بيان2: الحصول على فرصة عمل وسط طابور البطالة الطويل يحتاج الى مؤهلات عديدة لأن الوظيفة ترتبط ارتباطا وثيقا بما يملكه الانسان من مؤهلات وقدرات.. لذلك يحاول معظم الناس دائما أن يطوروا معرفتهم وقدراتهم للحصول على وظيفة متميزة. وكان المجتمع العربي يفرض القيود على بعض المهن بالنسبة للمرأة لذلك كان لابد من وجود عوامل مساعدة لتساعد في الحصول على عمل.. ولأن النساء الفقيرات لا يملكن أياً من هذه العوامل لذلك كان عليهن البحث عن وسيلة أخرى وهي العمل العشوائي أو ما يسمى القطاع غير المنظم حيث لا توجد قيود رسمية. هذا العالم المليء بالغموض والمفاجآت التي فجرتها الدراسة التي أجرتها منظمة العمل العربية على حوالي 13 مدينة افريقية.. حيث أشارت الدراسة الى أن نسبة وجود المرأة في هذا القطاع تمثل في تونس 36.1% وفي المغرب 56% والجزائر 25% وفي مصر 43%. وبينت الدراسة أهم المجالات التي تعمل فيها النساء في هذا القطاع مثل بيع الحلوى والسجائر والمناديل الورقية والآيات القرآنية في وسائل المواصلات.. وقد تزاول المرأة عملها داخل الوحدة المعيشية أو خارجها فبامكانها في الأحياء الشعبية بيع الخضر أو الحلوى بجوار الباب الخارجي للمنزل أو الحجرة ويكون الزبائن عادة هم سكان الحارة أو الزقاق الذي تسكن فيه.. وقد تمارس هذا العمل في منطقة مجاورة للسكن أو على الأرصفة وتصطحب أطفالها معها.. وكثير من النساء يضطررن للعمل خادمات بصورة شبه دائمة أو باليومية في المنازل لدى أرباب أسر الطبقة المتوسطة أو العليا.. كما يعمل بعض النساء ببيع بعض المنتجات في اشارات المرور.. وكان الدافع الوحيد لعمل المرأة هنا هو الحاجة.. لذلك فإنها قد تتورط في الأعمال المحظورة أو التي يجرمها القانون. تقول أم محمد ـ 42 سنة ـ تبيع الحلوى والمناديل الورقية وبعض المنتجات الأخرى أمام منزلها بحي السيدة زينب: بعد موت زوجي لم يكن أمامي أي حل إلا أن أعمل حتى أستطيع أن أربي أطفالي محمد ـ 10 سنوات ـ ودينا ـ 8 سنوات ـ ولأني غير متعلمة وليس لدي القدرة على ايجاد عمل.. لذا قمت بشراء بعض المنتجات الصغيرة وأضعها على منضدة أمام باب المنزل الذي أسكن في غرفة فوق سطحه.. وكل أهل الحارة يشترون من بضاعتي حتى يساعدوني على تربية الأطفال وتعليمهم والحمد لله هم متفوقون في المدرسة ويحصلوا على«نمر» كبيرة. وتشير الدراسة الى أن المرأة في الريف تلجأ لبيع انتاجها من الجبن والزبد والطيور في سوق القرية.. كما تمارس بعض الأنشطة الأخرى داخل مسكنها مثل اعداد الطعام والحلوى أو شراء بعض السلع كالملابس والمفروشات والأقمشة الرخيصة وبيعها بثمن أعلى.. وتجيد المرأة استغلال فرصة وجود تجمعات عمالية لعمال البناء وغيرهم وتقوم ببيع الطعام المطهي كالكشري والعدس والطعمية والمحشي والخبز واعداد الشاي والحلبة وغيرهما من مشروبات. ويعترض د. أحمد المجدوب أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية على الجزء الخاص بلجوء المرأة الريفية الى بيع منتجاتها من الجبن والزبد قائلا: معروف عن المرأة الريفية منذ القدم أنها تنتج احتياجات بيتها وكان عدد قليل منهن يتاجرن بهذه المنتجات.. أما الآن فقد أصبحت المرأة الريفية مستهلكة فقط وذلك بعد التغيرات التي طرأت على القرية المصرية فاتجهت الى شراء الفراخ بدلا من تربيتها والخبز بدلا من خبزه في المنزل لأن الجاهز أرخص. بطالة النساء أوضحت الدراسة أن العوامل الأسرية وراء عمل المرأة في هذا القطاع تتمثل أساسا في حاجة المرأة للنقود للمشاركة في ميزانية الأسرة أو لفقد العائل.. وهذا الدافع أوضح في الريف حيث أن 59% من النساء يعملن في تربية الدجاج والطيور و75% يعملن في طحن الحبوب و47% في تصنيع الأغذية. وأكدت الدراسة أن 70% من النساء بدأن أعمالهن في المنزل وأن 38% من الأسر تلجأ للاستفادة من الصندوق الاجتماعي في مصر. وبينت الدراسة أن المرأة تشكل نسبة 70% من قوة العمل في هذا القطاع العشوائي.. وأن 84% من النساء في السودان يعملن في النشاط الزراعي وفي موريتانيا 82% وفي العراق 68% أما في القطاع الاقتصادي فإن 46% من نساء المغرب يعملن في هذا القطاع وفي تونس 43% وعمان و39% ولبنان 27.8%.. وبالنسبة لمعدلات بطالة المرأة توضح احصائيات منظمة العمل الدولية أنها أعلى من الذكور.. ففي مصر البطالة 10% للذكور و40% للإناث وفي الأردن 4% للذكور و16% للإناث والبحرين 6% للذكور و35% للإناث. ويقول د. محمد محمود الامام وزير التخطيط المصري الاسبق الدراسات التي