بيان الكتب: دان زيجارت صحفي أمريكي ساهم بكتاباته في العديد من الصحف والدوريات الامريكية من بينها «ذا نيشن» و«بنتهاوس» يعيش في ولاية نيوجيرسي. «المحاربون المدنيون» الذين يكرس المؤلف هذا العمل لهم هم مجموعة من البشر ـ من ابناء الشعب ـ قرروا ان يشنوا حملة ضد عمالقة صناعة التبغ في الولايات المتحدة الامريكية والمعروف ان لهم نفوذا كبيرا على الدوائر العليا للقرار، وتضم مجموعة «المحاربين المدنيين» عددا من رجال القانون والقضاة والباحثين في مختلف المشارب العلمية والذين جمعوا آلاف الوثائق والتقارير الطبية المتنوعة. وهؤلاء جميعا هم الذين أمضى الصحفي دان زيجارت قرابة خمس سنوات في تقصي تفاصيل المعركة التي يخوضونها، والأهداف التي رسموها لهم. ينطلق المؤلف من واقعة محددة جرت عام 1984 في فصل يحمل عنوان «آخر جرائم التبغ». وذات يوم من ربيع تلك السنة عرف رون مونتلي رجل القانون بأن والدته على فراش الموت بسبب تضخم في رئتيها، ولقد أراد بكل بساطة ان يعاقب المسئول عن وفاتها، وهكذا قرر بالاتفاق مع عدد من رجال القانوني والباحثين العلميين ومناهضي التدخين رفع دعوى أمام المحاكم ضد أرباب صناعة التبغ. والتقى الجميع حول هدف واحد هو مجابهة القائمين على صناعة التبغ بواسطة «الحصار القانوني». ومن خلال قضية مونتلي يقوم المؤلف بعملية توصيف لآليات عمل العدالة في الولايات المتحدة الامريكية. تعود بدايات المواجهة الجدية بين قضايا التدخين وبين أرباب صناعة التبغ الى عقد الستينيات من القرن الماضي (العشرين). والمقصود هو مواجهة الجدية على الصعيد القانوني. وكان أول الاحكام في هذا الميدان يخص دفع تعويض قدره 225000 دولار أمريكي على يد محام من تكساس هو سكوت بالدوين، وذلك مقابل عطل وضرر أصاب أحد العاملين في احدى الشركات الكبرى، سكوت بالدوين هذا أبدى اهتماما كبيرا بالقضية التي أثارها رون مونتلي بسبب وفاة والدته بسبب الآثار الضارة للتدخين على الصحة. ومنذ بداية عقد الثمانينينيات عمل رجلا القانون معا في الدفاع عن قضية بعدة ولايات امريكية، وكان رون قد أصبح خبيرا في أمراض الرئة وبما يسببه التدخين من تدهور لها وللقلب ايضا. كان اهتمامه الطبي قد بدأ فعليا منذ تلك الليلة التي رأى بها والدته قبل وفاتها في مركز كولومبيا الطبي عام 1984 وهي «مكبلة» بالأنابيب. وفي فصل يحمل عنوان «حارس الجسد» يتعرض المؤلف طويلا لتحليل الحملة الاعلامية التي انطلقت في نهاية سنوات الخمسينيات من القرن الماضي وبلغت ذروتها منذ مطلع الستينيات بخصوص «سرطان الرئة». وكانت تلك الحملة قد استهدفت شركة «لاكي سترايك» لصناعة التبغ، وكانت تلك الحملة قد تركزت على القول بأن هناك علاقة بين التدخين وسرطان الرئة. وقد اضطرت الشركات المعنية آنذاك الى دفع الملايين لهيئات البحث للقيام بدراسة «موضوعية» حول أسباب سرطان الرئة. وتتم الاشارة في هذا السياق الى عدة آراء سابقة مثل ذلك الذي أصدره الطبيب «الشون دوشز» عام 1939 وأكد فيه بأن التدخين كان سبباً واضحاً في اصابة تسعة وتسعين شخصا بمرض خبيث بالرئة كان يقوم بعلاجهم. كما أشارت دراسة انجليزية أجراها عدد من الباحثين المختصين عام 1950 بأن أولئك الذين كانوا يقيمون في المستشفيات لعلاج سرطان رئوي كانوا أصلا من المدخنين، وأثبتت دراسة قامت بها الجمعية الامريكية للأمراض السرطانية على ما يزيد من مئة وثمانية آلاف شخص بأن المدخنين معرضون بنسبة تزيد 16 مرة عن غير المدخنين في مجال احتمالات الاصابة بالورم الرئوي الخبيث. ان المؤلف يقوم بعملية «جرد» كبيرة لمختلف الدراسات الاوروبية والغربية عامة والأمريكية خاصة في ميدان مكافحة التدخين وأضراره. ويكرس المؤلف فصلا من الكتاب للحديث عن «أسرار المختبرات» حيث يتعرض لدراسة حالة السيدة «ديانا دولنجر» التي عملت في مختبر تابع لشركة «فيليب موريس» بميدان البحث مع عدد من الكيميائيين الآخرين. وفي الواقع لم تكن نتيجة الابحاث الجارية مكرسة للنشر كما هي، بل وربما كان المطلوب هو نشر ما يعاكس الحقيقة الى حد كبير والابتعاد عن ابراز «السموم» المخيفة لـ «النيكوتين». «ديانا دولنجر» هذه أصبحت أحد المحاربين المدنيين النشيطين. ومن «فيليب موريس» الى «ونستون ـ سالم».. ومن الانتقاد والتشكيك الى «العصيان المدني». كان ذلك في مطلع عقد التسعينيات الماضي، انها مجموعة من التجارب التي تصب كلها في خانة واحدة، وهي ضرورة «مجابهة» شركات صناعة التبغ العملاقة ذات القوة الهائلة والتي يمكن ان تستخدم جميع الأساليب من أجل تحقيق مصالحها، لكن هذا كله لم يمنع أشخاص من أمثال رون مونتلي من التصدي وبقوة لهذه الشركات.. وهؤلاء الأشخاص هم «المحاربون المدنيون» الذين كرس لهم المؤلف «جهده» و«كتابه» ايضاً.. «محاربون مدنيون» أم «جنود في الظل»؟!