على الرغم من التغيرات السياسية العاصفة التي شهدتها بولندا خلال السنوات الماضية، الا ان المناطق التاريخية والسياحية المتعددة فيها ظلت على عهدها القديم من حيث الحفاظ على السمعة والشهرة العالمية، بل وأصبحت في مقدمة المقاصد والجهات السياحية لسكان اوروبا الشرقية والغربية معا، ومن تلك المناطق مدينة بوزنان التي تمزج بين أنماط عديدة من أشكال الطبيعة، حيث الحقول، والأشجار الخضراء الشاهقة، التلال الناعمة والبحيرات الجذابة ذات المياه الهادئة. ويزيد هذه اللوحة الطبيعية جمالا وروعة سلسلة الجبال المتلاصقة والتي يزيد عمرها على ألف عام من تاريخ بولندا العريق، حيث تجتذب السياح من كل مكان، مما أصبحت معه معلما بارزا للمدينة، حيث يجد كل زائر ما يريده ويتمناه. وبوزنان هي حاضرة مقاطعة «ويلكوبولسكا» الواقعة في غرب بولندا، وتطل على نهر وارتا وهي لا تبعد اكثر من 300 كيلومتر الى الشرق من برلين، باعتبارها محطة استراحة للمنطقة. وتعتبر المدينة ذات الـ 600 ألف نسمة من أشهر المدن البولندية الشيقة والمثيرة ليست فقط كمنطقة مهمة للتجارة والصناعة والزراعة، بل ايضا نظرا لامكانياتها السياحية الفريدة، حيث تتعدد فعاليات الاثارة والتشويق والاستمتاع، كما يجد زوارها متعتهم في الجبال الجميلة الخضراء، وهناك كذلك بالفنون المعمارية من البنايات والمنازل المطلة على شوارعها، والتي تحكي القصص والروايات عن تاريخ المدينة عبر العصور. وتعتبر جزيرة توم هي اقدم منطقة في مدينة بوزنان، حيث تقع بين نهرين، الأول هو وارتا والثاني سيبنا، ومنذ نحو ألف عام كانت هناك قلعة دفاعية ضخمة اقامها واعتنى بها الدوق الذي كان يحكم المنطقة في ذلك الوقت. وفي عام 966 ميلادية كان دوق بولندا ميزكو الأول يعمد الأطفال هناك. وحتى اليوم فإن منطقة السوق القديم لاتزال تعج بالسياح والمتسوقين باعتبارها القلب النابض للمدينة، حيث الازدحام السكاني والمهرجانات الدائمة في المساء. وعلى بعد خطوات من صالة البرج الجميل في تلك المنطقة يوجد نماذج لأنواع الماعز الصغيرة أبدعت من المعدن الرقيق، وذلك على قمة القاعة لادخال البهجة والمتعة على زوار المدينة، كما تحتضن المدينة متحفا خاصا يجسد تاريخ مدينة بوزنان حيث يضم العديد من الأعمال والقطع النادرة في اوروبا، بل والعالم ايضا. يجد الزائر الى المنطقة مدى جمالية تنظيم المنازل بأسلوب أنيق على جانبي الطرقات التي تتميز بكثرة المطاعم والمقاهي وخاصة خلال الصيف حيث تقدم كل ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات وذلك على أنغام الفرق الموسيقية والحفلات التي تمتد حتى الساعات الأولى للصباح، اضافة الى المحلات التي تبيع الهدايا التذكارية عن المدينة وتاريخها ورموزها وصالات العرض الفنية المختلفة والشيء المميز هو وجود العديد من تلك المحلات تحت الأرض والتي كانت عبارة عن منازل تعود الى القرون الوسطى حيث يعرض أشهر الرسامين والفنانين أعمالهم المختلفة. وخلال أيام شهر يوليو الذي يطلق عليه السكان المحليون لقب شهر المرح والاستجمام تجذب منطقة السوق القديم الزوار بصورة مكثفة، وذلك لوجود الفعاليات العالمية التي يطلقون عليها اسم «مهرجان جون» وتتخلله العروض المختلفة من معظم دول العالم لتشارك من خلال فنونها الوطنية. كما تزخر المدينة بالكثير من الأديرة وأماكن العبادة القديمة ذات الفنون المعمارية النادرة، فهناك بناء ماريا ماجدالينا الفني الرائع والذي تم تجهيزه عام 1806 ولمدة 3 أسابيع ليكون مقر