أجريت على القطاع العشوائي بشكل عام قليلة جدا وخاصة التي تتعرض لوجود المرأة في هذا القطاع رغم أنه ـ القطاع ـ يحتاج الى الكثير من الدراسات الاقتصادية والاجتماعية للنهوض به لأنه يشغل مساحة كبيرة من حجم سوق العمل.. واذا قلنا أن الاقتصاد القومي يعتمد دائما على الصناعات الصغيرة والتي نتجه الآن الى تشجيعها ومساندة أصحابها فإن هذا القطاع يصلح لأن يشكل جزءاً مهماً بالنسبة للصناعات والمشروعات الصغيرة اذا ما استطعنا دراسته وتحديد المشكلات التي تواجهه والعمل على حلها بشكل علمي. للمتزوجات فقط أكدت دراسة منظمة العمل العربية أن 80% من النساء العاملات في القطاع العشوائي متزوجات مما يدل على أن توفير نفقات الأسرة هو الدافع الوحيد للعمل.. كما بينت إحدى دراسات البنك الدولي أن أكثر من 50% من هؤلاء النساء أميات.. وتصل نسبة أميتهن في دول العالم الثالث الى 90%. من الأعمال العشوائية الأخرى التي تمارسها المرأة الدلالة والسمسرة وهي تحتاج الى خبرة وممارسة وقدرة على الحوار وعمل علاقات كما تقول السيدة أم فتحي ـ 48 سنة ـ وتعمل دلالة:أعمل في هذه المهنة منذ حوالي 8 سنوات وقد كونت علاقات واسعة مع الزبائن الذين يشترون كل ما يحتاجونه مني وأيضا مع بعض التجار حيث أشتري منهم البضاعة بسعر يضمن لي تحقيق ربح معقول ويضمن عدم رفع السعر للزبائن لأنهم دائما يفاصلون معي.. وأنا أقوم بالمرور على الزبائن لأعرف احتياجاتهم وأحضرها لهم وأتساهل كثيرا سواء في السعر أو في طريقة الدفع لأن الكثيرين يدفعون الثمن بالتقسيط على دفعات.. والحمد لله دخلي معقول جدا فقد التحق ابني فتحي هذا العام بكلية الحقوق وأريده أن يصبح محاميا كبيرا حتى لا تتكرر مأساة زوجي الذي كان يعمل في «الفاعل»وعندما مرض ورقد بالمنزل منذ ثماني سنوات لم يجد من يقف بجانبه فاضطررت للعمل. عاملات التراحيل تبين من دراسة د. ثروت اسحق أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية على شريحة جامعي القمامة بحي منشية ناصر أن الآباء يزجون بأولادهم الذكور لحمل القمامة بينما تتولى الزوجة والفتيات الصغيرات تصنيف القمامة داخل المنزل مما يؤدي لاصابتهن بالعديد من الأمراض. وفي دراسة أخرى للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والتي أجريت على المرأة بالمناطق الشعبية في مصر.. وكانت العينة من حي بولاق أبوالعلا.. وأكدت الدراسة أن نظام «الجمعيات» يعد من أهم طرق حل المشكلات المادية المستعجلة التي تواجه المرأة.. بحيث يتفق عدد من النساء من 10 ـ 15 سيدة على دفع مبلغ شهري ويعطي المبلغ الاجمالي لأحد أفراد المجموعة حيث ترتيب الأولوية حسب حاجة المرأة للنقود وهكذا حتى يحصل الجميع على مستحقاتهم. ومن المجالات الصعبة التي اضطرت المرأة للعمل فيها تحت ضغط الحاجة هي«عمال التراحيل» هذا ما تؤكده الدراسة التي أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية تحت اشراف د. ثروت اسحق.. وتشير الدراسة الى أن نسبة وجود المرأة في مهنة «التراحيل» وصلت الى 8% وهو رقم كبير لأن المهنة رجالية.. وتذهب المرأة في هذه التراحيل في رفقة زوجها وتحصل على نصف أجر الرجل.. وتزيد نسبة أمية النساء في هذا القطاع على 95% وتتراوح ساعات العمل بين 8 ـ 12 ساعة يوميا. ويقول د. ثروت اسحق أن عمال التراحيل هم فائض العمالة الزراعية في القرى.. حيث يتولى جمعهم «مقاول العمال» ثم ينقلهم الى مناطق العمل لفترات تتراوح بين شهر وعدة شهور يقيمون فيها في خيام أو معسكرات.. ولجوء المرأة للعمل في هذا المجال الصعب يدل على عدم وجود أي فرصة عمل أخرى أمام هذه المرأة والتي غالبا لا يكون لديها أطفال واذا كان لديها فإنها تتركهم خلال فترة عملها في رعاية أمها أو أم زوجها. تشير دراسة منظمة العمل العربية أن كثيرا من الفتيات الصغيرات يضطررن للعمل كخادمات في المنازل أو في التطريز والحياكة في الورش الصغيرة أو ورش اعداد الحلوى.. ويمثل هؤلاء الفتيات نسبة 81% من قوة العمل في هذه الورش حيث أنه يتم الاعتماد عليهن بشكل أساسي. وقد قدمت الدراسة عددا من التوصيات على رأسها ضرورة التسجيل الرسمي لهذا القطاع ومتابعة أحوال النساء به لمساعدتهن أولا بمحو الأمية وثانيا بتشجيع حصولهن على قروض من البنوك لعمل مشروعات خاصة بهم. كما أوصت الدراسة بحتمية اجراء المزيد من الدراسات الاقتصادية والاجتماعية على القطاع العشوائي والوقوف بحزم ضد استغلال النساء نظير أجور ضئيلة.. ومنع التمييز ضد المرأة في جميع المنشآت.