بيان 2: الاثار المصرية احد الشواهد الحقيقية على حضارات مصر المتعاقبة طيلة سبعة ملايين سنة.. فهي أصبحت أحد أهم المزارات السياحية على مستوى العالم وقبلة للسائحين الراغبين في قضاء اجازة العمر طبقا لما يصرحون به لصحفهم. ورغم كم الاهمال الذي يعتري هذه الاثار سواء الفرعونية والقبطية أو الرومانية واليونانية والاسلامية وغيرها الا اننا لا نستطيع أن ننكر أن هناك جهودا مخلصة للحفاظ على هذه الآثار التي أصبحت أحد مصادر الدخل الاجنبي لمصر رغم انخفاض ميزانيات الترميم وعمليات احياء وتجديد دماء هذه الأماكن لتتدفق الحيوية فيها عبر السياح الزائرين لها. الدكتور جاب الله علي جاب الله الامين العام للمجلس الاعلى للاثار المعنى بالحفاظ والاهتمام بهذه الاثار يسعى لأن يكون أمينا على هذه الثروة القومية والعالمية الهائلة من خلال ترتيب عمليات التنقيب على الاثار التي دائما تثير الجدل بين الأوساط الثقافية، والسعي لوقف نزيف تهريب الاثار للخارج أو ايجاد متاحف وأماكن لعرضها في شكل يليق بها. وفي حوار معه يجيب د. جاب الله على جميع الاسئلة التي كانت ولاتزال تشغل بال المثقفين والمهتمين بالاثار وأيضا المواطنين العاشقين لها. يثور الحديث أحيانا وربما دائما عما يسمى بفوضى التنقيب عن الاثار في مصر وهو مايدفعنا الى التساؤل مامدى الرقابة التي يفرضها المجلس الأعلى للاثار على البعثات الاجنبية وغيرها؟ جميع عمليات التنقيب عن الآثار سواء كانت بواسطة البعثات الأجنبية أو المصرية تتم تحت اشرافنا، ونحن الجهة الوحيدة بمصر التي لها الحق بحكم القانون في التصرف في الاثار،.. والحديث عن الفوضى في عمليات التنقيب كلام لا اصل له من الصحة واتحدى من يقول هذا الكلام ان يثبته، فعملية التنقيب يحكمها القانون، ولا أحد يعمل بمفرده بل تحت رقابة المجلس الأعلى للأثار وأي اثر يكتشف ويخرج يتم تسجيله في نفس مكانه اذا كان من الاثار الثابتة أو يتم نقله اذا كان من الاثار المنقولة لحفظه في مخزن خاص حتى يتقرر أين سيستقر وهذا هو الملف الثاني المفتوح امامي بعد ملف التنقيب والتخزين. ـ ومامدى ملاءمة تلك المخازن للمواصفات الصالحة لتخزين الآثار؟ ـ تلك الاثار عند اكتشافها وخروجها من باطن الأرض تحتاج الى مخازن لحفظها في الموقع ذاته، وهناك بعض المخازن التي أنشئت في القرن الماضي ولكنها غير صالحة لحفظ الاثار ولذا فقد قمنا بعمل خطة لانشاء مخازن جديدة يطلق عليها اسم (المخازن الحفرية) وتقوم القوات المسلحة بعملية بنائها وهو ملف مفتوح منذ حوالي خمس سنوات تقريبا، وقد انتهينا من بناء نصف المخازن تقريبا ومازال العمل مستمرا. ـ ماذا عن تحديث وتطوير المتاحف القائمة وخطة انشاء عدد من المتاحف الجديدة؟ ـ هناك متاحف قائمة بالفعل بعضها قديم مثل المتحف المصري الذي اقيم منذ حوالي 100 عام، والمتحف الروماني والمتحف القبطي، وهذه المتاحف القائمة تحتاج الى اعمال تحديث، فالمتحف المصري مثلا عندما تم بناؤه كان أعظم متحف في العالم ولكن بعد ذلك ازدحم بمئات من القطع الاثرية الجديدة وعند بنائه لم تكن قد ظهرت أساليب العرض الاضاءة والتكييف والتأمين الحديثة، والموجودة الآن، لذلك فهناك خطة جاري العمل بها لتحديث المتاحف القديمة وتطويرها بصورة شاملة من المتحف المصري الى المتحف اليوناني والروماني الى متحف الفن الاسلامي ومتحف المجوهرات بالاسكندرية. وعلى الجانب