بيان الكتب: يعمل كريستيان روش مؤلف هذا الكتاب مفتشا تربويا اقليميا لمادتي التاريخ والجغرافيا في أكاديمية «مونبلييه» بجنوب فرنسا. نشر قبل فترة وجيزة كتابا تحت عنوان «السنغال في طريق الاستقلال». أما ليوبولد سيدار سنجور فهو أول رئيس لجمهورية السنغال المستقلة 1960 ـ 1980، وهو ايضا أول عضو أفريقي في الاكاديمية الفرنسية. عاش السنوات الأخيرة من حياته في فرنسا حيث توفي خلال شهر ديسمبر من عام 2001. هذا الكتاب ليوبولد سيدار سنجور.. وأوروبا إنما هو أحد كتب سلسلة تحمل عنوان «مخيلة أوروبا» تهتم الأعمال المنشورة في اطارها بتقديم وتحليل كتابات ورؤى بعض كبار الكتاب الذين كانوا روادا في تطلعهم لأوروبا، ومن هؤلاء ايمانويل حافظ وفيكتور هوجو وليوبولد سيدار سنجور وغيرهم. وكانت رؤية سنجور تتفرد في اقامة نوع من الموازاة بين الحضارة الاوروبية والحضارة الافريقية، حضارته الاصلية.. هذا بالاضافة الى ترديده بكل المناسبات بأنه مؤمن بـ «حوار الثقافات» وبانتماء البشر الى حضارة انسانية ذات أبعاد كونية. كان عمر ليوبولد سيدار سنجور عند وفاته قبل أسابيع قليلة فقط خمسة وتسعين عاما، أي انه عبر القرن العشرين كله تقريبا. أفريقي المولد والانتماء والقلب ولون البشرة، انه «شاعر السواد» وهو شاعر وسياسي وداعية انساني.. لكنه ايضا مزدوج الثقافة «ثقافة أجداده السود» و«ثقافة المستعمر الاوروبي» ولعله الأكثر معرفة بأوروبا من بين الاجانب، كما يقول مؤلف هذا الكتاب. وكان سنجور لفترة من الزمن نائبا في الجمعية الوطنية الفرنسية وفي الوقت نفسه مناضلا من أجل حرية القارة السوداء، لكنه ابتعد باستمرار عن تبني طريق العنف، وكان اشتراكي الميول دعا باستمرار الى تقارب الشعوب عن طريق الحوار الاجتماعي والثقافي. لكنه وفوق كل شيء «غنّى أرضه وشعبه» بلغة فرنسية راقية فتحت له أبواب الاكاديمية الفرنسية. حظيت أشعار ليوبولد سيدار سنجور وكتاباته السياسية والفلسفية بالعديد من الدراسات، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها القاء نظرة جديدة على فكره من زاوية بعده «الاوروبي» وللوهلة الأولى لابد وان تبدو مثل هذه النظرة متناقضة في جوهرها، إذ ليس هناك ما يسوغ ان تحتل الحضارة الاوروبية حيزا كبيرا من اهتمام رجل أفريقي لم يتوقف أبدا عن تأكيد تجذره في القيم الافريقية السوداء وتجذر هذه القيم فيه. لكنه تشرب منذ نعومة أظافره بالثقافة الاوروبية. لقد تبنى سنجور لحسابه كلمة «عبد» التي أخذت معنى سلبيا منذ فترة تجارة «العبيد» المعروفة. لكنه أعاد لهذه الكلمة «كرامتها» عبر تأكيده بقوة «شرف وعزة ان يولد المرء أسود» وكان قد بدأ دفاعه عن «افريقيته» منذ عقد الثلاثينيات عندما كان طالبا في باريس، حيث أكد مع مجموعة من زملائه الطلبة الافارقة الانتماء الى الحضارة الافريقية السوداء، إن هذه الحقيقة لها وبلاشك وجهها الآخر إذ ان الفكر السياسي لليوبولد