بيان الكتب: يضم هذا الكتاب أعمال الندوة التي نظمها المعهد الفرنسي للدراسات العربية وجامعة باريس الثالثة «السوربون الجديدة» حول الجذور الثقافية والتقنيات الروائية الجديدة في الرواية السورية المعاصرة، وشارك فيها 25 روائيا وباحثا ولاقت اقبالا متميزا لدى الاختصاصيين، والمتابعين الذين لمسوا بجدية المداخلات وعلو مستواها. الدكتور جمال شحيد مدير المعهد والمشرف على اعداد هذا الكتاب يقدم له بالعودة الى خلفية الرواية العربية في سوريا واهتمام المعهد الفرنسي للدراسات العربية بتطورها. فيبدأ من جذور الرواية الشامية الى أصول السرد العربي القديم المتمثل بالحكايات والمقامات والقصص الشعبية ليصل الى بدايات المتون السردية الحديثة التي ظهرت في حلب، ابان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع فرنسيس المرّاش الرائد الأول لهذا النوع الأدبي، وقد أقيمت هذه الندوة اعترافا بفضل المراش على الفن الروائي ودراسة الرواية التي أسسها. عندما يتطرق الكتاب لمسألة الجذور الثقافية لرواياتهم فإنهم يؤكدون على أهمية التركة الادبية والثقافية التي ورثوها من الشرق الأدنى، ويحتل الادب الشعبي، مكان الصدارة، فتزدحم فيه الخرافات والأساطير المشرقية وينأى عن التراث الديني وعن الأدب القديم التالد، ثم ينضاف الوسط الثقافي المحيط الذي ساهم بدوره في صوغ المشاعر، فهناك خصائص معمارية وطرف في التعامل مع المكان والحيز المعيش وسمات تتجلى بها الطبيعة وأصوات وألوان وروائح، أي كل ما يشكل العالم المحسوس، وهناك الطقوس الاجتماعية والمنابع الثقافية المتعددة التي تشكل نسيج المجتمع السوري. ثم تضاف عناصر سلبية عرفها تاريخ المنطقة المعاصر وتاريخ سوريا وسكانها، فلقد تركت الهزائم العربية بصماتها على الكتّاب، ولاسيما وان مآثر أبطالهم في رواياتهم كانت تتناقض مع الخطاب المخاتل الذي حاول ذات يوم تحويل هذه الهزائم الى انتصارات. ويأتي الأدب العربي ليغرس جذوره الثقافية في حيزهم الروائي، واعتبره مع المتخيل الغربي لقاء انفتاحيا وسع آفاقهم وحولهم بالتالي الى القاء نظرة جديدة على ثقافتهم وتثمين خاصياتها، ويرى معظم الكتاب ان التقنيات الروائية منوطة بالموضوع المعالج، وانها تتطور باستمرار ويجب تجاوزها. قدم ثمانية من الروائيين شهاداتهم التي تجلّى فيها وعي الروائيين لفنهم وامتلاكهم ناصية التقنيات الروائية الحديثة وظهرت أبعاد المشروع الروائي العربي في سوريا من خلال هؤلاء الروائيين. كما ألقيت أربع عشرة مداخلة تقنية عن فضاء الرواية في سوريا وتقنياتها وآفاقها وتطلعاتها، ودرست في هذه الابحاث مقولات أساسية في صلب الكتابة الروائية السورية، منها تمثيلا لا حصرا: الرواية والايديولوجيا (عبدالرزاق عيد)، السياسة مقتل للرواية (محمود كامل الخطيب)، الرواية والتاريخ (فيصل دراج، جمال باروت)، التقنيات السردية والتوهيم (بطرس حلاّق)، الزمن الروائي والزمن التاريخي (حسن عباس)، الرواية والسيرة الذاتية (صبحي البستاني)، الفضاء