وتتوالى ابداعات المسرح في الامارات عبر ليالي الأيام الساطعة الأضواء بالآهات والأنات والأصوات وبالحوار الانساني الحر الخلاق حيث عرضت فرقة مسرح الفجيرة القومي مسرحية «استيشن» من تأليف شريف حبيب العوضي ومن اخراج حكيم جاسم بطولة وتمثيل: علي الشالوبي، عبدالحميد البلوشي، عبيد الهرش، حنان المري، عبدالرحمن الملا، رائد المغربي، سيف عبدالله وسميح المغربي. والبداية ورطة وخطأ فادح اذ ان المؤلف اختار عن وعي العربية الفصحى كلغة قوية وثرية وشاعرية وكأداة عالية الايقاع والتأثير فلماذا يصدمنا منذ الاستهلال بالعنوان التغريبي الانجليزي «استيشن»؟ ورغم ان فكرة النص تم طرحها وتناولتها الكثير من الاعمال الأدبية العربية والعالمية الا حكايات الانسان وحواديته ليس لها ولكل قصة انسانية طعم ولون ورائحة وقد جاءت خمس حواديت حب انساني للعوضي في العرض غير متناغمة ومتناسقة مع الهم الانساني المحلى لأنه ومنذ التجربة الاولى نظر بعيداً في الأفق باحثاً عن الماء ولم يكلف نفسه التفاتة بسيطة حوله او تحت قدميه ليجد آبار الوديان تملأ المكان! وعبر محطة باصات او سيارات في ارض جرداء وقعت الاحداث وروى كل بطل من ابطال العوضي حكايته التي كان يخبئها في صدره سنوات الا ان اللقاء بالصدفة على هذه المحطة الموحشة والمخيفة والتي أشبه ما تكون جغرافيا في صحراء الربع الخالي بدأ كل منهم يبوح بسره الدفين فهذا الأب المسكين والمسن والذي ينتظر ابنه الغائب منذ عقود يعده في الخطابات ويبعث له الأمل في الرسائل لكنه ابداً وقط لا يعود! والشاب الذي كتب على جبينه السفر والترحال وهجرة الاحباب دون ان يوغل في توضيح الاسباب انه الساخط والناقم والثرثار في عالم لا يلوذ الا بالصمت، انه قتيل هذا الصمت الموحش ثم الفتاة المتطلعة والمتوثبة الى حب الحياة والأمل والعمل والاعتماد على الذات لكنها أسيرة القيد الاجتماعي الأعرج، فأخوها يمارس عليها سلطة الأب الديكتاتور ولا يريد منها الا المرأة الأنثى التي يجب عليها ان تنتظر حظها من فحولة الرجال الذين سيطرقون بابها ويطلبونها للحياة أقصد للزواج اما هذا المتكرش الثمين فهو الثري الذي يريد ان يشتري بماله الحب والدنيا والحياة والمتعة ولو على حساب الآخرين يكذب.. يسرق.. يغش.. يخون لا فرق وليس لديه ما يعرف بعذاب الضمير. وبالطبع لا توجد سوى المحبة والمحبة التي بدون سبب ثمن الأداة الوحيدة القادرة على استخراج كل هذه الحواديت والحكايات من النفوس والصدور والوجدان هي حكايات كما يقول النص: في جزء من الرمال وجزء من البحر، والـ «استيشن» محطة تقع بين منعطف الواقع وتقاطع الطموح فهذه الشخصيات تعبر او ترمز الى قيم عديدة منها المثالية ومنها من ضاع في تاريخه وحلم بواقع جديد ومنها من يريد اختصار الطريق للوصول الى اهدافه المتغيرة ثم يقول العوضي ان احداث هذا العرض تدور في ارض قريبة وهي مصدر للإلهام فهل هي الامارات حقاً! ام انها العراق؟ في الحياة الاجتماعية بالامارات قصص قصيرة كثيرة متشابهة ولكن فيها قصصاً كثيرة اخرى اكثر تأثيراً وأبعد في الايحاءات والدلالات المسرحية ولذلك جاء الاخراج التجريدي الرمزي معبراً عن الاغتراب والاستلاب الفكري في ارواح هذه الشخصيات الانسانية اذ نسمع في ديالوج ثنائي او حتى ثلاثي الابعاد حوارات تؤكد على ضرورة النوم على طاولة الايام لأننا في الزمن الصعب ومنذ ان خلق الله الرعد والبرق والثلوج مكتوب علينا الصمت والرحيل، هذه هي أحوال هذه الشخوص خيمتهم الريح ووسادتهم الغيمة والمعاناة من الملل والضجر وقتل الوقت بالثرثرة لأن الصمت في المسرحية اشكال وألوان صمت معلب.. مجفف.. مسلوق.. مشوي.. ومحشي! انه زمن احدب فيه الليل دائماً يطارد الجميع والانتظار كحد السيف فلا أحد يأتي ولا أحد يرحل والأرض ضيقة بما يكفي لكي يكون الحب بين اثنين!! عرض مسرحي سيريالزمي ورمزي ومليء بالتهويمات والدلالات المسرحية او الاسقاطات لا تعبر الا عن غربة الروح والسأم والملل وحتى الديكور اصم وأبكم وجامد وكنت افضل رؤية هذه المشاهد البصرية في اجواء شعرية حميمية وذاتية لأن البوح من خصائص الشعر والقص المحكي يؤججه ويقويه ويغذيه الشعر وليس أضواء السيارات المنتظرة وكراسي المحطة المميتة. الشعر ضرورة وآه لو أعرف لماذا حتى في المسرح ولقد كان ليوهان جونفرد هيردر الناقد والباحث الألماني الذي أثر تأثيراً عميقاً على جوته رأي يقول: كانت للانسان لغة حتى وهو في مرحلته الحيوانية فكافة مشاعر جسده الجامحة العنيفة وكذلك كل أشواق روحه العارمة كان يعبر عنها تعبيراً مباشراً عن طريق الصيحات والنداءات وعن طريق الاصوات الوحشية المبهمة فما بالنا نعيش كبشر مرحلة الانسان في عصر الشعر!!