مثل طير البرق.. طير الوعد.. يعود جمال مطر الى مسرح الامارات التراثي الشعبي ليبشر بالعلم والمعرفة والحداثة ويحذر من آليات السوق الرأسمالية المتقلبة والتي عادة لا تستقر على حال في عرض مسرحي كوميدي أبحر فيه جمال مطر ضد التيار ليغوص في التاريخ التراثي ويحكي حكاية العمال والصنايعية، الشغيلة الذين افتقدهم مجتمع الامارات منذ عقود طويلة والذين كانت لهم نكهة وعبق السخام (الفحم) ورائحة طين الأرض وخضرة الياسمين يعمرون المكان بالمكائن في المدن ثم يفرون مع الشمس للمغيب! أخيراً وصلتنا البسمة والضحكات العالية وصرنا نقهقه مع مسرحية «دار الهوا دار» هناك تألق الممثل لا بل أكثر من ممثل موهوب مثقف لديه معرفة وخفة ظل وتلقائية بسيطة سلسة ومرنة وليست مفتعلة او مسفه او مبتذلة ولكن كوميديا حقيقية تم توظيفها لخدمة النص والفكرة والمضمون وكذلك الاخراج. المسرحية استحضرت صورة التاجر الاماراتي القديم والعتيق والذي كان يعمل في صناعة البراجيل وهي جهاز التهوية تهوية الهواء في مواجهة طقس الصحراء القاسي لكن هذا التاجر المتسلط والثري يحاول «بفلوسه» ان يتزوج امرأة ثانية ضارباً بعرض الحائط كل مواقف الحب والحنان والاخلاص وصدق المشاعر لدى زوجته الاولى بينما كان العمال الصناع المهرة والشغيلة يسمعون أخباراً جديدة عن ابتكار حديث مدهش ومذهل يسمى «البنكه» اي المروحة لكن هذا الاختراع سوف يطيح بتجارة وصناعة «بن كافور» لذا ظل هاجسه وحلمه الكبير في استمرار عهد البراجيل كي يظل القوة الاقتصادية الوحيدة التي تتحكم في الناس وفي السوق لكن «نصيب» وهي الشخصية المتابعة والملاحقة لشخصية بن كافور كحرفي وصانع ماهر ظل يبشر بالبنكه ويؤكد على وجودها وأنها سوف تصل ان آجلاً أم عاجلاً وقد كون هذا الثنائي الكوميدي: احمد الانصاري «بن كافور» وجابر نغموش «نصيب» بنائية جمالية خاصة في العمل ثم نجح جمال مطر في توزيع مساحة الكوميديا في النص على باقي أبطال العرض فشارك فيه بفعالية وصلت حد المنافسة كل من الممثل: موسى البقيشي في دور «ربيع» وحسن يوسف في دور «عتوق» كما لعب باقي الأبطال دورهم بشكل جيد: حنان المري في دور الزوجة، علي جمال في دور المطوع، ناجي خميس في دور نيزه، عبدالله الفضالي في دور البسطى وجمال بلال في دور البسطى وهو صانع وبائع الخيش والحبال. واستطاع الاخراج الذي تماهى أيضاً في النص ان ينقلنا لأجواء الاربعينيات من القرن العشرين في الامارات بمشهد السوق العتيق والقديم ودكاكينه التي يعمل فيها العمال والشغيلة سواء في صناعة الاواني او اصلاحها وشيكارة وشوال الخيش والاحبال الغليظة والرفيعة وغيرها ثم الاتكاء على جهاز «الراديو» او المذياع وسيلة الاتصال الوحيدة بالعالم الخارجي خصوصاً مع مصدر الاخبار الصادقة والاكيدة من لندن وبومباي وحالة الفهم التي ساق بعض عقول البسطاء من الناس حول ماهية المذياع وكيف يعمل والتي بالفعل كانت متشابهة ومتطابقة في أصقاع كثيرة من وطننا العربي الكبير آنذاك. أيضاً عبر جمال سالم المؤلف بطريقة جيدة عن انكسار الرأسمالية وانحسارها عندما أفلس «كافور» وفي الدلالات المسرحية فهمنا انه لا شيء يدوم لا المال ولا الفقر.. وكما انتهى عصر الغوص واللؤلؤ يمكن ان ينتهي ايضاً عصر النفط ولذلك اكد النص والاخراج على ضرورة التمحور والتمركز حول العمل والعمال والشغيلة كقوى منتجة قادرة على ممارسة الحياة وليس استهلاكها! وقد سقط سهواً من جمال مطر ان يعبق الاجواء بالفحم والدخان والبخور ودلة القهوة ومفردات الفن الشعبي في السوق وفي المجلس بالمسكن كما ان موت نصيب لم أفهم من دلالته سوى انهيار الشيوعية والمعسكر الاشتراكي وبالتالي طبقة العمال اما المطوع فكعادة جمال مطر المتأثر بالكاتب المسرحي الفرنسي الكبير موليير وخصوصاً في مسرحية تارثوث هو هذا المصاب بانفصام حاد في الشخصية الثقافية اذ يفعل ما ينهى عند الناس اذ رفض زواج كافور بامرأة ثانية بينما هو متزوج من ثلاث مثل الحاج متولي. عرض مسرحي محلي ممتع في ليالي اضواء المسرح بالشارقة يؤكد على صحة الاختيار في الاتجاه نحو البيئة في الفن فكل شعوب الارض وكل الناس لا تنسجم الا مع فنونها وتراثها ورغم قلة اعمال جمال مطر في المهرجان عبر دوراته المتتالية الا انه بالفعل كمخرج يعتمد النوعية والكيف ويتصدى للأعمال ذات المضامين الانسانية وهو هنا ولأول مرة اذا اعتبرنا انه قد أخفق في عنتر وعبلة يؤسس مسرحه المحلي على أعمدة الكوميديا لكنها كوميديا الموقف والموظفة لخدمة تجسيد صحيح للأفكار والقضايا.. وأرى انه الطريق الصواب لنقل المسرح في الامارات من حالة المهرجان المزمنة الى ساحة الجمهور لأن المسرح بلا جمهور حرث في البحر.. وسراب يلمع دون قطرة ماء.