الاجتماعي والفضاء الروائي (ايريك غوتييه)، المرأة كبعد روائي متميز (هايدي توليه)، الجذور الثقافية الروائية عالميا وعربيا (عبده عبود)، القص السوري عتيقا وحديثا (خيري الذهبي)، التراث مسرودا (كاتيا زخريا)، الواقع والمتخيل الروائي (قاسم مقداد)، التذكر والتقنية السردية (جمال شحيد). وتعالج بعض هذه الابحاث عددا من الروايات السورية المعاصرة: «وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر، «قصر المطر» ممدوح عزام، «فقهاء الظلام» سليم بركات، «قصته حقيقية» لوقيانوس السمسياطي، «ثلاثية حنا مينة وعدد من رواياته»، «رسمت خطاً في الرمال» هاني الراهب، «أرض السياد» عبدالسلام العجيلي، «تراب الغرباء» فيصل خرتش، «فردوس الجنون» أحمد يوسف داود، «هشام أو الدوران في المكان» خيري الذهبي. يأخذ كل من محمد الخطيب وعبدالرزاق عيد على الرواية السورية انها تستمد جذورها من الكتب العربية ومن الشعر ومن الخطابة التقليدية، وانها مازالت تستعمل لغة بعيدة عن لغة الحياة اليومية وعن لغة الأدب الشعبي. وهناك هنات اخرى كثيرة، منها ان الخطاب الروائي السوري أحادي الصوت يتعارض مع تعددية الاصوات الخاصة بالرواية، وتكاد تخلو من تجسيم الواقع الذي يتدخل فيه العنصر السياسي تدخلا مباشرا، أو تهيمن عليه المفاهيم الايديولوجية الخاصة بالتجربة، أو الذي يظهر فيه متخيل أسطوري يتعارض مع العقلانية الحديثة، أو الغياب شبه الكامل لرؤية متماسكة عن العالم، وقد تشكل مجمل هذه الهنات انعكاسا للواقع الاجتماعي السوري. إن هذا الخطاب النقدي المنظر له، الى حد ما في النقد الاجتماعي تارة، وتارة اخرى في النظريات اللغوية والادبية وطورا في الاثنين معاً، يتعرض لمعارضة جزئية على الأقل ظهرت في شهادات الكتاب أنفسهم، كما ظهرا في الخطاب التحليلي. يلاحظ عبده عبود ان بعض الخطابات النقدية يؤدي الى بتر الحوار من النقاد والروائيين، ومن خلال تحليله الجذور الثقافية الاجنبية والعربية، يخلص الى نتيجة انه لابد من النظر في التأثيرات الاجنبية والجذور الثقافية انطلاقا من التناص، أي من العلاقة الحوارية بين النصوص والثقافات. أما قاسم مقداد فيعتمد في تحليله على طرح اشكالية العلاقة بين الأدب والواقع. في تحليل بطرس حلاق لرواية «فقهاء الظلام» لسليم بركات، درس الجذور الثقافية والتقنيات السردية التي أدت الى ما يتركه معنى الواقع من أثر، ولاحظ ان التجذر في مكان معين، وان تحليل الآلية الاجتماعية التي تسم هذا المكان والتناوب المتكرر بين الواقع المحتمل وبين المتخيل، تتيح الفرصة للكاتب ان يتجاوز الخاص ويهتم بالعام وان يبرز بذلك انحرافات هذا العام. ويصل حسان عباس في دراسته لرواية «رسمت خطاً في الرمال» لهاني الراهب الى نتيجة يظهر فيها ان المستويات الروائية الثمانية واستخدام الكاتب لعنصر الزمن تتيح له اجراء تزامن بين الماضي والحاضر، وذلك بفضل التلاطمات التي تثيرها، كما انها تضفي على بعض الشخوص موهبة الأنماكانية، أما جمال شحيد فيحلل وظيفة