مرت في الصيف الماضي الذكرى الحادية والعشرون لرحيل رشدي أباظة الفتى الأول للشاشة العربية لأكثر من ثلاثين عاما، الذي تربع على عرش الفضية لأكثر من جيل. ولد رشدي سعيد بغدادي أباظة في 3 أغسطس 1927 وهو يتحدر من الاسرة الاباظية الشهيرة، وكان والده يعمل بالبوليس المصري ووالدته ايطالية المولد والنشأة. درس رشدي أباظة بمدارس «المارونية» بالزاهر وكلية سان مارك بالاسكندرية ولكنه لم يكمل تعليمه الجامعي بسبب عشقه للرياضة، فمارس منذ صغره رياضة الملاكمة وكمال الأجسام. وكانت الرياضة هي السبب في دخوله عالم الفن والسينما وذلك عندما رآه المخرج كمال بركات في العام 1948 وهو يمارس لعبة البلياردو وأعجب بوسامته وشكله الرياضي ولياقته، وعرض عليه الاشتراك في فيلم «المليونيرة الصغيرة» مع فاتن حمامة مقابل أجر قدره 150 جنيهاً، وقد لفت الانظار اليه لما حباه الله من وسامة وشكل ارستقراطي بالاضافة الى خفة الدم مما جعل الفتيات تتهافتن عليه. ولكن أسرته ثارت وعارضت عمله في الفن وهو ابن اسرة عريقة ومعروفة ولكنه قابل هذه الثورة من جانب أسرته بثورة أكبر وتساءل: «لماذا لم تعترض الأسرة عندما نظم عزيز أباظة الشعر والمسرحيات. وايضا عندما عمل عثمان عزيز اباظة مخرجا بالاذاعة وممثلا بالمسرح. ولكن والدته أقنعته بأن اجره لا يجب ان يقل عن ألف جنيه بأي حال من الاحوال لأنه ممثل كبير فكيف يوافق على 150 جنيها. وفي أواخر الاربعينيات كان رشدي أباظة غارقا في حبه للفنانة كاميليا وكان الملك فاروق يحبها في الوقت نفسه، وحدث ان ضبطها فاروق وهي تجلس بجوار رشدي أباظة في السيارة فقام بمطاردتها في شوارع القاهرة، واستطاع رشدي ان يفر منه ثم جاءه بعد ذلك من يطلب منه الابتعاد عن كاميليا نهائيا. وعزم الملك فاروق على قتل رشدي أباظة الا ان هناك من حذره من ان عائلة الاباظية لن تسكت على مقتل أحد أبنائها وان عليه ان يعمل لها ألف حساب. ومرت الأيام وماتت كاميليا في حادثة سقوط طائرة، وكان رشدي وقتها موجودا في ايطاليا. وعندما علم بالحادث من الصحف المصرية أصيب بانهيار عصبي وأخذ يشرب الخمر بلا وعي لدرجة جعلته يشرف على الموت وتم نقله الى المستشفى وظل 17 يوما ثم عاد الى القاهرة وحاول ان يجد عملاً ولكنه لم يفلح، خاصة ان بعض المخرجين كانوا خائفين من نفوذ الملك فاروق ومعرفته بما يكنه له من عداء. وفي العام 1950 التقى رشدي أباظة بالفنانة تحية كاريوكا في محل «ايزاك» وهو من أكبر تجار المجوهرات في ذلك الوقت، وكانت تحية في قمة تألقها وأصبح يسهر كل ليلة في الملاهي التي ترقص فيها، وذات ليلة التقى بها في ذلك الملهى الذي تعمل به وقال لها: «تتجوزيني؟» فابتسمت له وقالت «قوي قوي». وهكذا تم زواج رشدي اباظة من تحية كاريوكا وعاش معها شهر عسل كله حب وحاولت هي ان تفرضه في بعض الافلام التي تعمل بها ولكنه رفض ذلك تماماً وكانت تحية تغار عليه بشدة وتحرص ألا تقترب منه أية امرأة في أي مناسبة أو سهرة. وكان هو يشعر في داخله انه عالة عليها، وحاول أصدقاء الطرفين التوفيق بينهما مثل حلمي رفلة واسماعيل ياسين، ولكنهما كانا قد وصلا الى نهاية الطريق ووقع الانفصال بالفعل بينهما بعد حوالي العام تقريباً. عاش رشدي أباظة فترة ضياع بعد انفصاله عن تحية كاريوكا وعاد ليبدأ من الصفر مرة اخرى في السينما وقبل الادوار الثانوية في اكثر من فيلم. وكان رشدي لا يستطيع ان يعيش حياته بدون قصة حب وكانت هناك حسناء امريكية تعيش في مصر اسمها بربارا أو «باربي» كما كان يناديها رشدي. وكانت باربي هذه زوجة لأعز اصدقائه المطرب العالمي «بوب عزام» وهو شقيق المطربة داليدا. وكان رشدي يكره الخيانة ولذلك طلب منها ان تحصل على الطلاق أولاً لكي يتزوجها. وبالفعل حصلت على الطلاق وتزوجها وأصبحت الزوجة الثانية في حياته وأنجبت له ابنتهما «قسمت» وكان ميلاد