سيدار سنجور بل وبشعره تأثر تأثرا كبيرا بواقع وجوده في اوروبا. هذا ما يدل عليه بوضوح عدد الكتب التي نشرها والتي تضمنت آراءه السياسية والثقافية والفكرية. وقد جعل مؤلف هذا الكتاب هدفه الأول في أبراز رؤية سنجور الاوروبية من خلال أعماله السياسية والادبية. إن مؤلف هذا العمل يقدم سنجور الاوروبي عبر مرحلتين أساسيتين، الأولى هي صورة أوروبا في نظر ذلك الشاب السنغالي الذي كان في مطلع القرن العشرين. أما المرحلة الاخرى فهي تلك التي تبدأ مع مسيرته السياسية في فرنسا وآليات تأثير اوروبا بها. ويولي المؤلف ايضا أهمية كبيرة لشرح مفاهيم سنجور حول ما كان يسميه بـ «اوروبا الافريقية» مع التأكيد على بعض المصادر الاوروبية في فكره. وكان رئيس جمهورية السنغال السابق قد أكد كثيرا على مساهمة الثقافة الافريقية الأم والثقافات الاجنبية الاخرى في الحضارة الاوروبية. ولعل أكثر ما يثير الاعجاب بمواقف ليوبولد سيدار سنجور وبشعره هو انه لم يعان أبدا من أية عقدة حيال ثقافته الاصلية الى جانب إعلان ايمانه العميق بـ «تفاعل الثقافات» كعنصر هام في تقدم الأنسانية وفي تعزيز قيمتها «الكونية». ليوبولد سيدار سنجور هو من مواليد السنغال عام 1906 في احدى القرى الصغيرة ولأسرة من كبار ملاك الاراضي. ومع ولادته ظهرت أولى بوادر التأثير «الاوروبي» عليه.. ذلك ان اسمه ذو أصل برتغالي قديم. وكانت صلاته الأولى مع الاوروبيين عبر «المبشرين» الذين كانوا قد قدموا من أوروبا. ان السنغال ظلت مستعمرة فرنسية لعدة قرون من الزمن. وقد كانت داكار هي عاصمة افريقيا الغربية الفرنسية. أما الاتصال المباشر مع فرنسا فقد بدأ عام 1928 عندما أصبح الشاب «سنجور» طالبا وبدأ اعتبارا من عام 1931 الانخراط في الاوساط «السوداء» بباريس حيث التقى بعدد من الشعراء السود وعلى رأسهم الأمريكي الافريقي رونيه ماران والانتيلي ريمي سيزير الذين تفاخروا بسوادهم وبقيم العالم الأسود. لقد أصبح سنجور استاذا للغة الفرنسية في عدة ثانويات فرنسية. وفي عام 1945 نشر سنجور أول مجموعة شعرية له تحت عنوان «أغنية الظل». ولقد رفض مقولة «الذوبان» داخل المجتمع الفرنسي مؤكدا ان للسود حضارتهم وتراثهم الانساني الذي عليهم ان يتركوه للعالم. ان الحياة في فرنسا أججت حنينه الى بلد مولده. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939 تمت تعبئة ليوبولد سيدار سنجور كجندي في فرقة المدفعية الاستعمارية ووقع في الأسر اثر هزيمة الجيش الفرنسي عام 1940 ليجد نفسه أسيرا مع الرماة السنغاليين حيث مكث عامين. وقد تم اطلاق سراحه بعد ان قال طبيب فرنسي بأنه مصاب بمرض معد وخطير بالنسبة للسجناء الآخرين، ليعود بعد ذلك الى ممارسة تعليم اللغتين اليونانية واللاتينية لطلبة أوروبيين. كان يعيش كالاوروبيين ويلبس مثلهم، لكنه كان يمضي العطلات المدرسية في بلد مولده، حيث كان يلتقي بـ «فرح كبير» أسرته واصدقاءه وملاعب