الذاكرة والتذكر في رواية «هشام أو الدوران في المكان» لخيري الذهبي ويصفها بأنها رواية التذكر بامتياز، ان الذكرى المقتحمة التي تهدد التوازن النفسي لدى الفرد تؤدي الى تحولات وتقمصات تكسر خطية الزمن الرتيبة، فتتداخل الحقب والعصور ويتداخل الشخوص ايضا، وهكذا يتوصل الكاتب الى خلق مناخ تخييلي وكابوسي يتجاوز حدود الواقع. ويظهر فيصل دراج الجدلية الكامنة في رواية «قصر المطر» لممدوح عزام وهي جدلية قائمة ايضا على بنيتين سرديتين، هما «الحكاية» و«القصة»، وتتميز الأولى بالتقليد والثانية بالانفتاح على التجديد، وتتجلى الرواية كنص يسائل التاريخ ويطرد التقنيات ويعطي للممكن والمحتمل ويعبر عن بحث وجودي عن معنى فار لا يكف عن الفرار. ويتوقف صبحي البستاني عند تحليل أسلوبي لثلاثية حنا مينة السير الذاتية، ويضرب عرض الحائط مقولة «الواقعية الاشتراكية» التي أفرط بعضهم باضفائها على عمل الكاتب. وتتميز هذه الثلاثية بأنها بحث عن التوازن بين الاصوات المتعددة والصوت الواحد، ويتجلى تعارضها مع تقنيات التعبير المختلفة التي تظهر في المفردات والتراكيب والصور الشعرية، لذا فإن الثلاثية لا تهدف الى نقل الواقع وإنما الى نقل رؤية خاصة، هي رؤية الروائي. ويركز ايريك جوتييه في دراسة لـ «أرض السياد» لعبدالسلام العجيلي على الطريقة التي عالج به الروائي التحولات الاجتماعية وما تشكله من تهديد للتراث التاريخي والثقافي العربي في مكوناته البدوية والحضرية وعلى التقاليد الاجتماعية. يتساءل جمال باروت عن العلاقة بين خطاب التاريخ وخطاب الرواية وبذلك يظهر ان هذه العلاقة لا تتمتع بصوت واحد، ولأن التاريخ يسعى الى تقديم رؤية مختلفة عن الرؤية الرسمية، فإنه وُضع تحت تصرف الرواية وليس الرواية تحت تصرفه، وهذا ما يحدث في روايات خيري الذهبي وفواز حداد وممدوح عزام ونبيل سليمان حيث يتحول الروائي الى مؤرخ يكتب عن المجتمعات المهشمة وعن هموم الحياة اليومية. وتحاول كاتيا زخريا ان تظهر كيف تقرأ باحثة مختصة بالقرون الوسطى نصا معاصرا، وهو «تراب الغرباء» لفيصل خرتش، وتلاحظ ان هذه الرواية تتضمن عددا من تقنيات الكتابة والمواضيع التي نراها في النثر القديم، كاللجوء الى الخطاب المنقول أو الاستشهادات الشعرية والقرآنية في نص نثري أو استعمال الشكل كعنصر من عناصر المعنى، ولكنها لم تنس التحويل الذي أجراه الكاتب على هذه التقنيات في نصه الروائي. وتذهب هايدي توليه للبحث عن جذور العلاقة التي تربط أبطال حنا مينة بالمرأة بصفتها عاشقة، فترى ان وراء هذه العلاقة ترتسم مقولة «المروءة»، كما تجلت في الروايات الموسومة بأنها شعبية، وعندئذ يصبح للأبطال تصور تقليدي عن العلاقات بين الجنسين وهو تصور قلبته التقويمات الايجابية لبعض الانماط النسائية ولبعض ألوان العشق التي يمكن اعتبارها عصية على التصنيف والمعيارية. إن تعددية الاصوات التي وسمت بامتياز أعمال المؤتمر لم تمنع الباحثين من الوصول في نهاية المطاف الى نتائج متقاربة ومتلاقية. فيصل خرتش