الآخر فهناك خطة لانشاء عدد هائل من المتاحف الكبرى مثل المتحف الذي سيتم انشاؤه في منطقة الهرم ليكون ربما أكبر واعظم متحف في العالم، وقد تم بالفعل عمل دراسة الجدوى له بواسطة لجنة استشارية من الخبراء المصريين والايطاليين ويجري الآن تجهيز كراسة الشروط لتطرح عالميا، وهناك متحف اخر سيتم انشاؤه في الفسطاط على مساحة 22.5 فداناً وسيقام تحت رعاية منظمة اليونسكو وهو متحف للحضارة المصرية بصفة عامة بدءا من عصور ما قبل التاريخ وحتى الآن وهو يعد ممايطلق عليها (المتاحف العظمى) وهناك أيضا متاحف الاقاليم وهو مشروع طموح فالاثار كما ذكرنا موجودة في عاصمة كل اقليم ولدينا الآن بالفعل متحف في كل من طنطا وبورسعيد وملوى والخارجة والاسماعيلية ولكن مازال هناك الكثير من المتاحف لنقيمها فليس هناك متحف في المنصورة أو الدقهلية أو الزقازيق أو المنيا وقد طرحنا بالفعل مشروع متحف شرم الشيخ ومتحف الغردقة تحت الانشاء وهناك متحف في العريش واخر في سوهاج، كما تم طرح مشروع متحف كفر الشيخ ومتحف ادفو، ومتحف المنوفية وبهذا المشروع الطموح لانشاء المتاحف في الاقاليم يمكننا على الاقل أن تخرج الاثار من المخازن لعرضها ونشجع السياحة الداخلية في كل مصر لتصير مراكز ثقافية يذهب اليها الطلبة وأهل المحافظة الى جانب السائحين والاتجاه الثالث في موضوع المتاحف هو انشاء متاحف المواقع فعندما نذهب الى منطقة سقارة تجدها شاسعة وممتدة وقد يضل الزائر الطريق، لذا فكرنا أن نقيم متحفا لكل موقع به نماذج وماكينات للمنطقة الاثرية ومافيها ليدلنا الى أين يتجه وماالآثار الموجودة في المنطقة ونماذج من الاثار التي خرجت من ذلك الموقع اينما كان محل عرضها. ولدينا متحف في الشرقية واخر في أسوان وننشئ الآن متحف موقع سقارة وأوشك على الانتهاء باسم متحف (امنحوتب) كما ننشئ حاليا متحف موقع في منطقة العلمين وبالنظر إلى عدد المواقع الاثرية في مصر ـ وهو هائل ـ نجد أننا قد بدأنا مشروعا للاجيال القادمة وهي التي ستكمل المشروع فهذا الملف سيظل مفتوحا. ـ هذا عن ملف المتاحف.. فماذا عن ملف الترميمات الملئ بالتساؤل؟ ـ هذا هو الملف الذي يستنفذ تقريبا معظم ميزانيتنا فاثارنا في كل مكان تحتاج الى ترميم وعمل كثير فكل الاثار طالتها يد الزمن وهو أمر منطقي بحكم الطبيعة بالاضافة الى مشاكل وظروف صعبة تواجه اثارنا أولاها الازدحام السكاني في مناطق الآثار، ممايمثل ضغطا شديدا على الآثار.. فمنذ خمسين عاما كان عدد سكان القاهرة حوالي مليوني نسمة وصلت الى 14 مليون نسمة وهؤلاء يعيشون أما بجوار أو حول أو فوق أو داخل الاثار وهو ماحدث مع الاثار الاسلامية ونجهز الآن للعمل في ترميم 111 اثرا في القاهرة وحدها ليس لدينا وقت لنضيعه لأن الوقت الذي يضيع يكون على حساب الاثر وسلامته. ومن أهم المشكلات التي تواجه اثارنا المياه تحت السطحية فليس تعبير المياه الجوفية دقيقا أو صحيحا ـ وهي قضية كبيرة لأنها تؤدي الى تآكل الاثر من اسفل من اساسه وخاصة بالنسبة للاثار الاسلامية نجدها منخفضة بطبيعتها مع ارتفاع مستوى الشوارع مع تكرار أعمال الرصف وكلما جرى العمل في الصرف الصحي أو مواسير المياه تحدث شروخ بالاثار فكثير من اثار القاهرة الاسلامية والقبطية ارضيتها منخفضة لا تزيد على 4 إلى 6 أمتار عن مستوى الشارع هذه كارثة. ـ وماذا عن معبد (هيبس) ومشكلته المتمثلة في تهديده بالغرق في مياه الصرف؟ ـ مشكلة معبد (هيبس) وهو من أجمل معابد الصحراء الغربية.. أنه كان مهددا بالضياع والسبب عندما بدأ العمل في الوادي الجديد وبدأت المياه تتدفق للرى.. كانت المشكلة انهم اقاموا نظاما لرى الوادي ولم ينشأ معه مصارف لتصريف هذه المياه فبدأت تتجمع حتى صارت المنطقة التي بني عليها معبد (هبيس) مثل الاسفنجة بعد امتصاصها لكمية هائلة من المياه ولذا نحاول الآن نقل المعبد الى مكان آخر؟ ملف خطير ـ وماذا عن معبدي الكرنك والاقصر؟ ـ هذا ملف اخر خطير مفتوح حاليا لأن المياه تحت السطحية المتجمعة تحت الارض المقام عليها المعبدين تهددهما، والسبب في هذا نظام ري الحياض الذي كان متبعا في الماضي حيث تغمر المياه الارض وتغسلها ثم تنزل في النيل، ولكن بعد بناء السد العالي أصبح مستوى الأرض والنهر واحد تقريبا، ولهذ فإن المياه التي تدخل الأرض تبقى بها ولا تصرف في النيل، وهذه المياه تسبب مشكلة في معبدي الاقصر والكرنك وبدأت تشكل خطرا حقيقيا، وقد جاءتنا منحة من الحكومة السويدية مؤخرا لمواجهة هذه المشكلة، وفي المعبدين تعمل شركة سويدية متخصصة حاليا تقوم بانشاء ابار اختبار لتتعرف على حركة المياه ومصادرها بالتحديد لتقدم لنا مشروعا يحل هذه المشكلة في بداية العام المقبل 2002. ـ هناك دعوة عالمية لحماية القرى الاثرية في العالم فأين نحن من هذه الدعوة؟ ـ نحن لا ننتظر هذه الدعوة لاننا نعمل من قبلها ولاننا نعرف الخطر الحقيقي على اثارنا ونحن بلد لديه خبرة 200 عام من العمل في الاثار.. ونحن نشعر بضرورة حماية القرى الاثرية وخاصة اثار الدلتا التي تختلف عن اثار الصعيد فآثار الدلتا في معظمها عبارة عن اكوام تسمى التلال الاثرية وفي ظل زيادة عدد السكان بالدلتا نسعى لحل هذه المشكلة وقد أعددنا مؤتمرا لعلماء المصريات في العام الماضي (مارس 2000) حضره أكثر من 1200 عالم من انحاء العالم وقد وجهت لهم نداء بأنه جاء الوقت للتركيز على الدلتا لأن تلك الاثار لو ضاعت فلن تغفر لنا الاجيال القادمة هذا ابدا. ـ واخر ماوصل اليه مشروع متاحف الاثار الغارقة؟ ـ الاثار الغارقة شئ مهم جدا بالنسبة لنا فقد ظللنا نعمل في الاثار على الارض، لمدة 200 عام ونسينا أن لدينا شواطئ تحتوي على اثار كثيرة.. فبدأنا منذ التسعينيات نعمل تحت الماء، وبالفعل جاءت النتائج بأكثر ممانتوقع.. فقد عثرنا على عدد هائل من الاثار عند قلعة قايتباي، وعثر على الحي الملكي فيما نسميه بالميناء الشرقي، كما عثر على ثلاثة مدن هي مدينة (كانون) أبو قير حاليا، وحي من الاحياء اسمه (منوتسي) ومدينة ثالثة اسمها (هيراكليوم) في أبوقير ومازال العمل مستمرا بها وهناك عمل يجري ايضا في مياه البحر الأحمر في منطقة تسمى (جزيرة سعدان) حيث تم العثور على مركب يرجع تاريخه الى القرن السابع عشر بكل حمولته ولهذا انشأنا في المجلس الاعلى للاثار ادارة خاصة اسمها ادارة الاثار الغارقة ولها خطتها التي تعمل بها الآن، وهي تقوم حاليا بعمل مسح اثري لكل الشواطئ المصرية ويوضع هذا المسح على خرائط وتكون لدينا خطة عمل بحيث تأتي البعثات في المستقبل فنكون قد حددنا المناطق التي نعمل بها. ـ مازالت قضية اثارنا التي يتم عرضها في معارض دولية في الخارج تتأرجح مابين التأييد والرفض.. فما هي رؤيتكم لهذه القضية؟ ـ خروج الاثار للمعارض الدولية، في رأيي عمل سليم 100% لأن العالم كله يعرف هذا النظام ويشارك فيه من الصين لروسيا واليونان وايطاليا واليمن.. وهذه صارت (لعبة دولية) بعد أن أصبح العالم قرية واحدة وكل دولة تحاول أن تقدم نفسها للعالم وتروج لنفسها بأفضل مالديها.. فما هو أفضل مالدينا؟!. ماالذي نبرع فيه أكثر هل صناعة السيارات أم السجاد أم المرور في شوارعنا؟.. انها الاثار ورموز الحضارة المصرية العريقة، خير مايقدمنا للعالم لنحتل فيه مكانا مرموقا يليق بنا، لذلك أوافق على سفر الاثار للمعارض بشروط: أولها أن نطمئن للجهة التي يتم بها العرض وان يكون متحفا محترما. ثانيا: أن يكون المشرف على عملية العرض بعض من العلماء المتخصصين، وكذلك فعندما نختار القطعة التي تسافر نختارها بدقة وطبقا للقوانين المنظمة بهذه المسألة، كأن تكون قطعة مكررة وان تتحمل السفر، ثم مسألة التأمين عليها عند السفر، عندئذ لا بأس من سفر القطع الاثرية لتعود علينا بعائد نحتاجه لاعمالنا فالهيئة لا تحصل على (قرش) واحد من الدولة، بل أن كل الانشطة التي تحدثنا عنها من التمويل الذاتي للهيئة، والأهم من هذا كله فعندما يقام معرض لاثارنا في بلد ما يكون هذا أفضل دعاية للسياحة لبلدنا وكل قطعة اثرية تخرج من مصر لا تخرج الا بعد موافقة اللجان ثم موافقة مجلس الادارة ثم اعتماد من الوزير ثم قرار من رئيس مجلس الوزراء. تهريب الاثار ـ وماذا عن مسلسل تهريب الاثار الذي مازال مستمرا حتى الآن؟ ـ انها قضية اخرى مفتوحة.. فالاثار بالنسبة للبعض سلعة غالية جدا فإذا كنت تملك الذهب والماس فلابد أن تتوقع ان يحاول اللصوص سرقتهما.. فمحاولات السرقة أمر طبيعي، وهذه السرقات لا تتم من المتاحف أو المخازن، وانما الأماكن المفتوحة مثل الصحراء أو الحقول المملوكة لاشخاص قد يجدوا فيها اثارا بالصدفة ولن يستطيع أحد أن يدعي انه يعرف كل منطقة بها اثار في مصر، وهذا التنقيب غير المشروع هو عادة وراء مشكلة سرقة الاثار وتهريبها ومما يطمئنا ان نقرأ في الصحف اخبار ضبط محاولات تهريب الاثار فهذا يعني النجاح في حماية الاثار، وعندما لا نقرأ عن هذا المسلسل يجب أن نقلق لأن هذا لا يعني ان اللصوص قد امتنعوا عن سرقة الاثار بل يعني انهم نجحوا في تهريبها ونحن لدينا العديد من الاحتياطيات التي تجعلنا ننجح عادة في حماية اثارنا منها شرطة السياحة. ـ نسمع عن خطة لاستعادة الاثار المصرية الموجودة بالخارج وتحولت هذه الخطة الى قضية مثارة حاليا في الأوساط الثقافية والمحافل الدولية؟ ـ معظم الكلام الذي يثار حول هذه القضية هو (كلام مغلوط) وغير دقيق فهذه الاثار بها أحد أوضاع ثلاثة أولا هناك اثار خرجت منذ أكثر من 200 عام، أي قبل أن تكون هناك مصلحة آثاراً في مصر أو قانون للاثار وحمايتها، ثانياً أن هناك آثاراً خرجت من مصر بطريقة شرعية ورسمية لأن القانون كان يسمح بأن يكون لكل بعثة تعمل جزء مما تعثر عليه من اثار، وثالثا هناك اثار خرجت عن طريق الشراء فحتى عام 1983 كان القانون يسمح بالاتجار في الاثار فكان يمكن لأي شخص أن يذهب الى محل بازار مرخص له ويشتري القطع الاثرية التي يرغبها.. اذن فهذا العدد الهائل من الاثار خرج بطريقة مشروعة في معظمه، ولا شك أن هناك آثاراً خرجت بطريقة غير مشروعة، وهناك اتفاقية دولية وقعت عام 1972 فأي اثر خرج بعد هذه الاتفاقية بطريقة غير مشروعة يجب ان يعاد وفي هذا الاطار قمنا باستعادة اثار مصرية من كندا وانجلترا وتونس والأردن واسرائيل.