الملحن الموسيقي فريدريك شوبان خلال تنظيم حفلاته الموسيقية في المدينة في صورة تشبه الى حد كبير قصر الامبراطور الفرنسي نابليون. أما عن منطقة وسط المدينة الذي يسميه السكان البلدة الجديدة فيقع غرب المدينة القديمة حيث ضوضاء المدن تبدو أكثر وضوحا وازعاج السيارات على الطرقات مما يعكر صفو الاستماع، ولهذا السبب فإن الزوار يفضلون زيارة البلدة القديمة التي تتجلى فيها روعة الهدوء والاسترخاء بلا حدود خاصة ان السياح لا يأتون لمشاهدة المطاعم والبنوك والمحلات والمعارض فقط، بل يبحثون عن الهدوء والاستجمام. ولا يمكن لأي زائر ان يشاهد ميدان مكتبة عائلة راكزنسكي الشهير حيث الشكل والطراز المعماري للبناء الضخم للمكتبة والتي تقع بالقرب من المتحف الوطني الذي يضم كذلك المقتنيات البولندية والاوروبية النادرة اضافة الى اللوحات الفنية المرسومة بجهود أشهر الفنانين البولنديين خلال العصور القديمة، وينتهي الجانب الغربي للميدان ببناء ضخم يسمى اركاديا اقيم على الطريقة اليونانية والذي تم استبداله بالمسرح القومي حاليا، حيث أقام فيه منذ عام 1829 نيكولو باجانيني، وفي عام 1843 سكنه الفنان الشهير فرينك، أما اليوم فيشغل البناء كازينو بوزنان الوطني. وقد تمت اعادة تسمية الميدان باسم بلاك اداما نيكيوفيكسا، الشاعر البولندي الذي أبدع في قصيدة رومانسية له نالت اعجاب الشعب البولندي وهو يرقد فيه الآن، ويخضع الميدان لبعض الترميمات حاليا. وهناك معلم آخر من المعالم المعمارية في المدينة يخلد ذكرى انتفاضة بوزنان في يونيو والتي تم تنظيمها من قبل العمال عام 1956 وانطلاقاً من هذا الميدان يستطيع الزائر ان يسير مباشرة الى مقر الجامعة والتي هي في الوقت نفسه تعتبر أكثر القاعات هيبة ووقارا في المدينة ويتم تنظيم المهرجانات الكلاسيكية والموسيقى الخفيفة في تلك المنطقة بشكل سنوي وذلك اضافة الى الفعاليات الموسيقية والمسابقات المختلفة. وهناك المهرجان العالمي «بويز شوريز» واحتفالات الموسيقى البولندية الشهيرة والتي تسمى «ويسونا موزيسيزنا» وكذلك المسابقات العالمية المسماة «هنريك وينياوسكي». بوزنان مركز مهم للحياة الموسيقية للشعب البولندي عموما. ويقدم مسرح الرقص البولندي العديد من أعمال الاوبرا والرقص البولندي ورقصات الباليه المتميز التي يشارك فيها شبان وأطفال لا تتجاوز أعمارهم 15 عاما، بل انهم وصلوا الى مسارح اوروبا الغربية وأصبحوا من المشهورين في هذا المجال، وكذلك الاوركسترا الوطنية. وعلاوة على تلك الانشطة الفكرية والفنية هناك ايضا الاهمية التجارية للمدينة حيث تعتبر المركز التجاري للمنطقة بأسرها، حيث يعقد سنويا المعرض التجاري في بوزنان منذ أكثر من 70 عاما ويرافق ذلك ما لا يقل عن 20 فعالية اخرى تتزامن مع انعقاد المعرض العالمي الذي يوفر العروض الترويجية للعديد من البضائع المحلية والمستوردة. يستمتع زوار هذه المدينة بالمأكولات الطازجة وأدوات التسلية العديدة، كما انها غنية بالمطاعم والفنادق التي تقدم الاطباق العديدة والمناسبة لجميع الاذواق، منها الاطباق اليونانية والتركية والصينية والايطالية كما يتم تقديم الاطباق البولندية القديمة «سماكوز» في مطاعم خاصة. وتغطي المدينة المساحات الخضراء الشاسعة التي قد لا تتوفر في مكان آخر من بولندا، حيث العديد من الحدائق التي تضم كافة وسائل التسلية للكبار والصغار على السواء، وحدائق الحيوان هي الأكبر في بولندا بأسرها. وهناك العديد من البحيرات الصناعية الرائعة التي تقع ضمن حدود المدينة ومنها: مالطاناسكي، ستريزينسكي، كيريسكي، وهي من الخصائص التي تضاهي فيها بحيرات العالم وخاصة بريطانيا التي تعتمد على منطقة البحيرات الطبيعية لديها. ويذكر ان أسماء البحيرات مأخوذة من أسماء المناطق الموجودة فيها.