الثقافة العربية في مطلع القرن الماضي كانت مقتصرة في مثاقفتها على ما يتم ايصاله من الغرب اليها، ومنذ ثلاثة عقود سابقة بدأت مثاقفتها المعاصرة مع الشرق الاسيوي والاطلاع على مخزونها المعرفي المليء بالابداعات، وان كان التراث العربي في عصر الترجمات العباسي وما تلاه قد أوصل للقارئ العربي بعض ملامح هذه الثقافة وكانت في معظمها مغلفة بالرؤية الاسطورية، وبعيدة عن الدراسة المنهجية. المترجم الناقد السوري محمود منقذ الهاشمي دأب منذ أكثر من عقد على الاطلاع على هذه الثقافة الشرق آسيوية من خلال النص الانجليزي لها، وترجم لأهم رموزها الحاليين «دايساكوا اكيدا» ثلاثة مؤلفات «شرق وغرب حوار في الازمة المعاصرة ـ التحديات الكبرى للحياة والدين والدولة ـ البوذية. الفلسفة الحية». يعتبر اكيدا اكبر مفكر وكاتب ياباني في القرن العشرين ورئيسا لأكبر منظمة ثقافية في العالم تقوم على الفلسفة البوذية. يستعرض المترجم البوذية كفلسفة حية من خلال أربعة فصول هي: «فلسفة الحياة البوذية ـ الازدهار الباكر للبوذية ـ حياة نيتيشرن ـ دايشونين ورسالته ـ فلسفة نيتيشيرين شوشو حية اليوم. ويؤكد في مقدمته على سلبية الاعتماد على المثقافة الاوروبية والغربية كحالة أحادية لدى القارئ العربي وتؤدي لعواقب وخيمة وتجعل الغرب وصيا على الثقافات، و يحرم كل شعب مما في ثقافات الشعوب الاخرى من الغنى والتنوع والعمق، وعلينا نحن العرب أن نستفيد من درس التوازن الثقافي الذي لمع في أوج حضارتنا عصر الترجمات والتأليف. ويتابع المترجم في مقدمته ان لبلادنا صلات قديمة مع البوذية حتى أنها وصلت للبحر المتوسط وفلسطين وأوروبا الشمالية حيث هناك بقايا لأديرة بوذية وفي فلسطين وقبل ظهور المسيح بقرن ظهرت جماعة تُوّفق بين البوذية واليهودية سميت «الاسينيين: ESSENES وعاشوا على ضفاف البحر الميت بشكل مجموعات رهبانية تشبه الرهبنة البوذية..؟ وان الديانة المسيحية تحض على التسامح مثل البوذية بعكس اليهودية الثأرية الدموية، وكذلك مفهوم الخطيئة الأصلية في المسيحية له جذوره في اسلوب حياة البوذي الباحث عن التحرر من شرور الرغبة. ويؤكد المترجم ان العرب المسلمين اتصلوا بالثقافة البوذية من خلال الاسفار نحو الهند كما فعل ابو الريحان البيروني المتوفى «1048م» وصاحب كتاب «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل او مرذولة» وهو كتاب علمي فلسفي عن الهندوسية ويقول البيروني انه لم يستطع الاتصال بأحد البوذيين وسماهم «الشمّنيّة» أو «اصحاب البُد» وبذلك تكون الشمنية تعني البُد أي بوذا. وفي كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني يسميهم البُذة وهو الشخص الذي لم يولد ولا ينكح ولا يطعم ولا يشرب ولا يهرم ولا يموت. ويؤكد المترجم على توثيق هذا الشرح لكلمة «بُد» أي بوذا بذكره ان الصوفي الكبير «ابن سبعين الاشبيلي» وصاحب كتاب «بُد العارف» ومعناه بوذا العارف. كما اعتمد المترجم على المستشرق الألماني «جولد زيهر» المختص بدراسة الصوفية الاسلامية. في استعراض الفصول الأربعة للكتاب نستنتج ان الفكر والتفسير البوذي لقوانين الحياة والطبيعة هي ان تُنمي حالة الخير داخل النفس لترقى بها الى حالة الألوهية وبذلك تكون قد دخلت في حالة من الاقتراب نحو التفرد عن باقي البشر، يحاول المؤلف «اكيدا» من خلال اظهاره للبوذية على أنها وسيلة تساعد الانسان للوصول للكرامة، وان عالم اليوم المملوء بالاستهلاك والتقنية المرهقة للروح البشرية تُشكل مشكلة العالم المعاصر ولا بد من وقوع كارثة اجتماعية بشرية تدمر كل ما تركه هذا الانسان من ابداعات وتفوق. ولابد من العثور على قيم ومفردات تجنبا لهذه الكارثة. يجب على البشر ان يفهموا قوانين الحياة الاساسية كي يتمكنوا من العيش بسلام وفق هذه القوانين، ويدعو المؤلف «اكيدا» الى ان تعاليم البوذية تؤدي الى حالة من الوجود المُطلق فتؤدي للكشف عن قوة وطبيعة الانسان. والانسان يدرك المفهوم الكامل لهذا القانون وبذلك يصل لمرتبة «بوذا» والفلسفة البوذية للحياة تقوم على وحدة «العقل والمادة» كما ان التوصيف البوذي لطبيعة الحياة على ثنائية الكينونة والعدم وما يتناسل منهما من ثنائيات ما وراء الطبيعة مثل: «الولادة والموت والخفاء والظهور والوجود والانطفاء الخ.. » وبينما يقوم نظام الحياة المادية على عشرة مجالات هي «الجحيم وهو منبع الألم والجشع وهو مجال سيطرة الرغبة على الفرد والحيوانية الغريزية وهي ما تهيمن على غرائز الفرد أيضا، والغضب وهو مجال الحياة العادية والنعيم وهو مجال الفرح والعلم وهو مجال الفرح بالمعرفة والاستيعاب هو مجال ادراك الفرح بالابداع والتفوق ومجال الرغبة في سعادة الاخرين ومجال البوذية وهي آخر الحالات الكامنة في كل الناس وخلالها يرتقي الفرد فوق كل الظواهر. كما ان هناك عشرة عوامل ايضا تميز كل مجال في كل ثانية نجرب فيها الحياة وهي: «الشكل والطبيعة والجوهر والقوة والنشاط والاسباب المتأصلة والأسباب الخارجية والنتيجة الكامنة والظاهرة والعامل الناتج عن تركيب العوامل التسعة السابقة، ونصف البوذية ثلاثة عوالم تتجلي في الحياة هي: «عالم الكليات وعالم الكائنات الحية وعالم البيئة». ويعتبر اكيدا نفسه المدافع عن البوذية كونها فلسفة الحياة الداعية لتغيير الذات نحو الافضل وأنها تؤثر في القدر، حين يبلغ الفرد مرتبة بوذا والانسان المعاصر ليس له الا البوذية للراحة التامة امام هذا العالم الزاخر بالمتناقضات والصراعات لدمار البشرية..؟ هذا مختصر ما حواه الكتاب. وضاح محيي الدين