في مطلع عام 2002 اقامت مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للابداع الشعري سوقاً ادبية في الكويت، فجاءت هذه السوق ارحب من عكاظ الحجاز، واخصب من مربد البصرة، واحفل من السوقين بكل ممتع مفيد، وفي ساحة من السوح المنداحة في جنبات هذه السوق انتصبت خيمة نابغية من نغم لا من أدم، تقاطر اليها من اقطار العرب وفود الادباء والشعراء، تحاوروا وتشاوروا واصغوا الى صفوة الشعراء الشباب والشواعر الشواب اصغاء الذواقة الطروب، وكما حكم النابغة للخنساء على حسان قبل خمسة عشر قرنا فقد حكمت المؤسسة راعية السوق لحفيدة الخنساء على حفدة حسان، واولتها قصب السبق، فكانت قصيدتها الفائزة بالجائزة. ومحك النقد ـ على اقراره بسلامة الاختيار وتهنئته للتي عزت فبزت وشكره للتي اجازت وجازت ـ لا يستطيع ان يفارق طبعه السيء، وطبعه الحك والنقد: حك السبائك ليعرف ما فيها من ذهب ونحا،س ونقد القلائد ليتمتع بما فيها من صياغة وتصوير، ولهذا فإنه بعد انفضاض الجمع عكف على القصيدة الفائزة، وراح ينظر اليها بعين الدرس والتمحيص لا بعين الاطراء والاعجاب، وغايته الوقوف على ما في القصيدة من اسرار الجمال ليقف عليها الشعراء المتأهبين للاستباق في مضامير اخرى والتنبيه على ما فيها من عثار ليجنب المتنمرين للاشتراك شراك النظم ومزالقه، ومتى كانت غاية النقد غير التفسير والتقدير؟ ورد الى المؤسسة خمسمئة قصيدة غربلت بغربال واسع الثقوب حتى بقي نصفها، ثم نخل النصف بمنخل رهيف حصيف، فلم يبق فوق عيونه الضيقة الدقيقة غير العشر، ثم قطف العشر بمقطف ارهف واحصف، فلم تحتفظ عيونه الخزر بأكثر من نصف العشر، حينئذ سلك نصف العشر هذا في سلك، فاذا هو عقد واسطته قصيدة حائية عنوانها «صهوة الضاد» وعدة ابياتها تسعة وثلاثون، تتصدر ديواناً يضم اثنتين وعشرين قصيدة، وعنوانه: الشعر والشاعر. موضوع الديوان كله لا القصيدة الفائزة وحدها مقيد بقيد حازم، فرضته المؤسسة، وطالبت المشتركين بأن يلتزموه وهو «الشعر ودوره في ماضي الامة وحاضرها ومستقبلها، ودور الشاعر و معاناته وتطلعاته»، ولعل المؤسسة كانت ترمي بهذا التحديد الى ضبط الافكار، وصونها من التفلت والتشتت والى تقييد اجنحة الخيال لكيلا تحمل الشاعر الى افاق تقطع صلته بالموضوع. والقصيدة الفائزة صورت ماضي الشعر وحاضره، وقصرت عن استشراف المستقبل، لكنها في تصويرها حاضر الشعر اعياها ان تربط الشعر بالاحداث وبالقضايا الخطيرة الكثيرة التي يموج بها وطننا العربي، واعياها ان تساورها وتقارضها التأثر والتأثير، فظلت فاترة ضامرة، وهذا الضمور في التصور والتصوير جعل ريادة الشعر ابهت واخفت مما نتوقع من شاعرة، اذا لم نجد في النص من حاضرنا إلا نافذة نطل منها على ماضي الهجاء والمدح، والحرب والصلح، اما النافذة التي اشترطت المؤسسة اطلالها على المستقبل لكي تبشر بالانتصار او تنذر بالاندحار فقد ظلت موصدة. وعله ذلك انطواء الشاعرة على نفسها، او خوفها من المغامرة غير المأمونة العواقب، في عالم يصادر الحرية، وفي عصر يحرم الصراحة، ويضع فوق الشفتين اللجام، وتحت القدمين الالغام. وهذه العلة نفسها هي التي جعلت القسم الثاني من الموضوع وهو «دور الشاعر ومعاناته وتطلعاته» اهزل وأضأل، لان مقاربته تقرب الشاعر من حتفه. وربما حاولت الشاعرة ان تلامس هذا المعنى المتفجر بقولها: يدنو كظبي من التصريح في وجل قد راعه السبع ان بادرته البوحا لكن محاولتها اخفقت اي اخفاق، اذ قصرت العبارة عن ترجمة المعنى، وجاء المعنى عصارة تفكير متوهم، لا تعبيراً عن واقع معيش، واذا عجزت الصورة عن البوح بالعاطفة لان الصورة استمدت من حديقة حيوان لا من غابة عذراء تفترس اسودها الظباء، وهذا العجز فاش في الشعر الحديث الذي انقطعت صلته بالطبيعة، واقتصر التزامه على تبني المباديء بعد ان كان تمرساً بالتجارب. فاذا جاوزنا الموضوع الى الشكل او المعنى الى المبنى وجدنا انفسنا امام اسلوب بتسربل بالجزالة المتعمدة، ويحاول ان يفاجأنا من البيت الاول بالغريب والمجلجل من الالفاظ: هل السراة كمن هبوا لها صبحا والعاديات بذاك الملتقى ضبحا غير اننا بعد ان تفنى الاصداء في الفضاء وتهدأ قعقعة الكلمات نحس ونحن نستعيد البيت ان ابن هانيء الاندلسي يطاول ابا الطيب المتنبي، فلا يرقى الى اعلى من ضبنه، وان تركيب الغريب جاء على نحو عجيب، اذ نحار في السراة والمصبحين اي الفريقين الراجح، وايهما المرجوح؟ ونحار في ضمير «لها» الى اي شيء يعود وفي «ذاك» الى اي ملتقى يشير؟ ونقرأ البيت السادس: حينما يشب وعيداً او مساجلة ومن شفاه المنايا ينبري رمحا فتملأ اسماعنا هذه الالفاظ: «يشب، مساجلة، ينبري رمحا» فمتى هدأت الموجة الصوتية قلنا: كيف يتحول الشعر الى رمح في فم الموت، وماذا يعني هذا الكلام؟ أمعناه ان الموت مات بعد ان تلقى رمحا قاتلا بفمه، أم ان الرمح انبوبة يشرب بها الموت الروح من صدر القتيل كمن يشرب الكولا من زجاجة؟ أليس الاشبه بالوعيد والمساجلة ان يكون الرمح في يمين الموت لا بين شفتيه؟ وهذا القلق المرتبك في تراكيب الابيات لا يعود الى الكلف بالغريب وحده، بل يعود اليه والى نبو القوافي واقتسارها والصاقها بأواخر الابيات الصاقا متعسفا متكلفا، فإذا قرأت البيت التالي: يا للغناء الذي يشجي مواجعنا يشدو الحياة ، وفينا يعمل الذبحا حرت في هذا الغناء المتناقض الاصداء، فهو يشدو للحياة ويذبح الاحياء، فهل للحياة موضع تتجلى فيه غير الأحياء؟ واذا كان كذلك فكيف يشدو الشعر للروح ويذبح حملة الارواح؟ أهو غناء يزف الى عروس أم صلاة جنازة يصلى بها على ميت؟ ويتجلى ذلك مثل هذا التناقض اذا قرأت البيت التالي: إن مسّه الشوق أو أن الحنين به ينضه القلب من وهج الحشا برحا فانظر الى اقحام البرح ـ والبرح الغضب ـ في بيت ينطوي على عواطف رخيمة، وقل لي كيف تحول الشوق والانين والحنين الى غضب؟ وما الذي حوّل الربح اللينة في صدر البيت الى عاصفة مدمرة غضوب في عجزه؟ وجناية القوافي على المعاني أيسر خطبا من جنايتها على النحو، لأن المعاني خفية لا يدركها المرء الا بعد تأمل. أما قواعد النحو فجلية يعتلقها السمع والعقل، فإذا خالفها الشاعر ضبطت مخالفته وهو ينشد. فالقافية المنصوبة الروي في هذه القصيدة حملت الشاعرة على نصب المجرور أو على تعدية الفعل الى مفعولين، وهو يتعدى الى واحد. فأنت تقول بادرته الى الشيء، أي: سبقته اليه، ولا تقول بادرته الشيء. والشاعرة لم تلتزم في استعمال هذا الفعل ما التزمته العرب، حينما قالت: يدنو كظبي من التصريح في وجل قد راعه السبع إن بادرته البوحا ولك ان تلتمس للشاعرة بعض العذر، فتقول: ان للقوافي قيودا ثقالا، ينوء بحملها الفحول، فلماذا لا نحمل هفوتها اليسيرة على الضرورة، وضرائر الشعر شوهت كثيرا من الابيات لكثير من القدماء؟ أقول: إن التفلت من قيود النحو وقع في الحشو، وحشو البيت أرحب من قافيته، فإن عذرتها في القافية فكيف تعذرها في الحشو؟ لقد كان لها عن التراكيب الملحونة أكثر من مندوحة، فلماذا رضيت بالنقص، وهي على التمام قادرة؟ حذفت ياء خواف في البيت التالي، وحقها الظهور: وقد يريب خواف في مواكنها ويقلب الصبح في لألائه جنحا لو قالت: وقد يريب الخوافي لاستقام اللفظ وبريء التركيب من اللحن، والوزن من النشوز ومن افساد النحو في الحشو ما حقه الجزم، كقولها: وإن تجمل والأهواء خائنة تذروه فوق جراحات الهوى ملحا فقد رفعت الفعل (تذروه) وهو جواب شرط جازم. ولو قالت (ذرته) بالماضي لبريء البيت من مرض اللحن. وآخر ما يأخذه المحكّ النقدي على القصيدة قافيتها التي جاءت على وزن فعْلن بسكون العين. فهذا السكون يعد الغصّة في الحلق، والعثرة في السير، ولو تحرك لانطلق اللسان بالبيان، وشفيت الانفاس من الاحتباس. وبعد.. فكل ما ذكرنا وما لم نذكر من هنات يسيرات لا ينفي عن القصيدة الجودة والجزالة، والجدارة بالامارة، لكنها الامارة على الديوان الذي تصدرته لا على كل ما أنجبه العصر الحديث في الموضوع نفسه. ولا ينفي عن لجنة التحكيم الدقة والانصاف، بل يدفعنا الى طرح اسئلة كثيرة منها: أيغلب على الشعر في العصر الحديث الطبع أم الصفة؟ واذا كانت الغلبة للصنعة فلماذا لا يتقن الصانع صنعته قبل ان يطرح في السوق سلعته؟ وهل من الفصاحة ان نرقع جُملنا برقع معجمية لا يفهم معانيها الا المشتغلون بالمعجمات، مثل: مواكن، ويسترضب، وينضّ.... الخ؟ للنقد ان يسأل، وعلى الشعر ان يجيب، والغرض من تحاور النقد والشعر التصحيح لا التقبيح والتضميد لا التجريح.