خلال قرنين ونصف القرن تقريبا من الزمان أقيم حفلان كبيران لهذا الكتاب الموسوعي، «تاج العروس من جواهر القاموس». الأول أقامه مؤلفه السيد محمد مرتضى الحسين الزبيدي في القاهرة بعد أن فرغ من تأليفه، كان مكانها القاهرة، بالتحديد في عام ألف ومائة وثمانية وثمانين هجرية - 1760 ميلادية - أي منذ مائتين وأربعين سنة تقريبا. والثانية في الكويت بمناسبة اكتمال تحقيقه وطبعه الذي بدأ منذ عام خمسة وستين وتسعمائة وألف من القرن الماضي. وقد جرى هذا الاحتفال في بداية هذا الاسبوع يومي التاسع والعاشر من فبراير الحالي. أقام الحفل المجلس الوطني للثقافة ودعا اليه أمينه العام الدكتور محمد الرميحي حيث قدم الى الاساتذة والمتخصصين نسخة كاملة مطبوعة، مدققة، تقع في أربعين مجلدا وذلك ضمن احتفالات الكويت كعاصمة للثقافة العربية الاحتفال الأول يصفه لنا الشيخ عبدالرحمن الجبرتي. المؤرخ المصري الذي دون وقائع التاريخ في نهاية القرن الثامن عشر. وأول التاسع عشر، وعاصر أحداثا هامة أشهرها حملة نابليون بونابرت على مصر. كان من تقاليد العلماء أن يقيموا حفلا كبيرا اذا انتهوا من تأليف كتاب بذلوا فيه الجهد والوقت، والحفل في ذلك الزمان كان لابد أن يحتوي على وليمة يأكل فيها القوم، يقول الجبرتي في تاريخه: إن الزبيدي لما أكمل شرح القاموس. أولم وليمة حافلة. جمع فيها طلاب العلم وأشياخ الوقت بغيط المعدية، وذلك في سنة إحدى وثمانين ومائة وألف، وأطلعهم عليه، واغتبطوا به، وشهدوا بفضله، وسعة اطلاعه ورسوخه في علم اللغة. وكتبوا عليه تقاريظهم علما ونثرا، فممن قرظ عليه أي امتدحه شيخ الكل في عصره الشيخ علي الصعيدي، والشيخ أحمد الدردير، والسيد عبدالرحمن العيدروسي..». يسترسل الجبرتي في ذكر تفاصيل الحفل الذي يعكس تقليدا جميلا من تقاليد علماء ذلك الزمان. ولذلك أتوقف أمام الكاتب والكتاب إذ تربطني صلة قديمة بهذه الموسوعة اللغوية الضخمة، منذ أن اقتنيت نسخة قديمة طبعت في مصر في نهاية القرن التاسع عشر في المطبعة الدهبية، وتقع في خمسة أجزاء، وتعد ناقصة، وغير محققة، وهناك طبعة أخرى كاملة طبعت في عشرة مجلدات نهاية القرن التاسع عشر، لكنها مضطربة وغير موقعة، ويصعب الاستفادة منها، في عام خمسة وستين من القرن الماضي ظهر المجلد الأول في الكويت ضمن سلسلة التراث العربي، بتحقيق عبدالستار أحمد فراج، وحتى عشر سنوات خلت، صدر منه ثلاثون مجلدا، وكان الحصول عليها صعبا، إذ صدرت الأجزاء على مسافة زمنية طويلة، لذلك يعد صدور تلك الطبعة انجازا ثقافيا كبيرا ذا دلالات متعددة. المؤلف يمني الأصل ينتسب الى زبيد، نفس البلدة التي ولد وعاش بها ودفن فيها، مؤلف القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي، والقاموس المحيط الذي يعد من أهم القواميس العربية يقع في مجلد واحد من الحجم الكبير، أما «تاج العروس» الذي يعد شرحا له فيبلغ في حجمه عشرين ضعفا، وتلك إحدى المرات النادرة في التأليف العربي التي يفوق فيها الشرح أضعاف حجم الكتاب الأصلي، ومنهج الزبيدي أنه يقارن بين المادة التي وردت في «القاموس المحيط» وما شابهها في القواميس العربية الموسوعية، بدءا من «المخصص» لابن سيدة الذي لم يحقق تحقيقا علميا حتى الآن، ولكن نتمنى أن يتبنى الصديق الدكتور محمد الرميحي مشروعا لتحقيق «المخصص» لابن سيدة بعد أن أتم تاج العروس، اعتمد الزبيدي إذن على مقارنة الموسوعات اللغوية العربية الكبرى التي صدرت على فواصل زمنية مختلفة، بما جاء من مادة في القاموس المحيط، هكذا أصبح «تاج العروس» قاموسا للقواميس، جامعا، شاملا، ويمكن اعتباره آخر تأليف موسوعي في هذا المجال، إذ لم يصدر منذ الانتهاء منه عمل يوازيه حجما وقيمة، مع ملاحظة التغيرات الكبرى