بيان الكتب: يتأسس مزاج وليد اخلاصي الروائي على طريقة في العمارة الروائية وفي تعويم الكتابة وتأليف مجازات بنائية وتنضيد شخصيات ذات طابع ذهني تجريدي لها مستويان، القريب المباشر والبعيد الكنائي والمدار الثاني في هذه الرواية هو الاكثر عناية وبناء، فالطابق الاول للرواية يكتفي «بكروكي» قصة حب فلن يجد القاريء العادي قصة حارقة بين شخصين واقعيين من لحم ودم ولواعج وتفاصيل واشواق .. فالحكاية تدخر خطابها للطابق الثاني اذ يبقي الاول على (العظم) بالمصطلح المعماري، فالروائي يسيطر على شخصياته ويقودها ولا يترك لها حريتها، فشخصيات الرواية مستقطبة وتؤدي مهمتها الدرامية ولا تمارس حريتها. «حدوتة» الرواية وحكايتها ان الراوي يعثر على مخطوط احلام جده، وهي احلام تنبؤية نابشة لا وعي الذاكرة، توصية افتتاحية المخطوط بضرورة تسجيل الاحلام، دلالة على استمرار الماضي راهنا فالخلف سيحمل رسالة السلف، ثم يتعرف على ليلى، حبيبة ايام الصبا القديمة، وهي ابنة ضابط جنائي اشتهر بالبطش، بعد دعوة من زوجها، سعد الدين الجبار، لزيارته، فينهض اعجابه القديم، والجابر الشخصية الوحيدة، من بين ازواجها الخمسة الذي يشترك الراوي مع ليلى في اعجابه به، والزوج الوحيد الذي سيغيب عن القاريء ترتيب زواجه الزمني من بين الزيجات الخمس العقيمة. يتغير ضمير السرد من المتكلم الى الغائب الذي سيتيح للراوي قدرا اكبر من الحرية اذ ترث ليلى معظم المهمة، فهي الراوية الاساسية في النصف الثاني، فتتذكر قصص ازواجها الذين تناوبوا عليها، واحدة واحدة، زوجها الاول «عبد الوهاب الشايط» التاجر الاقليمي الكبير للسجاد الذي كان حلم أي فتاة في المدينة سرعان ما ينتهي الزواج بالطلاق بعد اكتشاف ليلى مقره لزيجات المتعة، الزوج الثاني هو الشيخ الصالح «الشريف»، الذي يتكشف عن امير جماعة دينية يمتهن العنف للتغير وينتهي لاجئا في احدى الدول ويرسل لهاورقة طلاق. الزوج الثالث هو «خليل البني» الحزبي الانتهازي، يتزوجها عرفيا على ضرة، وينتهي مصيره الى الهرب بعد ملاحقة حزبية والرابع هو رجل الامن الكبير «حكمت الشجاع» وينتهي زواج العسل القصير بطلبها الطلاق، لانها لن تستطيع منحه الاولاد الذين يريدهم، وهو الوحيد الذي تتحرر منه بارادة كاملة وتحس بالسعادة بخلاصها، الزوج المحتمل الباقي المؤمل هو الراوي العاشق، الحبيب الاول، المثقف والكاتب الدرامي والمؤرخ لكنها تمله وتشترط ثلاثة شروط: فسحة للتفكير والانتهاء من نشر مذكرات (الجابر) وذكريات الاستقلال الوطنية، ومباركة التوأم الهادي. سرعان ما تتكشف ليلى، عن ميولها السردي كممثلة رمزية لحلب التي تصلح مقطعا ممتازا لسوريا (البلد المصاب بلعنات الجغرافيا وسخط التاريخ) وتزداد الاشارات والمفاتيح على هذا التأويل فهي امرأة لاتهزم ولا تشيخ، وشبيهة بربة الينبوع كما سيصفها الراوي العاشق في معرض تشكيلي لتمثال الربة المذكورة، وستهزم جميع ازواجها وتبقى، الجابر اسم سيمثل للشخصية الوطنية المخذولة ابان النهضة الليبرالية السورية في الخمسينيات، وقد يذكر بشخصية وطنية معروفة تحمل الاسم نفسه محورا الزوج الاول هو التاجر الدال على مرحلة السيطرة البرجوازي والثاني على مرحلة العنف الاسلام السياسي والثالث مرحلة سيطرة الحزب والرابع دال على المرحلة الامنية بجهازها الباطش. يمنح الروائي وليد اخلاصي بطله، الكاتب الدرامي الشهير، والذي يمثل ظله، كما سيبدو واضحاً اسم الشاهد، ليتطابق مع وظيفته السردية كشاهد على عصر، اما جد الشاهد، الحريري، فيأخذ، اسما بعد استشهاده على يدي العثمانيين هو الشهيد، ومن خلال توأمه، الحلم الذي يطلق عليه اسم الهادي، ليكون «المخلص المنتظر» في الرواية. يفرد الكاتب الفصول الاخيرة، بعد العرض الروائي التاريخي لتتبع بؤرة ثانية، هي شخصية الهادي، تؤأم الراوي او نصفه الثاني او حلمه في قراءة تأويليه، ثم ذهابه للدراسة في باريس وتغييره لعدة علوم، الطب، تاريخ الاديان، ثم زواجه من طالبة علم الديكور «ايلين» والذي اثمر عن طفلة، تموت بعد عام لمرض وراثي من جهة الام تخفيه عنه، كأنما يذكر، بمقولة كيبلنج الشهيرة الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان، ثم يعود الهادي بعد غيبة الانبعاث الاولى، وفي بحث دائب عن الحقيقة الكونية وفي هجرة معاكسة من الشمال الى الجنوب ليستقر في البوادي والارياف السورية ويتحول الى «الغيبة الثانية»! وهو يختلف في هذه الرواية عن المخلص «محبة الجمر» ذو الطابع الانجيلي اليسوعي في رواية «باب الجمر» فالمخلص في هذه الرواية يتسم بروحانية صوفية كونية تقف على قدمين علمانيتين. تثقل الفصول المخصصة للهادي بالافكار الصوفية والفلسفية والحوارات الجدلية ويصوغ الراوي على لسان الهادي، الذي عاش في الكنائس المسيحية والصوامع البوذية عبارات الحكمة وفكرة محبة الله، وصدور الاديان من مشكاة واحدة، ويستشهد بآيات قرآنية، واقوال لكنفوشيوس وماوتسي وافلاطون، ما يقربها من لغة البحث والدراسة. أحمد عمر