ففي بحيرة مالطا التي تغطي مساحة تبلغ 70 هكتارا هناك الشواطيء وقوارب السباق الحديثة فيما توفر جوانب البحيرة كافة الألعاب الرياضية الاخرى. ويقع مركز السباقات البحرية في منطقة كيريسكي ويغطي مساحة 282 هكتارا. وفي الوقت نفسه هناك سباقات الخيول العالمية حيث يتوفر مركز الخيول العالم للتدريب والمجهز بأحدث الامكانيات وأساليب الراحة للمتسابقين والجمهور على السواء وذلك في منطقة تسمى «وولا». وعلى الحدود الشرقية للمدينة تقع حديقة ويلكوبولسكي، وهي الحديقة الوطنية البولندية الشهيرة باعتبارها من أعلام وشواهد المنطقة ووتضم الاخشاب، التلال والبحيرات التي تلقى اقبالاً كبيرا من الزوار والسياح. هناك المتحف الوطني الزراعي والذي يقع على طرف الحديقة قرب قرية سرينياوا. ويهدف المعرض الذي يقام سنويا في المنطقة الى تجسيد الامكانيات الوطنية ومدى تطورها عاما بعد عام والخيرات الزراعية والصناعية لمناطق بولندا التي بوزنان منها. وتعتبر منطقة «روجلين» من المناطق القديمة التابعة لبوزنان وتبعد عنها حوالي 15 كيلومترا من جهة الجنوب ويعود تاريخها الى القرن الثامن عشر فيما تحولت حديثا الى متحف ضخم يروي مشاهد العصر الماضي ويجسد تاريخ المنطقة في شتى المجالات. وما تتفرد به المنطقة هو العربات التي تجرها الخيول وذلك باعتبارها من وسائل النقل التقليدية التي كانت سائدة في العصر القديم. وتوجد ايضا قلعة جميلة تعود الى القرن التاسع عشر في منطقة «كورنيك» على بعد 20 كيلومترا شرق بوزنان، وتضم الأثاث الداخلي الأصلي لحكام المنطقة والذي يبلغ نحو 3 آلاف قطعة أثرية والمصنوعة من أخشاب الأشجار الجبلية. وفي قرية «كوزوتي» الواقعة بجوار قرية «كورنيك» يمكن للزائر مشاهدة قصر الحاكم الذي كان مقراً للنبلاء من العائلة الحاكمة في ذلك الوقت وبفن معماري رائع حيث الديكورات والمقاطع والاسقف ذات التصميمات والرسوم الرائعة.وفي بحيرة «ليدنيكيا» وجزيرة «اوسترو ليدنيسكي» لاتزال الحجارة التي تستخدم في الفنون المعمارية شاهدة على ذلك حيث القصور المشيدة من تلك الحجارة وذلك في القرن العاشر الميلادي وعلى ضفة البحيرة هناك حديقة أخرى تسمى «حديقة بولندا العظيمة»، انها حقا متحف فني رائع في الاجواء حيث تبدو البنايات القديمة ذات الفن المعماري التقليدي الفريد والذي يعود الى القرن الثامن عشر على أقل تقدير. وفي مدينة «جنيزنو» واسمها يعني عش الطيور، ويعود تاريخها الى ألف عام تقريبا، حيث كانت أول عاصمة في بولندا. أما في مدينة «سزاموتيولي» الواقعة على بعد 30 كيلومترا غرب بوزنان يقع المتحف الرائع الذي يعود الى القرن الخامس عشر ذا القلعة الشهيرة التي تستحق الزيارة فعلاً لاعتبارات تاريخية وعمرانية وتراثية واجتماعية ايضا فيما يمكن للزائر وهو في طريقه الى المنطقة ان يعرج على منطقة «كوبيلينيكي» حيث القصر الملكي الذي تحول الى فندق فخم يستضيف الزوار والمتسابقين في رياضات الخيول العالمية في المنطقة المجاورة. وهناك العديد من القصور الملكية المترفة في بوزنان، حيث تحولت في معظمها الى فنادق سياحية. كما يمكن الاستفادة من الخدمات المماثلة في بوزنان التي تجدها في مناطق أخرى منها: «بيدليو، سيرنيجيو، سكرزيركي وزاجاسكوو»