التي طرأت في مجال اللغة، والمصطلحات العديدة التي أضيفت الى مجالات الحياة المختلفة، ليس على امتداد قرنين من الزمان ونصف القرن، إنما على امتداد السنوات الأخيرة فقط والتي شهدت مجالات علمية جديدة مثل شبكة الاتصالات الدولية وعلوم الفضاء والفلك، تلك التي تستخدم فيها مصطلحات علمية تتطور تطورا كبيرا ولا يوجد لها مقابل في اللغة العربية، هنا تبرز الحاجة الى قاموس موسوعي معاصر، يستوعب المصطلحات الحديثة، ويوجد مقابلا لها، ويصدر له ملحق سنوي يحمل الجديد من قرارات المجامع العربية اللغوية، وهذا عمل لا يمكن أن تقوم به جهة واحدة، إنما يجب أن تتضافر عليه الأقطار العربية مجتمعة من خلال الجامعة العربية، هذا إذا صدقت النوايا في خدمة اللغة العربية والحفاظ عليها وجعلها قادرة على مواجهة العصر. ظهور طبعة كاملة محققة من «تاج العروس» خطوة هامة في هذا الطريق، فلا يمكن تأسيس قاموس موسوعي حديث إلا بعد اتاحة قواميس اللغة العربية الكبرى، وحاليا توجد طبعة جيدة من «لسان العرب» لابن منظور الذي وضع في القرن السابع، ويعد «تاج العروس» مجمعا لتلك الموسوعات، يمكن التأسيس عليه، وقد تصدى السيد مرتضى الزبيدي بمفرده لانجاز هذا التأليف، يقول في إحدى رسائله الى شيخ من شيوخه: «ومما منّ الله تعالى عليّ أني كتبت على القاموس شرحا غريبا في عشر مجلدات كوامل، جملتها خمسمائة كراس، مكثت مشتغلا به أربعة عشر عاما وشهرين، واشتهر أمره جدا، حتى استكتبه ملك الروم نسخة، وسلطان دارفور نسخة وملك المغرب نسخة..». ويذكر الجبرتي أن محمد بك أبوالذهب، اقتنى نسخة مقابل مائة ألف درهم دفعها للمؤلف، واحتفظ بها في خزانة الكتب الملحقة بمسجده الكائن حتى الآن أمام الجامع الأزهر، وهذه النسخة توجد الآن في دار الكتب المصرية. كثيرا ما توقفت عند شخص المؤلف نفسه، مصدري في ذلك ما كتبه الجبرتي عنه أو ما كتبه هو عن نفسه خلال مؤلفاته المتاحة، وأهمها تاج العروس، اضافة الى أكثر من مائة رسالة وكتاب ما زال بعضها مخطوطا، وقد أحصاها المحقق عبدالستار أحمد فراج في مقدمته للمجلد الأول الصادر عام خمسة وستين لقد جاء السيد مرتضى الزبيدي الى مصر عام سبعة وستين ومائة وألف، استقر بالقاهرة بعد ترحال وصل خلاله الى مكة والمدينة والطائف، وبعد تسع سنوات من قدومه بدأ في تأليف «تاج العروس» الذي استغرق منه أربعة عشر عاما وبضعة شهور، والحقيقة ان حجم التاج، ومضمونه يؤكد أنه كان يستحق وقتا أكثر من ذلك. ولابد أنه كان ينفق ساعات عديدة يوميا في العمل، كان في عنفوانه عندما بدأ وضع موسوعته. لقد ولد عام خمس وأربعين ومائة وألف هجرية، أي أنه عندما جاء الى مصر كان عمره عشرين عاما، وعندما بدأ في تأليف «تاج العروس» كان له من العمر تسعة وعشرين، وعندما فرغ منه، كان في الرابعة والأربعين تقريبا، لا يذكر لنا تلميذه الجبرتي الذي جالسه كثيرا اسم البلد الذي ولد فيه، لكن توجد إشارات في بعض المؤلفات تذكر أنه ولد في بلدة «بلجرام» بالهند، وكما تذكر دائرة المعارف الاسلامية. فهي تعد من مراكز الثقافة الاسلامية في شبه القارة الهندية، لكن لا يوجد نص صريح يقطع بأنه من بلجرام كما ذكر الذين طبعوا تاج العروس أول مرة، لكن المؤكد أنه أقام في زبيد التي ينتسب اليها، وأنه تلقى فيها علوما جمة ودرس بها، قبل أن ينتقل الى الحجاز، جاء الى القاهرة وسكن بخان الصاغة، والتقى بشيوخ الوقت، مثل الشيخ علي المقدسي الحنفي، والشيخ أحمد الملوي، والجوهري، والحفني، والبليدي، والصعيدي، والمدابغي، وغيرهم، ثم رحل الى الصعيد والى الوجه البحري ليلتقي بالمشايخ الكبار، كانت الحركة في ذلك الوقت متاحة لطلبة العلم، لا توجد اجراءات ادارية، أو مواقع جمركية أو أمنية، كان طالب العلم يحل