ضمن عروض الايام المسرحية المتواصلة قدمت فرقة مسرح الشارقة الوطني امس الاول عملها الجديد «آباء للبيع أو للايجار» من تأليف قاسم محمد وإخراج حسن رجب وبطولة احمد الجسمي وعائشة عبدالرحمن. والنص مأخوذ من بعض الاخبار الخفيفة المنشورة في احدى الصحف المحلية عن عصابات الخطف والشحاذة في العراق، كما قال المؤلف، وبهذا الاعتراف اجهض فينا وفي مخيلتنا الكثير من الرؤى في الفكر والفن وهنا أتذكر الاعتراف المشابه لأديبنا العربي الكبير نجيب محفوظ عندما نفى وبشكل قاطع انه يشبه الفتوة بالنبي في عدد من اعماله الروائية وخاصة «اولاد حارتنا» مع الفرق الواضح في الظروف والاسباب التي جعلت كلاً منهما يدلي بهذا البوح.. ومع ذلك فقد اخذنا النص الرصين المبني بناءً درامياً عالي الجودة الى دهاليز النفس البشرية والى طرق انسانية وعرة ومظلمة ومعتمة ومخيفة في التضاريس الجغرافية لبني البشر والذين اصبحوا كأتفه السلع تباع وتشترى وبالمزاد العلني، فالأبناء والآباء والأحفاد يباعون كسلع للبيع ودلالات هذا البيع فنياً في المسرح تعني ايضا الأرض والوطن كل شيء عندنا، اقصد عند العرب اصبح مباعاً سلفاً والتآمر والخيانة موجودة في الداخل بيننا كأخوة واشقاء قبل ان يداهمنا الاعداء من الخارج. والحدوتة بسيطة وسهلة ولكنه السهل الممتنع لكاتب محترف حيث يستولي رجل على ثروة اخيه بمقتضى توكيل رسمي عام ويهرب تاركاً هذا الرجل الشيخ المسن مشلولاً من اثر الصدمة بل فاقد القدرة على النطق والكلام، وعندما كان ذات مرة في زيارة للطبيب بصحبة ابنته قام اللصوص بخطفه وبيعه لعصابة من الشحاذين والذين يمارسون كل الموبقات للحصول على المال والثروة وقبل ان تعرف الابنة مكان والدها ذهبت الى رجال الشرطة لتساعدها لكنها لم تجد منهم سوى مطالب تعجيزية تتصل برأس الخيط المفقود واللامبالاة والاهمال المستفز والغارق في الروتين وبعد ان عرفت الابنة بطريقتها الخاصة مكان ابيها ذهبت لاحضاره، لكن الاحدب زعيم العصابة احالها بعد محاضرة طويلة عن شرف الشحاذين وأصلهم العريق ومشروعية الدعارة والاتجار بالبشر الى «عفتة» الشحاذة بعد ان عرفت من «أبو حدبة» ان الافراج عن ابيها يحتاج لمبالغ كبيرة وهنا ذهب الابن للتفاوض مع «عفتة» التي هددته بالقتل والفناء إذا ما ابلغ الشرطة وتحت هذا الضغط والتخويف والارهاب اذعن الان لمطالبه المالية مقابل اعادة الاب! هذه الاساليب الفنية في الكتابة عند قاسم محمد تحيلنا الى اعمال العقل والذهن في فهم الدلالات والاسقاطات الرمزية للشحاذين الذين يسرقون الفرح من مدننا ويبيعوننا في وضح النهار احياء وميتين، انه نص قابل لعدة قراءات وتأويلات قد لا يكون قاسم محمد قصدها فعلا كما قال، ومع ذلك لا يملك ان يحرمنا من الابحار مع احداث شخصياته الى اعماق بحر الكتابة والتأليف خصوصا تحذيره المباشر في نهاية العرض من اننا قد نعود الى بيوتنا لا نجد آباءنا هناك! اما المخرج حسن رجب فقد رسم احداث العرض بالضوء ورغم الامكانيات المحدودة والتي تفرض علينا في الامارات انتاجاً مسرحياً فقيراً جداً الا ان رجب كان وفيا ومخلصا للنص مثل النهر الذي يظل لمجراه امينا.. ونعود لنقول بأن هناك علاقة فنية شبه سرية وسحرية تجمع بين حسن رجب واحمد الجسمي فكلاهما يحفر ابداعاته بآلة حادة على قبة المسرح أو يشعلها ومصابيح تتوهج على شاشة التلفاز كلاهما مسكون بروح المغامرة ومرتبط بشعاع شارد بين الافلاك والنجوم وايضا اؤكد ان ما يربط بينهما القدرة على التألق والتأثير والحضور الطاغي في ساحة الامارات الفنية فهما من الاسماء المثيرة للجدل وبحكم تجاربهما الفنية استطاع كل منهما ان يصنع له اسماً من الصدف البحري يخبيء فيه ابداعاته التي تتنوع بين الاعداد والتأليف والتمثيل والاخراج. ثم جاءت حمامة المسرح عائشة عبدالرحمن لتلحق بنا في آفاق مليئة بالاشجار والاغصان تم تحط فجأة على اكتافنا تؤنسنا وتحتمي بنا ممثلة هادئة ووديعة لكنها مؤثرة ومعبرة في كل كاركترات العرض الذي يعتبر احد اهم الاعمال في المهرجان.