بيان 2: رغم انتشار المقاهي في معظم المدن الأردنية وبخاصة عمان والزرقاء والسلط والرصيفة، إلا أن لبعض هذه المقاهي نكهتها المميزة التي تشعرك بأن هذا المكان بالفعل كان، يوم مر جدك وهو شاب يافع من «هنا» لم تكن لديه نية ليغادر هذا المكان مستقبلا. وتبرز ميزة هذه المقاهي على الخصوص في امرين اثنين الاول في كونها قديمة للغاية، اما الثاني فللذاكرة التي تحملها «حيطان» هذه المقاهي حيث اتكأ عليها معظم سياسيي ومثقفي البلد، ودارت بينهم الحوارات السياسية والثقافية التي افرزت فيما افرزت حاضرنا. ومن ابرز هذه المقاهي «مقهى الاردن» الذي أنشئ عام 1963 ويقع في وسط العاصمة عمان حيث الازدحام، وحيث لا اثر لاستعراض ضجة القرن سواء بالوانه أو اضوائه، فكل الرجال هنا جاءوا من اجل كسب قوت يومهم كما كان يكسبه اجدادهم في السابق حيث الاسواق الشعبية والحكايا الشعبية، وتجاعيد مواطن عادي جدا. واذا ما كان مجيد المعشر قد اعترف بأنه ما عاد للمقهى نضارته واهميته كما كان له في السابق حيث استعيض اليوم عنه بالصالونات السياسية والثقافية التي يقيمها رؤوس القوم لامثالهم إلا أنه يصر حتى اللحظة أن امله لم يخب بعد في استنهاض ذاكرة الاحفاد ليستكملوا ما بدأ به اجدادهم من نقاشات ساخنة في شتى المواضيع. حول ذلك يبث الروائي والكاتب الأردني مؤنس الرزار هموم جيله من المبدعين حيث لم يعد يجدون مكانا يؤوي شغبهم بعد أن تم هدم «العمارة التي كانت تؤوي مقهى العاصمة» إلى الحد الذي شعر معه المثقفون والمبدعون أن شيئا ما طردهم من بيتهم الخاص والحقيقي ورماهم على قارعة الطريق. يقول الرزاز أن عمان باتت بلا مقاه للمثقفين الذين باتوا يتنقلون من مقهى إلى اخر بعد العاصمة كاللاجئين غير السياسيين. وفجأة يقوم مجيد المعشر مدير مقهى الاردن وعاتبه عتابا رفيقا حميما ثم قال انه على اتم الاستعداد لاستقبال المثقفين في مقهى الاردن، بل وتوفير ركن خاص بهم فيقرأ الكاتب أو يكتب في اجواء تقدر خطورة مسئولية الاقلام. ويتابع مجيد أن الاردن يفتقر فعلا إلى مقهى للمثقفين أو على الاقل مقهى يوفر لهم اجواءهم الحميمة على عكس عواصم عربية اخرى كالقاهرة ودمشق وبغداد. ويعلق الرزاز على اقتراح المعشر بالقول أن الامل عاوده اذ كاد يستسلم لليأس من امكانية توفر مقهى شعبي في قاع المدينة يوفر للمثقفين ذاك الجو من الحميمية والدفء والصحبة. اماكن النخبة المثقفون الاردنيون لا يريدون بل ويرفضون اماكن النخبة انهم ببساطة يريدون أن يبتعدوا عن نخبويتهم إلى شعبيتهم.. إلى ذاك المكان العادي جدا لهذا لم تفلح العديد من المحاولات التي اختلقها البعض بل ومنهم المؤسسات الرسمية عندما حاولت توفير غرفة ما - انيقة جدا، وراقية جدا - في المركز الثقافي الملكي في بداية التسعينيات. ومحاولات فردية اخرى عديدة خصص فيها بعض الميسورين لاصحابهم من المثقفين اماكن يرتادونها ولكنها كلها لم تستطع أن تحقق ذاك الجو من الطمأنينة والالفة التي تحيط بالمثقف في المقهى. فالمسألة ليست في مكان وفقط والمثقفون لا يريدون صالونات ادبية يتواعدون بها في ساعة محددة وتقدم له «الخدمات» وتفاصيلها بعناية انهم ببساطة يريدون مكانا شعبيا يأمونه دون موعد ودون تنسيق وكأن الامر أمسيات للادب ليلية. ومع تطور الحياة وتغير الحال، وافتراق المثقف عن السياسي وعن التاجر وعن رجل الاعمال حيث اصبح لكل جوه واماكنه الخاصة بات من الصعب للغاية استدعاء الجو الذي كان. اللهم امرا واحدا ما زال في مقهى