تمتد صلة الانسان بالكلب الى آلاف السنين. ويعتبر الكلب في مختلف الثقافات، الصديق الوفي للانسان. وما من شك في ان الكلب ساعد الانسان ولايزال يساعده في بعض المهام، مثل الصيد وتجميع قطعان الاغنام والحراسة. ولكن في الوقت الذي تتضح بجلاء فوائد الكلب للانسان في بعض المناطق من العالم، فإنها تتسم بالضبابية وعدم الوضوح في اماكن اخرى، كما هو الحال في المدن الكبرى والتجمعات الحضرية. فالناس في هذه الاماكن يقومون بإطعام الكلاب وأخذها في نزهات الى الخارج، ويكنسون مخلفاتها وينظفونها برقة وحنان، ويأخذونها الى الطبيب البيطري لدى ظهور أي عارض مرضي يؤثر عليها. وفي المقابل، لا يقابلون الا بلعقة على اليد، أو بهزة ذيل، أو باستعداد للاصغاء الى العبارات التافهة التي تصدر عن الانسان، وكأنها شيء شديد الأهمية. الكلاب والناس، والناس والكلاب.. انها قصة صلة وثيقة وقديمة جدا حتى انه لا أحد يعرف كيف بدأت. وتقول عالمة الآثار الحيوانية دارسي موري في هذا الصدد ان «البشر الذين شاركوا في أقدم العلاقات الأليفة من الكلاب قبل آلاف السنين جميعهم موتى ولا يمكنهم اخبارنا بما كان يجول في خاطرهم أو ما الذي كانوا يسعون لانجازه. وحيث انه لم يكن قد بدأ أحد بالكتابة بعد، فإننا تركنا لتنبؤاتنا كما فعل الكاتب البريطاني روديارد كبلنج في عام 1912 عندما قدّم هذه النظرية في أحد كتبه، حيث يقول: «ثم التقطت المرأة عظمة ضأن مشوية، ورمتها الى كلب بري، وقال: أيها الشيء المتوحش الآتي من الغابات البرية تذوّق وجرّب هذا العظم! قضم الكلب العظمة، فكانت ألذ من أي شيء تذوقه في حياته، وقال: ألا يا عدوتي وزوجة عدوي أعطني واحدة أخرى»! قالت المرأة: «أيها الشيء المتوحش الخارج من الغابات البرية، ساعد زوجي على الصيد خلال النهار واحرس الكهف في الليل وسأعطيك قدر ما تحتاج من العظام المشوية». إن ذلك السيناريو (باستثناء الكلب الناطق، بالطبع) من المفترض ان يكون جرى قبل حوالي 14000 سنة، إذا اتبعت الدلائل الأثرية التي تفضي الى أصول الكلاب. وربما موغلاً أكثر في القدم اذا كنت تفضل دليل حامض الـ «دي.ان.ايه» الذي يشير الى ان الكلاب كانت موجودة قبل فترة من تاريخ أقدم الآثار لعظامها. وعلى أي حال فإن الأمر الواضح هو ان الكلاب ليست فقط الصديق الوفي لنا في عالم الحيوان وإنما قد تكون ايضا الأقدم. ولقد تطورت من الذئاب قبل فترة طويلة ووجدت منزلا لها الى جوار الانسان قبل ان يسجل التاريخ أحداثه ولم تغادره أبداً. ولماذا تفعل ذلك؟ فالكلاب تستفيد بشكل جيد من تلك العلاقة. وفي حين تناقصت أعداد أقاربها الذئاب الى حد الندرة، فإن الكلاب الاجتماعية والمجدّة والقابلة للتأقلم والمحببة في أشكالها وأحجامها الوافرة ازدهرت الى جانب الانسان في جميع أنحاء الكرة الارضية. واليوم هناك حوالي 68 مليون كلب في الولايات المتحدة الامريكية لوحدها، أي بمعدل كلب لكل أربعة أشخاص. وبينما لايزال القليل منها يعمل من أجل الحصول على وجبته اليومية، فإن معظمها يحصل على ذلك بالمجان. ويقول الكاتب المعاصر ستيفن بوديانسكي ان تسعا وتسعين وتسعة أعشار في المئة منها لا تعمل شيئا سوى الاستلقاء حول المنزل والنباح والأكل. ويشير كتابه الذي يحمل عنوان «الحقيقة عن الكلاب» الى ان الكلاب تحصل على فائدة من العلاقة أكثر بكثير مما يحصل عليه البشر في المقابل. لم تعد الكلاب اليوم تمضغ بقايا عظام الضأن فهي تتناول طعاما خاصاً أعد لها من قبل خبراء في التغذية. ففي شقتها الواقعة في بارك أفنيو بمدينة نيويورك، تقوم نانسي جين لووي باطعام كلبتها «تيفي» مرتين في اليوم من قائمة للأطعمة تحسد عليها. وبالاضافة الى طعام الكلاب تقول لووي: «أعطها قليلا من الدجاج على الفطور وبعض الجزر والبروكولي المسلوق وشيئا من البطاطا الحلوة ـ أي غذاء متوازن. وعلى العشاء، قد أضيف لحم الخروف أو شرائح ستيك أو سلمون مسلوق أو تونا مع خضروات مسلوقة. وتقدم لها بعد الطعام قليلا من اللبن قليل الدسم بدون سكر، وقد تضيف مع ملعقة صغيرة من اللبن بالفراولة أو المشمش لتحليته وحبتان من العنب الأحمر مقطعة الى نصفين. ثم أقدم لها البسكويت كوجبات خفيفة». تجد نانسي التي يعمل زوجها مستشارا استثماريا والتي يقيم أبناؤها في المدرسة بعيدا عنها، الوقت والمال الكافي لتعامل تيفي بدلال كبير. وتقول بهذا الصدد: «أريد ان أمنحها أروع وأصح حياة ممكنة طالما أمكن ذلك». ومن أجل هذا الغرض فإن لتيفي مرافقا محترفا لكي يأخذها في نزهة مشي يومية الى سنترال بارك وتستحم بالشامبو وتتزين مرة كل بضعة أسابيع في صالون كارين، وهو صالون تجميل للحيوانات الأليفة يقع في ليكسنجتون افنيو ويعود لنادي الكلاب الداخلي في مانهاتن تقديم رعاية يومية للكلاب وحمام وبسكويت، حيث يمكنها الذهاب لبضع ساعات من أجل ممارسة تمارين رياضية مع أقرانها تحت مراقبة من أحد المرافقين. «تيفي» لها صديق يدعى «بوكي» يعيش على بعد بضع مبان عنها. وتقول نانسي عن الصديقين المحظوظين: «هو كلب وسيم ورائع وهي كلبة جميلة وحساسة. ونحن نجتمع مرة في الاسبوع على الأقل لكي يلهوا معاً، واحيانا نذهب الى فندق ستانهوب من أجل تناول الغداء على شرفة يسمح فيها بدخول الحيوانات الأليفة أو نذهب الى (بيسترو دونورد) في الشارع رقم 93 ونتقاسم طبقاً من الجبن والفواكه مع الكلاب». ضرار عمير