بيان الكتب: دانييل كويل مؤلف هذا الكتاب هو سجين فرنسي محكوم عليه بالمؤبد اعتبارا من عام 1978. يبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما. التهمة الموجهة هي عملية قتل كان قد قام بها منذ عدة سنوات ويشاركه في السجن نفسه محكوم آخر بالسجن المؤبد ايضا هو بيير ماري اندريوتي. هذا الكتاب هو في الواقع ثمرة «حوار» بين هذين السجينين، قد تم تسجيله دون ان يدري به احد. هذا الحوار تحول الى نص يروي السيرة الذاتية ل«دانييل كويل»؟ انها سيرة حياة استثنائية يروي صاحبها الجنح التي ارتكبها اثناء مراهقته ثم جريمته ووصولا الى حياته داخل اسوار السجن وحتى رؤيته لـ «مجتمع الخارج» ولعل هذه النقطة الاخيرة هي اكثر ما يثير الدهشة والفضول، اذ من المألوف والمعروف الحديث عن الكيفية التي يرى بها الطلقاء نزلاء السجون ولكن نادرا ما يتم عرض كيف يرى النزلاء الطلقاء... تجدر الاشارة هنا الى ان الفيلسوف الفرنسي الكبير ميشيل فوكو كان قد كرس احد اهم اعماله لعالم السجون. بدأ السجينان حوارهما عندما كان عمر «دانييل كويل» ست وثلاثين سنة امضى منها ست عشرة في السجن بينما كان عمر بيير ماري اندريوتي 46 سنة امضى منها 13 سنة في السجن. هذان السجينان تميزا عن الآخرين، الاول بسبب نزعته الاحتجاجية داخل السجن والثاني اندريوتي بسبب انتمائه الى «عالم العصابات الكبرى». لقد التقى الرجلان في السجن عام 1987 بعد ان كان كل منهما قد امضى سنوات وراء القضبان وهناك ايضا التقت بهما السيدة «ليونور لوكين» الباحثة الاتنولوجية التي كانت تجري دراستها عن عالم السجن وانجزت حوله دراسة نشرتها عام 2000 في كتاب تحت عنوان «حول السجن. باحثة اتنولوجية في السجن الرئيسي» وقد كان هذا الكتاب ثمرة لقاءات اجرتها مع السجناء اثناء الدقائق القليلة المسموح لهم فيها الخروج لـ «النزهة واستنشاق الهواء» وفي احد لقاءاتها مع السجين «بيير ماري اندريوتي» اقترح عليها ان يقوم بـ «اتمام عملها» والقيام بحوارات ومقابلات مع زملائه السجناء. بعد عدة اشهر بدأت الباحثة الاتنولوجية بتلقي اشرطة التسجيل من السجن حيث كان يتم اخراجها منه بطريقة «ملتوية» والتي كان السجين اندريوتي» قد انجزها دون علم احد وهكذا بدأت حواراته مع زميله «دانييل كويل» بعد سبع سنوات من لقائهما الاول. لكنهما لم يكونا صديقين في البداية اذ كان «اندريوتي» يحاول تنظيم حياته في السجن عبر الانتباه للرياضة و«الانفورماتيك» ولا يلتقي الا بالكورسيكيين مثله. الثاني فقد كان في خلاف مستمر مع حراس السجن الذين اقام معهم علاقة متوترة لكن ومنذ الحوار الاول بينهما قامت بين الاثنين صداقة حقيقية. لقد رأى «كويل» في «اندريوتي» رجلا يتمتع بـ «قوة هادئة» حسب قوله، وسوف يلجأ اليه كلما احس بـ «حاجة للاجابة على تساؤل لديه». لكن بالمقابل وجد «اندريوتي» في «دانييل» شابا تنبغي مساعدته». استمرت الحوارات المسجلة بين الرجلين قرابة اربعة اشهر. وكانت لقاءاتهما الانفرادية تنقطع بين الفينة والاخرى بسبب الوصول المفاجيء لأحد الحراس او بسبب حلول وقت العودة الى الزنزانة حيث كان «دانييل كويل» يأخذ معه شريط التسجيل والآلة كي يستمع الى ما قاله.. ويعيده احيانا مرات ومرات. وربما يبكي او يحس بأنه لا يستطيع الاستماع اكثر. لكن بكل الاحوال كان يحس، كما يقول بأنه ادرك بأنه كان بحاجة ماسة الى تفريغ ما في داخله اذ كان يحس بأنه مسكون بعاصفة من «الغضب» وفي الوقت الذي كان يروي فيه حياته واحاسيسه في السجن عرف بأنه قد تم تخفيض الحكم المؤبد الى عشرين سنة وبالتالي كان ينتظر الرد على طلب بالافراج «المشروط» عنه، كانت «فترة تساؤل وقلق» واندريوتي في حالة شبيهة وبعد سبع سنوات وافق الاثنان على نشر «حوارهما» في كتاب كان دانييل كويل قد خرج من السجن لفترة قصيرة عام 1996 ثم عاد له وقد اصر على ان يوقع الكتاب باسمه الحقيقي. اما اندريوتي فقد كان لا يزال ينتظر الجواب على طلبه الثالث للافراج عنه شرطيا