بأي مدينة عربية أو اسلامية فيجد من كرم الضيافة والعون ما يساعده على التحصيل، يقول الزبيدي في إحدى رسائله الى صاحب له: «ثم الذي أخبركم مما من الله تعالى به عليّ أني حين وصولي الى مصر افترصت المدة، وانتهزت القعدة، فاكببت على تحصيل العلوم، وتكميل منطوقها والمفهوم، وتشرفت بالسماع الصحيح على سنديها الموجودين، ورحلت الى بيت المقدس، والرملة، ويافا، ودمياط ورشيد والمحلة وسمنود، والمنصورة، وأبوصير ودمنهور، وعدة من قرى مصر سمعت بها الحديث، ورحلت الى أسيوط وجرجا، وفرشوط، وسمعت في كل منها..». عند حد معين، يأذن شيوخ الوقت الكبار لطالب العلم النابغة بالتدريس، وهذا ما كان يعرف في التقاليد العلمية العربية بالإجازة، يقول الزبيدي في إحدى رسائله: «ثم أذن لي في القاهرة بدرس الحديث، فشرعت في إقراء صحيح البخاري في مسجد شيخون بالصليبة..» أصبح مشهورا في مصر، وانتقل الى منزل كبير بسويقة اللالا التي ما تزال تعرف في القاهرة القديمة بهذا الاسم. وأقبل عليه الأكابر والأعيان، ورغبوا في معاشرته، إذ كان لطيف الشكل والذات وحسن الصفات، بشوشا، بسوما، وقورا، محتشما، مستحضرا للنوادر والمناسبات، ذكيا، فطنا، واسع الحفظ، عارفا باللغة الفارسية والتركية، يقول الجبرتي: «ودعاه كثير من الأعيان الى بيوتهم، وعملوا من أجله ولائم فاخرة، فيذهب اليهم، مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملي، وكاتب الأسماء، فيقرأ لهم شيئا من الأجزاء الحديثية كثلاثيات البخاري، بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده وبناته ونساؤه من خلف الستارة وبين أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة، ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء، والصبيان، والبنات، واليوم والتاريخ، ويكتب الشيخ تحت ذلك: «صحيح ذلك».. كانت مجالس العلم تحاط بالتوقير، وتطلق فيها الروائح العطرة، ويلتزم المحدثون بتقاليد الأقدمين، ومن أوصاف الجبرتي، يمكننا أن نلاحظ الحيوية التي كانت حول السيد الزبيدي، والتي كانت سمة من سمات الوقت الذي يطلق عليه البعض، عصر الانحطاط الفكري في العصر العثماني لمصر، ويستدل الباحث الأمريكي بيتر جران بانجاز «تاج العروس» كمثال على النهضة العلمية والفكرية في ذلك الوقت. يذكر الجبرتي ملامح من حياته الخاصة، بعد انجازه «تاج العروس» أقدم على الزواج، كان اسم زوجته زبيدة، وأبوها ذو الفقار الدمياطي، أحب زوجته تلك حبا شديدا، وفي عام ستة وتسعين ومائة وألف هجرية، ماتت، فحزن عليها حزنا شديدا، ودفنها عند مشهد السيدة رقية، وبنى على قبرها مقاما ومقصورة، وزوده بالستائر والفرش والقناديل، ولازم قبرها أياما طويلة، يجتمع عنده الناس والقراء والمنشدون، ويعمل لهم الأطعمة الطيبة، ثم اشترى قطعة ارض مجاورة للقبر. وبنى عليها منزلا صغيرا، أثثه وأسكن به أمها، وكان يبيت به أحيانا، ورثاها بقصائد عديدة، على أنه لم يخلف من هذه الزوجة أولادا، ولم ينجب أيضا من زوجته الثانية والتي يذكر الجبرتي أنها استولت مع أقاربها على كل ما خلفه بعد وفاته بالطاعون في عام خمسة ومائتين وألف. لم ينجب الزبيدي أولادا، ولكنه خلف مؤلفات عديدة أهمها «تاج العروس» والذي يعود ليحتل مكانه في المكتبة العربية محققا، مدققا، في أربعين مجلدا، هكذا يختتم تاج العروس رحلة كبرى في الزمان والمكان، بدأها صاحبه من احد بلاد الهند وزبيد اليمنية الى أن استقر به المقام في القاهرة. ليطبع كتابه محققا في الكويت وليستغرق اصداره سبعة وثلاثين عاما، ولا يوجد أبلغ من هذا الجهد كدليل على وحدة الثقافة العربية، وتنوع مراكزها، ونتمنى أن يقام في المستقبل احتفال بتمام تأليف قاموس عربي موسوعي يدخل لغتنا الى صميم العصر.