«ستان» كلمة اقتبستها لغات عديدة من الفارسية وهي تعني مكاناً أو أرضاً، اذن فأرض الافغان هي افغانستان وارض الطاجيك هي طاجيكستان وكذلك كازاخستان وافغانستان وقرغيزستان وتركمانستان واوزبكستان التي تشكل قوام آسيا الوسطى، لكن من بين هذه «الستانات» السبعة تبدو كازاخستان وحدها مؤهلة للفوز بمستقبل مزدهر، وذلك بفضل احتياطي النفط الهائل الموزع في اراضيها التي تبلغ مساحتها مليون ميل مربع. والاموال تتدفق بغزارة الى هنا، فمنذ استقلال كازاخستان عن الاتحاد السوفييتي قبل عشرة اعوام استقبلت البلد 12 مليار دولار على شكل استثمارات اجنبية، وجنت 5 مليارات دولار من عائدات النفط لعام 2000 وحده. كازاخستان هي اكبر «الستانات» المستقلة عن الاتحاد السوفييتي ويبدو انها ستكون على الارجح الاغنى ايضا، فالاتحاد السوفييتي لم يستكشف شيئا يذكر من احتياطيات النفط الكازاخستانية التي يبدو الآن انها لا تتوقف عن التنامي، فقد رفع حقل اختبر حديثاً في بحر قزوين تقديرات احتياطيات البلد المثبتة حتى الآن الى 176 مليار برميل، وهذا يقترب من اجمالي احتياطيات النفط الامريكية التي تقدر بـ 22 مليار برميل. وحتى مؤسسة البترول الوطنية بالصين انضمت الى الشركات متعددة الجنسيات المتدفقة الى كازاخستان حاملة معها اموالاً وفيرة للاستثمار. وتوجد الآن خطوط انابيب تحمل النفط من هناك الى الغرب عبر الاراضي الروسية، وهناك خطوط انابيب اخرى ستمد قريباً. وستتدفق في البلد ايضا كميات كبيرة من الغاز الطبيعي حالما يتم استكمال منظومة النقل. لكن المواطن الكازاخي العادي لم ير الجزء الاكبر من الاموال المتكدسة في خزائن الحكومة ولم يحس بها، كما ينبغي والحق يقال ان فرص العمل ازدادت الآن، حيث يعكف آلاف العمال على بناء العاصمة الجديدة استانا في السهل الواسع القاحل لتحل مكان العاصمة القديمة آلماآتا التي كانت معقلا للقوزاق الروسي. لكن النقاد يتوقعون «اقتصاداً مطوقاً نامياً» يصب فيه المال في صناعة النفط والغاز أو يفيد زمرة من مسئولي وحلفاء الرئيس نور سلطان نزار باييف ومعدل البطالة الوطني يبلغ 14 بالمئة لكنه يصل الى 50 بالمئة في المدن البعيدة عن حقول النفط. وبما ان الفساد واقع معاش في سائر «الستانات» كان من الطبيعي ان ملايين من الدولارات التي دفعت عام 1997 من قبل شركات امريكية تسعى للحصول على امتيازات نفطية في البلد انتهت الى البنوك السويسرية في حسابات يقول المحققون انها تعود بشكل أو بآخر لمسئولين كازاخ بمن فيهم الرئيس نزار باييف، مثل هذه الحادثة تدعى فضيحة في الغرب، لكن صحافة كازاخستان المقموعة المكبوتة لم تأت على ذكر الامر، سوى بكلام قليل جدا وعلى استحياء. فالمعلومات الشخصية التي تخص الرئيس تعتبر بالقانون سراً من اسرار الدولة، والمطبوعات التي جرؤت على انتقاده واجهت محاكمات قضائية او صودرت نسخها المطبوعة ومعداتها. كان نزار باييف آخر زعيم للحزب الشيوعي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، واصبح الزعيم الوحيد للأمة الجديدة وبقي كذلك بعد ان فاز بسهولة بانتخابات عام 1999 التي وصفها النقاد بأنها معيبة، بسبب منع اقوى خصم لنزار باييف من المشاركة بها بقرار قضائي استصدر من محاكم نزار باييف الذي يسيطر على البرلمان والمحاكم ايضا على الطريقة السوفييتية القديمة. ومع ذلك فإن نظامه اقل قمعاً من نظام الحكم في كل من اوزبكستان وتركمانستان المجاورتين. والكازاخ ينحدرون من قبائل «تركية» من بين اسلافها مغول جنكيز خان وهم الآن يعتبرون الجماعة الكبيرة الاكثر قربا من الروس في آسيا الوسطى. فقد بدأت روسيا بالتوسع الى اراضيهم منذ مطلع القرن الثامن عشر، في حين ان الشعوب الاخرى بآسيا الوسطى لم تحتك بالروس على نحو ملحوظ إلا في القرن التاسع عشر. وفي اواخر القرن التاسع تدفق الفلاحون التواقون للأرض الى سهول كازاخستان الواسعة الجرداء، ثم بعد ذلك في الثلاثينيات والاربعينيات في القرن المنصرم، حملت القطارات آلاف الاشخاص الذين لم يكن جوزيف ستالين يثق بها من الالمان في منطقة الفولجا والكوريين من اقصى الشرق الروسي. وفي الخمسينيات وصلت موجة اخرى من المستوطنين ليقوموا بحراثة الارض في اطار برنامج «الارض البكر» الذي كان محاولة مشئومة لزراعة القمح في ظروف شبه صحراوية. وكما فعل السوفييت في الستانات الاخرى، فإنهم شرعوا في استئصال الثقافة المحلية في كازاخستان: حيث عمدوا الى احراق الكتب الكازاخية واعدام الزعماء المحليين او ارسالهم الى معسكرات السخرة، وقاموا بتنظيم طبقة الفلاحين وفقا لمبدأ «الجماعية» الشيوعي القائل بسيطرة الدولة او الشعب ككل على جميع وسائل الانتاج او النشاطات الاقتصادية. اذن لا عجب في ان العديد من الكازاخ انسلخوا عن ثقافتهم واصبحوا اليوم يتحدثون الروسية افضل من لغتهم الخاصة المنتمية للأسرة التركية التي تشمل اللغات التركية والاذربيجانية والتركمانية والقرغيزية. واليوم هناك ثقافة جديدة تتمحور حول النفط والغاز، وربما يكتب للبلاد ان تعيش ثقافة الديمقراطية في يوم من الايام. فالحكومة تتباهي بالحديث عن «الديمقراطية الناشئة المزدهرة» في كازاخستان، رغم كل سلوكياتها المتنافية مع ذلك. لكن من يدري ماذا يمهل المستقبل لهذا البلد الذي يمتلك امكانات نفطية تعد بتحسين ظروف شعبه لو احسن استغلالها في ظرف من ديمقراطية تتسم بشفافية لا تسمح باستنزاف خيرات البلاد الى جيوب رموز الفساد السياسي والاداري