتدة في الستينيات من القرن الماضي. والاعلام، كعادته، يلعب دوراً اساسياً في نقل الحقيقة او تزويرها تبعاً لمدى استقلاليته. ولكن مهما بذلت المحاولات لحجب الحقائق، فانها تظهر بصورة او بأخرى. وهذا ما حدث في حرب فيتنام عندما فضحت الصور التي التقطها بعض المصورين الصحافيين الجرائم والفظائع التي ارتكبها الامريكيون على احدى الطرقات في فيتنام، التقت حضارتان لكن اللقاء لم يكن من النوع المعتاد الذي تتزاوج فيه الافكار والثقافات، وانما كان نوعاً اخر تتصادم فيه الحضارات كأقوى ما يكون التصادم. وكان سكان القرية الفيتنامية من المزارعين الرجال والنساء والاطفال. وربما كانوا من المتعاطفين مع قوات الفليتكونج، ولكنهم كانوا مدنيين، ولا يحملون سلاحاً. دخلت هذه القرية الآمنة، فصيلة من الجنود الامريكيين الغاضبين الذين استبد بهم الحزن على رفاقهم الذين قتلوا بمتفجرات مفخخة او الغام او رصاص القناصة. وكتبت مجلة «صنداي تايمز» في عددها الاخير لعام 1969 تقول: الجنود كانوا في ارض معادية وغريبة وكانوا خائفين. ما جرى بعد ذلك لا يمكننا تحديده بدقة حتى تنتهي العمليات القانونية وربما لن نتمكن من ذلك حتى في ذلك الوقت. ومع ذلك فان الادلة تتراكم كل يوم والتي مفادها ان المنطق والعقل ضاعا في سلسلة معينة من الرعب ووقعت مجزرة بحق هؤلاء الرجال والنساء والاطفال. ونشرت المجلة البريطانية الصور التي التقطها للمجزرة الرقيب الامريكي هابريل بكاميرته. ولم يكن لديه ادنى شك حول كيفية وقوع المجزرة. وعرضت المجلة في حينه شهادات للرقيب ولبعض رفاقه. في اليوم الذي سبق مهمتهم، اجتمع افراد الفرقة «سي» لسماع بيان موجز بعد تناول وجبة العشاء. وفي الاجتماع، قام القائد، كابتن إرنست مدينا باصدار الاوامر الرسمية الجاهزة للهجوم على قرية ماي لاي، وتحدث لمدة 45 دقيقة تقريباً، حول خطوات التحرك. وكان من المفروض ان تشارك في هذا الهجوم فرقتان اخريان على الاقل. لكن الفرقة «سي» هي وحدها التي ستدخل مجمع الاكواخ المعروف بـ «ماي لاي 4» اخبرنا كابتن مدينا بأن هذه القرية محصنة للغاية. وقال انها تعتبر خطيرة جداً وانه يريد منا ان نكون حذرين طوال الوقت. وقال ايضاً ان القرية تتألف، بناء على معلومات استخبارية تلقتها مستويات عليا تتألف فقط من الجيش الفيتنامي الشمالي والفليتكونج وعائلاتهم. واضاف ان الامر يقضي بتدمير قرية ماي لاي وكل شيء فيها». اللون الوردي كانت ماي لاي واحدة من تسع ضيع كل منها يحمل رقماً معيناً، وتتجمع بالقرب من قرية سونج ماي. وقد سمت الفرقة «سي» المنطقة «بنكلفيلي» لانها كانت ملونة باللون الوردي على خرائطهم العسكرية. وكانت الفرقة «سي» قد شهدت اولى معاركها الحقيقية في الاسابيع السابقة حول «بنكفيلي». وقد قتل احد افرادها بنار القناصة التي اعتقد الجنود انها جاءت من «ماي لاي 4» ثم تبع ذلك مقتل خمسة جنود وجرح 22 آخرون في انفجار الغام ارضية. وادى شرك مفخخ الى قتل قائد سرية كان مفضلاً لدى الكابتن. ويقول تشارلز ويست: «كنت مساعده في قيادة السرية. وفي طريق العودة الى المعسكر كنت ابكي عليه. الجميع شعر بالاسى العميق عليه حتى الكابتن مدينا. وفي البيان الموجز، اخبرنا كابتن مدينا بأننا قد نحظى بفرصة الانتقام على قتل رفاقنا». ويضيف ويست: «ان الكابتن مدينا لم يصدر امراً بالدخول الى القرية وقتل النساء او الاطفال». فلم يخبرنا احد عن كيفية التعامل مع المدنيين، لانني لا اعتقد ان اياً منا كان مدركاً لحقيقة اننا سنصادف مدنيين. في صباح يوم 16 مارس 1968، وبعد شروق الشمس بقليل، بدأت الطائرات المروحية بنقل حوالي 80 عنصراً من الفرقة «سي» من معسكر القاعدة وانزالهم على بعد سبعة اميال في حقول الارز الى الغرب من ماي لاي 4. لا مقاومة دخل الجنود القرية الهادئة من دون اية مقاومة او اطلاق للنيران المعادية. ولكنهم كانوا يطلقون النار على كل من يصادفهم سواء اكان رجلاً او امرأة او طفلاً. يقول مصور الجيش الرقيب روبرت هابيرل، الذي وصل الى المكان متأخراً بعض الشيء: «كان هناك طفل صغير يمشي نحونا في حالة من الذهول. قد اصيب في ذراعه وساقه. لم يكن يبكي او يصدر اي صوت. ركع احد الجنود على الارض واطلق ثلاث رصاصات على الطفل. الرصاصة الاولى صدته الى الوراء والثانية رفعته في الهواء والثالثة اسقطته ارضاً، فخرجت سوائل جسمه كلها. نهض الجندي ببساطة ومشى مبتعداً عن المكان. لقد كنا قريبين جداً منه». وقد تكررت قصة الولد الصغير داخل القرية في اماكن مختلفة حتى ابيد معظم من كان فيها من الرجال والنساء والاطفال حتى الرضع منهم. وحصل هذا كله امام المصورين من دون خجل او وجل. فالقادة اعتبروا ان سكان القرية ليسوا من المدنيين لانهم متعاطفون مع الفليتكونج. وكانت حصيلة تلك المجزرة 504 اشخاص من المدنيين العزل. المهم في الامر ان معظم الجنود الذين ارتكبوا هذه المجازر نجوا بفعلتهم ولم يقدّموا للمحاكمة باعتبارهم مجرمي حرب، ولم تتم ادانة احد بهذه الجريمة سوى شخص واحد فقط! ضرار عمير