بيان الكتب: «الحلاج» هو ابو المغيث الحسين بن منصور المولود في قرية «الطور» في الشمال الشرقي لمدينة البيضاء، من مقاطعة فارس في ايران نحو سنة 244 هجرية. تركت اسرته قرية «الطور» وانتقل معها الى واسط في العراق، وكان ابوه يعمل في حلج القطن ونسجه، والمرجح ان لقب «الحلاج» لحق به بسبب صنعة ابيه تلك. امضى «الحلاج» صباه متنقلا بين كتاتيب «واسط» يتلقى ما اتيح له من العلم ثم انتقل الى البصرة، لينشيء علاقة طيبة بـ «عمرو بن عثمان المكي الصوفي» الذي البسه خرقة الصوفية، وهناك تزوج «الحلاج» بـ «أم الحسين بنت ابي يعقوب الاقطع» منافس عمرو بن عثمان على زعامة المتصوفة في مدينة البصرة، وهذا الزواج احدث خصومة بين الشيخين ناتجة عن تنافسهما على التقرب من «الحلاج» لكن الحلاج ضاق صدرا بهذه الخصومة، ومحمد ابي السكون والمراعاة، لكن الحال لم يهدأ حتى قرر ان يترك البصرة قاصدا، بغداد حيث اتصل بالشيخ «الجنيد». في تلك الاثناء نشأت حركة الزنج التي قادها عبيد مستضعفون، في حين كانت حركة «القرامطة» في اوج قوتها ونشاطها، وكانت تهدد حكم «بني العباس». وكانت حركة الزنج تتعاطف معها، ومن المرجح ان «الحلاج» اتصل بالحركتين لان منهجه الفكري وروحه الثورية، ودعوته الى الاصلاح الاجتماعي والسياسي تتوافق مع دعوة القرامطة. ومن المصادفات الغريبة ان السنة التي انتشر فيها امر «الحلاج» وذاع صيته هي السنة 299 هـ وفيها تأسست الدولة الفاطمية، وقد قدم المستشرق «ماسينيون» دراسة معمقة عن الحلاج، اثبت فيها انتماء الحلاج الى القرامطة. انتقل الحلاج قاصدا «مكة المكرمة» لاداء فريضة الحج، واستمر هناك سنة كاملة يمارس اشق الرياضات الصوفية، حيث كان يعرض جسده لاشعة الشمس المحرقة، واشد الوان العذاب ويقتصر طعامه على الخبز والماء وحين عاد« الحلاج» من «مكة» بدا للناس في صورة رجل واثق من نفسه، وقد كثر اتباعه، واختار الصوفية فلسفة له، واخذ خصومه يلفقون حول شخصه ومبادئه الاكاذيب، ولكنه ظل صابرا يبادل الاساءة بالمغفرة. وحين انطلق الى «مكة» حاجا للمرة الثانية، كان برفقته اربعمئة من اتباعه ارادوا ان يثبوا ولاءهم لسيدهم في بيت الله ذلك السيد الشاب الذي ايقن ان الاصلاح الاجتماعي، يجب ان يبدأ اولا بالاصلاح النفسي. واذا كان عامة الناس لايستطيعون ان يبلغوا المستوى من الاشراق الروحي والنفسي فانهم يقدرون ان يتخلوا عن الانانية التي تثير الفتن بين الناس، وبذلك فان «الحلاج» قد نقل الصوفية من كونها فلسفة فوق اجتماعية مقتصرة على الخاصة من الناس، الى فلسفة ميدانها المجتمع، وجنودها عامة الناس. ويغادر «الحلاج» «مكة» في سعي جديد وطويل نحو المعرفة، فيصل الى «الهند» و «تركستان» و «كشمير» وكأنه في تلك الرحلة اراد ان يحقق روح الاسلام باتصاله بالفكر الانساني في العالم اجمع. وحين عاد «الحلاج» من تلك الرحلة، انطلقت الالسن تخبر انه مارس الكثير من الخوارق، وتأكدت فلسفته الداعية الى التحقق بالوحدة الالهية التي لا تنمو الا من خلال الشوق الالهي، والتخلي عن الانانية، التي هي اصل كل المفاسد والشرور. وقد اثبت «ابو الفرج محمد» المعروف بالوراق النديم، ثبتا بمؤلفات «الحلاج» التي بلغت اثنين واربعين كتابا، بالاضافة الى ديوانه الشعري، واول من جمعه المستشرق الفرنسي «لويس ماسينيون». جاء ديوان الحلاج والمرتب حسب الحروف الهجائية، والباديء بقافية الهمزة ثم الباء ومنتهيا بقافية الياء، في ثمانين صفحة من القطع الكبير، وقد جاءت الاشعار على معظم بحور الشعر، مع ميل للكتابة على البحر الكامل والرمل. اما اخباره فجاءت في خمس وثلاثين صفحة، وقد اخبرت عن حياته، وركزت بشكل اساسي على صلبه الذي جرى عام 309 هجرية. عن «ابراهيم بن فاتك» قال: لما أتى الحسين : ليصلب، رأى الخشبة والمسامير، فضحك كثيرا حتى دمعت عيناه، ثم التفت الى القوم فرأى «الشبلي» فيما بينهم، فقال له: يا اباكر هل معك سجادتك؟ فقال: بلى يا شيخي قال: افرشها لي، ففرشها، فصلى «الحلاج» عليها ركعتين، فلما سلم ذكر اشياء لم احفظها، وكان مما حفظته هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك، وتقربا اليك، فاغفر لهم فانك لو كشفت لهم ما كشفت لي، لما فعلوا فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تريد. ثم تأتي «طواسين الحلاج» في خمس وثلاثين صفحة، وهي في ابواب منها: طاسين السراج، طاسين الفهم، طاسين الصفاء، طاسين الدائرة، طاسين النقطة ويختمها ببستان المعرفة. إعداد ـ محمد سطام الفهد