بيان الكتب: ايزابيل ريشيه، مؤلفة هذا الكتاب هي استاذة في جامعة باريس العاشرة وفي مركز الدراسات متعددة المشارب حول المسائل الدينية في المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية التابعة للمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. يدرس هذا الكتاب دور العامل الديني في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية وآليات عمل المجتمع فيها. وترى المؤلفة بأنه من المستحيل فهم ظاهرة التدين الامريكي دون دراسة الدور الذي لعبته في تطوير المجتمع. كما انه من المستحيل فهم هذا المجتمع دون معرفة المكانة التي يحتلها التدين في الحياة الخاصة والحياة السياسية للامريكيين. هذا وتقوم مؤلفة الكتاب بدراسة ما تسميه بالتجربة العقائدية الامريكية بالاعتماد على ثلاثة مفاهيم اساسية هي النزعة التعددية والنزعة الفردية والنزعة القومية. والملاحظة الاولى التي تسوقها مؤلفة هذا الكتاب هي عمق الميل الديني في الولايات المتحدة الامريكية.. الامر الذي لابد وان يثير دهشة «المراقب الاوروبي» لكن مثل هذا الميل يظهر عبر عدة تبديات مثل تجمع الآلاف في الملاعب الرياضية بمناسبات دينية او الخلفية العقائدية التي تقوم على اساسها عمليات رفض اي سلوك «لا أخلاقي» قد يمارسه رجال السياسة او غيرهم من الشخصيات العامة. لكن وفي الوقت نفسه يتم التأكيد على سمة التناقض التي ينم عنها المجتمع الامريكي من حيث انه يبدو «متدين بعمق» و«دنيوي بعمق» ايضا انه مجتمع له خصوصيته وآليات تشكله الذاتي التي تتمايز عن مجتمع آخر بالمجتمع الفرنسي الذي صبغت الكاثولوكية وطبيعة العلاقات بين الكنيسة والدولة والجزء الاساسي من المشهد الثقافي والعقائدي فيه، ومن خصوصيات المجتمع الامريكي ايضا وجود عشرات الطوائف ومئات المسميات الى جانب غياب آية مؤسسة دينية قومية مسيطرة وهكذا تبدو التجربة الامريكية في هذا الميدان ذات ديناميكية خاصة ميزتها منذ اصولها الاولى.. وعلى اساس ابعادها الثلاثة الجماعي والتعدادي والفردي والقومي. يجد البعد التعددي على صعيد الانتماء العقائدي، اصوله في التكون الامريكي ذاته اذ اجتمعت في اطاره ومنذ بداياته ثلاث ثقافات هي الثقافة الهندية الامريكية والثقافة الاوروبية والثقافة الافريقية. ولقد كان الاستعمار الانجليزي ذا طبيعة بروتستانتية مهيمنة، ولكنها كانت منقسمة بين الكنيسة الانجيلكانية والمجموعات الاخرى التي لم تكن تقبل بسلطة الكنيسة الانجليزية وعندما ظهرت امريكا الشمالية بمثابة ملجأ للعديد من الاوروبيين الذين قصدوها هربا من البؤس او ربما من الاضطهاد اصبحت الهجرة بمثابة مصدر آخر للتنوع ولا تزال كذلك حتى الحقبة الراهنة ثم ان الانقسام الداخلي بين مختلف اشكال التأقلم مع المحيط الجديد ساهم في تعددية التعبيرات العقائدية الامريكية. وبالموازاة مع البعد التعددي بدت نزعة التدين الامريكية ممهورة منذ البداية بنزوع فردي قوي. ان البروتستانتية نفسها تؤكد على النزعة الفردية وأهمية الفرد في الفصل الايماني ذاته، كما ان المهاجرين بكل طوائفهم وجدوا انفسهم مدعوين شخصيا للمساهمة في بناء صرح ما يمثل خصوصيتهم هذا واذا كانت التعددية العقائدية الامريكية تخص مختلف القوى المتواجدة في عين المكان وتدل على تعبيراتها المختلفة فإن النزعة الفردية تؤكد على دراسة تجربة البشر انفسهم، لكن المؤلفة تقتح هنا قوسين لتؤكد بأن هذا لا ينبغي ان يقودنا الى نوع من التبسيط في الفهم والقول بوجود تعارض بين الفرد والمؤسسة وانما المقصود هو توضيح الديالكتيك الذي قام منذ فترة مبكرة جدا في تاريخية المجتمع الامريكي بين المعايير العامة المؤسساتية للكنيسة وبين الايمان الفردي وحيث دلت استطلاعات للرأي بأن 80% من الامريكيين يعتقدون بأنه ينبغي على الفرد صياغة قناعاته وطياراته العقائدية بعيدا عن اية مؤسسة كنيسية ان مثل هذا البعد الفردي على صعيد العقائد يدفع نحو التعلق اكثر بمتاع الدنيا نفسها. اما البعد القومي او النزعة القومية على الصعيد العقائدي فإن المؤلفة تعني به المعنى الواسع الذي يشمل العلاقات بين العقائد والمجتمع وبين الكنيسة والدولة وكذلك التماهي الوثيق مع الامة والانتماء لها هذا وكان المستوطنون الانجليز الاوائل قد جلبوا معهم الى العالم الجديد رؤية كانت سائدة آنذاك في اوروبا وتقول بالارتباط الوثيق بين السلطة الدينية والسلطة المدنية والتأكيد ضمن السياق نفسه على ان الاستقرار على صعيد المنظومة الاجتماعية انما يتأتى من وحدة القيم القائمة عليها لكن مثل هذه المقولة سرعان ما اصطدمت مع الواقع التعددي المتنامي للمستعمرات (المستوطنات) مما استوجب البحث الحثيث عن تسويات توفق بين تنوع الانتماء العقائدي وبين مفهوم الامة الموحدة لا سيما وان وصول الملايين من المهاجرين الجدد قد جعل هذه المهمة اكثر دقة وصعوبة.. ولكن هذا دفع في الوقت نفسه نحو ما تسميه المؤلفة بدء الديمقراطية التعددية الامريكية، تقول: وان الموجة الاخيرة الكبرى من المهاجرين دفعت ملايين الاشخاص من مختلف بقاع الارض، للاقامة في الولايات المتحدة الامريكية الامر الذي جعل المشهد العقائدي الامريكي المعاصر بمثابة موزاييك يزداد تنوعا باستمرار. كتاب صغير الحجم وعميق المحتوى عن قضية راهنة وجعلتها احداث العالم الاخيرة اكثر راهنية.