الاردن على حاله كونه المكان المفضل للسياح الذين يأتون لزيارة المناطق السياحية والاثرية في الاردن، وذلك نظراً لموقعه المتميز في قلب العاصمة (عمان) وبساطته وقدمه. دور مهم قمنا بزيارة إلى المقهى والتقينا مع مديره مجيد المعشر الذي لم يخف حزنه لان اشياء كثيرة قد تغيرت في عمان ورجال عمان. ويضيف المعشر ان معظم رؤساء الوزارات السابقين ورجال الاعمال والقانون كانوا يأتون الى المقهى وكانوا من زبائنه، حيث لعب (المقهى) ادواراً كثيرة في العاصمة خصوصا لعدم وجود نوادٍ فكان المقهى مأويً لهؤلاء ولم يعد الآن كذلك إلا لقلة من عشاق الماضي وبعض المغتربين من الكتّاب العراقيين والمثقفين الاردنيين. وعلى انغام اغنية ام كلثوم «قل للزمان ارجع يا زمان» يبث المعشر حزنه عبر سؤال تركنا له حرية اختيار اجابته قال: انظر إلى رواد المقهى الان هل تعتقد أن اعدادهم جيدة.. عندما كان المقهى يخلو في بعض الفترات من رواده ايام الستينيات والسبعينيات كان يتواجد فيه مثل هذا العدد واشار إلى الحضور الذين لم يتجاوزوا العشرين. في مقهى الاردن الكثير من الاثريات القديمة التي يبدو أن مدير المقهى حافظ على العناية بها بصورة خاصة، سألناه عن عمر الصوبات «المدافيء» التي تكون في العادة بين كل طاولتين أو ثلاثة فابتسم وكأننا استطعنا أن نعيد له اجواء «ايام زمان» فقال على الاغلب تتجاوز الثلاثين عاما. وفي رده على سؤال حول ما يراه من اسباب دفعت إلى هجرة البعض للمقاهي قال تجمعت عدة اسباب ولكن اهمها الاوضاع الاقتصادية فالرجل في السابق كان يشعر أن لديه بعض الوقت للجلوس مع رفقائه واصحابه خصوصا في ساعات المساء، إلا أن الحالة الاقتصادية حولت «العالم» ويقصد الرجال إلى مجرد كائنات عاملة تذهب صباحا إلى العمل وتعود في المساء منهكة لا تريد إلا أن تنام فقط. ولم ينف المعشر أن التطورات التكنولوجية في هذا العصر ساهمت إلى حد بعيد في هذا الابتعاد ومنها وجود الفضائيات وغيرها من الوسائل التي يشعر المرء انه ليس بحاجة إلا إلى الجلوس امام شاشة التلفزيون ليسمع العالم باسره وما يحدث فيه. إضافة إلى ذلك يقول المعشر أن الرواد الحقيقيين للمقهى ماتوا على الاغلب والباقي ما عاد يأتي لكبر سنه أو لعدم وجود من يجلس معه فيه فقد رحل التجار والسياسيون والمثقفون من كبار السن ثم اعتاد من هم اصغر سنا على عادات اخرى. ميزة المقهى بحسب المعشر سياسته في التعامل مع الزبائن وتقديم الخدمة الجيدة لأنهم يأتون طلباً للراحة. وكان بعضهم يمضي وقته في شهر رمضان حتى وقت السحور. نظرنا إلى شرفة واسعة تدعى (تراس) تطل على الشارع العام التي تستطيع فيها أن تجلس ساعات طويلة دون أن تشعر بالملل ذلك لاحاطتك بالشارع الذي تزدحم فيه الخطى وكانت مقفلة فسألنا عن السبب فقال المعشر الجو الان بارد جدا ولا يرغب أي من الزوار أن يجلس في الخارج إلا في حالات خاصة يكون فيها الجو معتدلا في فصل الشتاء ولكن في الغالب لا يستطيع المرء أن يجلس هناك في فصل الشتاء طويلا. اما السياح فانهم أحد ابرز المجموعات دائمة التردد على المقهى حيث يأتون إليه من اجل التقاط بعض الصور التذكارية سواء لهم أو لعمان من خلال (التراس)، حيث أن منظر قلب عمان وخصوصا في ساعات المغيب جميل للغاية ولهذا فان المشهد من السهل أن يسحر السياح. وأكد ان بعض السياح يأتون الى الاردن ويسألون عن مكان مقهى (الاردن ). كذلك الحال بالنسبة للاخوة القادمين من فلسطين وهذا الامر ايام فصل الصيف حيث سحر الجو هنا.