طفولته. إن حقائق الواقع وما لاقاه الرماة السنغاليون من معاملة من قبل فرنسا بعد الحرب أثار سخط الاستاذ سنجور الذي لم يعد يتعرّف على فرنسا التي أثارت اعجابه، ابنة عصر الانوار الاوروبية، أي القرن الثامن عشر.. والعديد من الفرنسيين الذين كانوا يؤكدون تعلقهم بالقيم الجمهورية التي أكدت عليها ثورة 1789 ان ابن السنغال وافريقيا السوداء سنجور قرر عندها ان يضع نفسه في خدمة ابناء وطنه السنغاليين من أجل التحرر السياسي والتنمية الاجتماعية والثقافية. وفي عام 1946 أصبح ليوبولد سيدار سنجور عضوا في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان). ولكنه ظل خلال الفترة الواقعة بين 1946 و1960 وفيا لهدف مزدوج سعى لتحقيقه، فهو من جهة رجل سياسة سنغالي، ومن جهة اخرى عضو في البرلمان الفرنسي، وكان يعتبر نفسه «سنغالي فرنسي» أي حسب مفهومه «سنغالي» و«فرنسي» كامل الحقوق والواجبات في الحالتين. وفي عام 1960 استقلت السنغال وأصبح ليوبولد سيدار سنجور بنتيجة انتخابات 5 سبتمبر 1960 رئيسا لجمهورية بلاده. لقد أصبح الرئيس الشاعر منذ عام 1960 وحتى عام 1980 حيث كان بلغ الرابعة والسبعين من العمر، كان قد تعب من تحمل مسئوليات الرئاسة، فما كان منه الا ان استقال خلال فترته الرئاسية وانسحب نهائيا من الحياة السياسية. وفي عام 1984 أصبح ليوبولد سيدار سنجور عضوا في الاكاديمية الفرنسية. لقد تحدث ليوبولد سيدار سنجور دائما عن أهمية البعد الافريقي لأوروبا أو «أوروبا الافريقية». وذلك على اعتبار ان افريقيا هي المجال الجغرافي و«الجيوبوليتيكي» الذي يحقق الشروط الطبيعية والمناخية التي تجعله «مكملاً» لأوروبا. لقد كان سنجور افريقي ـ أسود بعمق، لكنه تأثر بالتأكيد منذ طفولته بالثقافة الاوروبية وقد كان مقتنعا تماما بتعامل هذين العالمين الثقافيين، يقول مؤلف هذا الكتاب ويقول سنجور: «ان اوروافريقيا (أوروبا، افريقيا) مثلها مثل الاتحاد الفرنسي لن تكون سوى بمثابة زواج يقدم فيه كل من الزوجين نصيبه ومؤهلاته. وكما انه لا يوجد عرق للسادة فإنه لا توجد قارة صاحبة امتياز. ولكل مناقب عظمته ومكامن ضعفه وبؤسه. وكل طرف ترك بصماته في مرحلة ما على التاريخ أو على ما قبل التاريخ. ان سنجور يشير باستمرار الى حداثة الحضارة الاوروبية منذ القرن السابع عشر فقط، بينما يؤكد في الوقت نفسه وبالاعتماد على مؤرخين كبار مثل هيرودوت على «عراقة» الحضارة الافريقية السوداء. إن مثل هذه الاطروحة قال بها مؤخرا مؤلف كتاب «اثينا السوداء» الذي يؤكد هو الآخر على البعد الافريقي والآسيوي في الحضارة الاوروبية الحديثة. وكان سنجور قد أشار في كلمته في الجامعة الفرانكوفونية للاسكندرية الى مصر ـ الأم.. والأم بالنسبة للحضارة الاوروبية، وأبعد منها للحضارة الانسانية. لم يكن سنجور هو وحده الذي قال ذلك، وإنما قاله ايضا قبله بكثير «هيرودوت».. سنجور «الحكيم».. الأفريقي.. الأوروبي