اجتازت برامج سلسلة الجينوم البشري التي أطلقها 18 بلداً نحو عشر سنوات أحد المراحل الرئيسية منذ منتصف العام 2000 مع تقديم أول رسم اجمالي لإرثنا الجيني، وقد أفضى هذا العمل الذي ترافق ببحوث حول أنواع أخرى إلى مغامرة أضخم. ان التعرف على ثلاثة مليارات زوج من القواعد ـ درجات سلم الـ «دنا» (الحمض الريبي النووي منقوص الاكسجين) التي تحملها صبغياتنا ـ والتي يحدد تسلسلها كامل البرنامج الجيني لنوعنا،هو مرحلة في الطريق إلى الهدف. والهدف هو تحديد وظيفة عشرات آلاف الجينات ـ شُدَف الـ «دنا» التي هي في الوقت نفسه الركيزة والذاكرة البيولوجية للنوع البشري مع كل ما ينطوي عليه ذلك من انعكاسات على صعيد الطب والفيزيولوجيا والصيدلة. الجينوميات التي تولدت عن مشروع السلسلة المنهجية للجينوميات ومعالجة آلاف البيانات المتولدة بهذا الشكل بدأت تعطي ثمارها. هذا المبحث، الذي ينطوي على آمال خيالية في معالجة العديد من الأمراض والكشف عن التأهبات لبعض العلل والوقاية منها، يتيح أيضاً التنبؤ بحدوث أمراض وراثية لم يتوصل الطب بعد إلى علاجها، ورافق هذه التطورات العملية جدل حول التطبيقات المحتملة للاكتشافات الجينية وأثرها على الأفراد والأسر. دراسات مستمرة يفتح التعرف إلى الجينات لحسن الحظ آفاقاً أكثر وعداً خصوصاً من خلال اتاحة امكان التوصل إلى علاجات جديدة مرتبطة بالسرطان مثلاً، وهكذا فإن اكتشاف الوجود غير السوي للمستقبل المسئول عن تكاثر الخلايا الورمية في بعض سرطانات الثدي أفضى إلى تطوير الضد الذي يثبط تأثير هذا المستقبل. وهناك تصورات أخرى حول العديد من الأورام المختلفة بعد دراسة خلل بعض الجينات الضالعة في التكاثر الخلوي، وللذهاب أبعد من ذلك أطلقت مشاريع ضخمة لوضع «بطاقة هوية جزيئية» للأورام. وفي بداية 2000 كانت الرابطة الوطنية لمكافحة السرطان في فرنسا قد آزرت برنامجاً من هذا النوع، بهدف التحقق من كل المعالم الجينية التي تجعل الخلية السرطانية مختلفة عن الأخرى، والتعرف الأفضل إلى كيفية عملها، وتلك خطوة حتمية من أجل بحوث علاجية أفضل استهدافاً، وستوضع المعلومات الهائلة التي تم الحصول عليها حول الجينوم البشري موضع التطبيق على صعيد العلاجات المستقبلية ذلك انها قد كشفت عن المواضع التي سيقع عليها العلاج وبالأخص المستقبلات الغشائية التي تؤمن اتصال الخلايا فيما بينها ومع أوساطها الداخلية أما الأمراض النفسانية ـ الفصام والاكتئبات ـ أو العصبية كالأمراض التنكسية العصبية وخصوصاً داء الزهايمر وداء بركينسون التي تعذرت دراستها لدى الحيوان، فلم تستفد اليوم إلا قليلاً جداً من التطورات العلاجية. سبل علاجية فعالة لقد أتاح التعرف إلى الشذوذات الوظيفية لبعض الجينات عندما يكون المرض أسرياً الكشف عن آلياتها، والمثال النموذجي على ذلك هو داء الزهايمر والطفرات التي وجدت في الجين «بريزنلاين» لقد سهلت هذه الاكتشافات الدراسات البيولوجية وستساعد في البحث عن علاج. في الواقع يمكن اليوم عزل الجينات المسببة لبعض الأمراض وادخالها في زراعات خلوية واختبار تأثير الأدوية المستقبلية بشكل مباشر، يقول عالم الوراثة الفرنسي د. كاهن: ستتيح لنا دراساتنا الراهنة حول تعدد الأشكال الجينية ـ الاختلافات في تسلسل الجينات عند مختلف الأفراد ـ وارتباطها بهذه الأمراض الكشف عن العلاقات السببية بين تعدد أشكال المستقبل والمرض ومن ثم تقديم علاجات مواتية. لكن الأمور ليست بهذه البساطة، فالنجاحات العالمية الأولى على صعيد العلاج الجيني التي حققها الدكتور أ.فيشر اختصاصي الدمويات المناعية لم تعلن إلا في السنة الماضية وذلك بعد سنوات طويلة من المحاولات والاخفاقات في الوقت الذي بدا مبدأ العلاج الجيني نفسه ـ استبدال الجين المعيب في الخلية ـ على انه التطبيق الأكثر مباشرة عقب معرفة الجينات. في الواقع لم تعد الجينات هي المجهولة بل الوسائل الفعالة التي تتيح ادخالها في الخلايا المطلوبة والتعبير عن نفسها بشكل دائم فيها، هنا أيضاً تترك معرفة الجينات المكودة المرمزة للبروتينات التي تتيح اجتياز الأغشية والدخول إلى نواة الخلية وانتساخ الـ «دنا» أملا في نجاحات قادمة