ابنته وجه السعد عليه فقد قام بالعديد من البطولات وانهالت عليه العروض السينمائية لدرجة انه أصبح يصور فيلمين أو ثلاثة في الوقت نفسه. وفي العام 1955 التقى رشدي اباظة لاول مرة بسامية جمال في فيلم «قطار الليل» ومنذ ذلك الوقت دخلت سامية جمال الى قلبه وكان يتمنى ان تكون زوجة له، ولكنه كان لايزال متزوجا من زوجته الامريكية، وفي اثناء تصوير فيلم «الرجل الثاني» في العام 1959 حضرت زوجته الى الاستوديو وكان المشهد الذي يتم تصويره يقتضي ان يصفع رشدي سامية امام الكاميرا واعيد المشهد اربع مرات فإذا بزوجته بربارا تهمس لاحد الجالسين بجوارها في الاستوديو «يبدو ان مدام سامية جمال يعجبها تمثيل هذا المشهد» ثم خرجت مسرعة من الاستوديو. وفي الاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية للعام 1959 اقام رشدي احتفالا في بيته ودعا اليه عددا من النجوم والفنانين، وكان من بينهم مريم فخر الدين وسامية جمال وصديقه رجل الاعمال جمال فارس، وحدث ان اتت زوجته بتصرفات مهينة لمريم جعلتها تغضب وتنصرف قبل حضور رشدي الذي كان مشغولا ليلتها في العمل، وقيل ان السبب هو غيرتها من سامية جمال وليس مريم لانها عرفت بغريزتها ان سامية قد دخلت قلب زوجها رشدي، وفي نفس الوقت لاحظ رشدي اهتمام زوجته بصديقه رجل الاعمال جمال فارس فلم يشأ ان يشرب من نفس الكأس التي شرب منها صديقه بوب عزام فطلقها بهدوء، وكان ذلك في شهر اكتوبر 1960 وذهب الى جمال فارس وافهمه انه كان على علم بكل شيء وانه قرر ان ينهي الموقف بهدوء وحكمة وبالفعل تزوجت بربارا من جمال فارس واحتفظ رشدي بابنته «قسمت». ومع نهاية العام 1960 بدأت الشائعات تنتشر عن زواج سامية جمال ورشدي اباظة، وكان يؤكد هذه الشائعات ظهورهما سوية في العديد من الاماكن واصطحابها له في العديد من المناسبات الفنية ولكن رشدي اجل اعلان هذا الزواج لمدة عامين كاملين حتى تنتهي خلافاته مع زوجته الامريكية لاسترداد ابنته، وعندما انتهت مشاكله بالفعل اعلن زواجه من سامية جمال فأصبحت الزوجة الثالثة في حياته كما كانت المفاجأة انه بعد اعلانه الزواج منها اقدمت سامية جمال على اعتزال العمل الفني كي تتفرغ لحياتها الزوجية وتربية ابنته قسمت، وكانت سامية جمال في قمة تألقها الفني ليس فقط كراقصة وانما كنجمة سينمائية ايضا، ورغم كل التضحيات التي اقدمت عليها الا ان الخلافات بدأت تدب بينهما بسبب شقاوته وبسبب افراطه في الشرب لدرجة تفقده وعيه واحيانا كثيرة كانت تصل الى حد تطاوله عليها. وفي العام 1967 واثناء وجوده في بيروت لتصوير فيلم «ايدك عن مراتي» تزوج من الفنانة صباح التي كانت تشاركه البطولة والتي اصبحت الزوجة الرابعة في حياته مما اثر بشكل سيء على نفسية سامية جمال، ولكنها كانت تغفر له دائما نظرا لحبها له، وبعد زواج استمر 14 عاما طلبت سامية جمال الطلاق بالحاح شديد لدرجة انها قامت بتسجيل مقطع من اغنية لام كلثوم يقول «اعطني حريتي اطلق يديا انني اعطيت ما استبقيت شيئا» وكانت تتعمد ان ينطلق هذا المقطع طوال فترة تواجد رشدي بالمنزل وهكذا تم الطلاق الثالث والاخير بينهما في عام 1977. قدم رشدي اباظة للسينما المصرية حوالي 144 فيلما سينمائيا من اشهرها «اني راحلة» و «لا أنام» و«في بيتنا رجل» و «رد قلبي» و «موعد غرام» و «امرأة في الطريق»، و «صراع في النيل» و «عالم عيال عيال» وكانت اخر افلامه «خائفة من شيء ما» و «الاقوياء» وقد تنوعت ادواره على الشاشة ما بين الرومانسية والكوميدية واختلفت الشخصيات التي قدمها ما بين «ابن الباشا وابن البلد». واما اخر زوجاته فقد كانت ابنة عمه السيدة نبيلة اباظة وهي الزيجة الخامسة والتي باركتها والدته وكانت راضية عنها تماما بخلاف زوجاته السابقات وهي ايضا التي لازمته حتى وفاته في السابع والعشرين من يوليو 1980. القاهرة ـ هيام الدهبي