وبسبب اهتمام الاعلام بقضيته فضل ان لا يفصح عن اسمه الحقيقي وهكذا يعني ان بيير ماري اندريوتي هو في الواقع اسم مستعار. ان هذا الكتاب ليس شهادة وذلك بمعنى ان صاحبه لم يكن يرمي الى اثبات براءته او انه كان يريد ان ينقل صورة عن حقيقة ما يجري في عالم السجون وانما هو يقتفي قبل اي شيء آخر مسار الحياة الداخلية لسجين قبل ان يسر طويلا ما يجول بداخله الى سجين آخر وليس لصحفي او عالم اجتماع او باحث اتنولوجي او لاحد العاملين في ادارة السجن. ان فرادة هذا الكتاب تأتي من حيث ان الحوار يدور بين «انسانين» يعيشان التجربة نفسها وهو حوار يدور ايضا في المكان عينه واثناء فترة السجن وليست بعد الخروج منه.. ولان محتويات هذا الحوار لم تكن مكرسة للتوزيع او النشر في وقتها، فإنها جاءت زاخرة بالصدق والتعبير عن الذات. لكن عندما تم نشر الكتاب يمكن القول بأ الحوار بين الرجلين السجينين قد تحول الى شهادة حول واقع السجون وايضا حول مسيرة الحياة الداخلية لمحكوم بالمؤبد لكنه محكوم يريد ان يتجاوز استبعاده عن المجتمع وان ينتصر على سجنه.. واذا كان يتم الحديث بالمفرد وليس بالمثنى اي ما قاله بيير ماري اندريوتي ايضا فإن هذا يعود لواقع الى اتفاق الجميع الناشر والباحثة الاتنولوجية والمؤلفان على حذف مداخلات هذا الاخير اي اندريوتي مما اعطى لرواية كوييل قدرا اكبر من الاتساق والتسلسل». ما نعرفه عن «دانييل كويل» حسب روايته هو انه كان ابنا لرجل عسكري ولأم موظفة وانه كان منذ طفولته «البطة السيئة في الاسرة» وكان «سيئا في المدرسة» كما انه كان متمردا باستمرار ضد النظام الاجتماعي القائم لانه كان زاخرا بالمظالم يقول في سن السادسة عشرة عرفت السجن للمرة الاولى بسبب ممارستي العنف ضد احد رجال الشرطة، الاب رفض الامر تماما.. اما الأم «أمي، هي أم انه حب الامومة، وبعد الخروج من السجن والعودة الى الحي كان الرفاق باستقباله حيث اعتبروه رجلا واستمعوا لرواياته حول السجن». لقد احسس بنفسه وكأنه جان فالجان» اي بطل قصة «البؤساء لفكتور هوجو الشهيرة ثم كان الانخراط في الجيش وتحديدا في فرقة التدخل الخارجي كانت تلك هي ارادة الاب لـ «تطبيع» العلاقة مع ابنه الذي قبل «خوض المغامرة» لكن انتهى الامر الى الهرب وسرقة سيارة للوصول الى باريس ومنها الى «الحي من جديد؟ واللقاء مع جانحين آخرين للعودة الى السجن من جديد حيث المشاركة في عملية «تمرد» داخلية والتحويل الى سجن آخر. وشيئا فشيئا اصبح وسط الجانحين هو الذي يمضي فيه اغلبية اوقاته فيه وهنا تعرف على مانو الذي شاركه عملية سطو على شحنة من الادوات المنزلية الكهربائية ولكنه اي مانو استأثر بالثمن وهرب لقد عرف «دانييل كويل» من احد اصدقاء مانو وتحت تهديده بالسلاح بأنه قد ذهب الى مدينة بايون بالقرب من الحدود الفرنسية الاسبانية لقد بحث عنه في جميع الفنادق لكنه التقاه صدفة في احد الشوارع.. وانتهى الامر بأن قام بقتله بعدة طلقات نارية يقول: «لقد تم الامر بسرعة كبيرة جدا.. كبيرة جدا. هكذا تجد نفسك في مواجهة وانت تملك سلاحا وتعرف بأنك الأقوى لأنك تملك سلاحا فتأخذه وتطلق النار ثم كنت ما أزال شابا صغيرا عمره عشرون عاما فقط «وكانت بداية رحلة السجن الطويلة». السجن.. والمصحة النفسية.. وقاعات المحاكم وأقسام السجن المخصصة لعتاة المجرمين... والتحويل من معتقل الى آخر.. وبداية حركات التمرد داخل السجون وأشياء كثيرة أخرى في هذا العالم العجيب الذي يعاني البشر فيه من التهميش والاستبعاد لكن في مواجهة هذا كان الرد الوحيد المقبول هو التمرد هكذا ساهم دانييل كويل في حركة التمرد الشهيرة التي شهدها سجن سان مور بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس بل وكان احد العناصر الاساسية الفاعلة في اثارتها كان هو الذي القى قطعة القماش المشتعلة مما اشعل حريقا كبيرا لم اكن اتصور بأن النتيجة ستكون كذلك اذ كان يمكن ان اكون سببا في موت الجميع يقول دانييل كويل السجين المؤلف