بيان الكتب: يضم هذا الكتاب أقدم تاريخ للكنيسة وللدولة البيزنطية في العصور الوسطى وكان المؤلف الأب يوحنا الآسيوي المولود عام 505م قد وضع كتابه تاريخ الكنيسة باللغة السريانية وهي من أهم اللغات الحاملة للثقافة في التاريخ المسيحي، وكان الكتاب في الأصل يقع في ثلاثة أجزاء غير أن الجزءين الأولين قد فقدا، وبقى الجزء الثالث، كأقدم كتاب يؤرخ لأحداث وتطورات سياسية ودينية هامة في الدولة البيزانطية، ولعل أهم ما في الكتاب - من زاوية عربية - أنه يتناول جزءا مهما من تاريخ العرب الغساسنة في سياق علاقاتهم وصراعاتهم مع الفرس والروم إلى أن انهارت مملكة العرب المسيحيين بسبب خديعة الرومان، كما يقول يوحنا الآسيوي. في البداية ينوه الدكتور صلاح عبد العزيز محجوب أستاذ اللغة السريانية بآداب القاهرة ومترجم تاريخ الكنيسة إلى القيمة التاريخية التي ينطوي عليها الكتاب ومؤلفه يوحنا الآسيوي وينوه إلى أن المخطوط الوحيد للجزء الثالث من تاريخ الكنيسة والذي قام بترجمته، يحتفظ به المتحف البريطاني تحت رقم 14640، وهو مكتوب بالخط الأسطر إنجيلي أي الخط السرياني القديم أو خط الإنجيل، وهو مؤرخ بالقرن السابع الميلادي، وأن هذه هي أول ترجمة له بالعربية.ويشير الدكتور محمد خليفة حسن استاذ تاريخ الأديان والذي كتب مقدمة للكتاب إلى أهمية اللغة السريانية كواحدة من اللغات المسيحية التي تنافس اليونانية واللاتينية والقبطية، وقد انتشرت - بعد اتخاذ المسيحية لها - كلغة دينية وأدبية في بلاد ما بين النهرين في العصر الوسيط، ثم توسعت في العالم المسيحي الشرقي وكانت الكتابة التاريخية من بين فنون الكتابة التي برز فيها السريان، وقد خلفوا مجموعة من السجلات التاريخية التي تناولت تاريخ الكنيسة المسيحية في الشرق كما تناولت العديد من الأحداث السياسية المواكبة لتاريخ الكنيسة.. ومن أهم السجلات التاريخية باللغة السريانية تاريخ يشوع العمودي وتاريخ يوحنا الآسيوي. ويتميز يوحنا الآسيوي في أسلوبه الخاص بالكتابه التاريخية بالربط بين كتابه السير وكتابة التاريخ الكنسي في أسلوب أدبي رفيع. وقد شهدت الفترة التي تناولها كتاب تاريخ الكنيسة والتي تمتد من القرن الخامس حتى بداية السابع الميلادي صراعات سياسية ودينية وفكرية كبيرة، فمن المعروف أن الديانه المسيحية صارت الديانه الرسمية للدولة البيزنطية مع نهاية القرن الرابع الميلادي، وقد تغلبت الديانه الجديدة بعد صراع مرير على تحديات كبيرة تمثلت في اليهودية والوثنية. وبالرغم من السيطرة المطلقة لأباطرة بيزنطة على الشئون السياسية والدينية، فقد استمر الصراع اللاهوتي بين المسيحيين أنفسهم، وتركز في القرن السادس بين أتباع مذهب الطبيعة الواحدة، أو المونوفيزية وهو المذهب الذي كان يتبعه ويدافع عنه يوحنا الآسيوي، وبين مذهب الطبيعتين وهو ما اصطلح على تسميته بالخلقدونية أو الأرثوذكسية الرسمية. والخلاف بين المذهبين يتلخص في أن أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة يعتقدون أن للسيد المسيح طبيعة إلهية ومشيئة واحدة وكيان واحد وهو الكيان الذي اتحد بالطبيعة الإنسانية بلا اختلاط أو امتزاج أما أصحاب مذهب الطبيعتين فيعتقدن أن للسيد المسيح طبيعتين متحدتين دون تغير أو إنفصال. وكان هذا الخلاف سببا في انشقاق كنائس سوريا والاسكندرية عن كنيستي روما والقسطنطينية في ذلك الزمان. وما يعنينا هو أن هذا الصراع اللاهوتي القى بظلال كثيفة على الأوضاع السياسية والاجتماعية كما ساهم في صنع الاحداث التاريخية في الفترة التي تصدى لها كتاب يوحنا الآسيوي يفسر الأحداث السياسية في الغالب تفسيرا دينيا ويمنحها أبعادا أسطورية في لغة أدبية فريدة. ومن المفيد الإشارة إلى أن يوحنا الآسيوي كان راهبا ورجل دين يشار إليه بالبنان في عصره، فقد قضى طفولته وسط جو من الأديرة وشب على حياة التقشف والزهد والصرامة وعانى الاضطهاد في مراحل كثيرة من حياته مع أقرانه المونوفيزيين عندما كان يتعرض مذهبهم للإضطهاد على يد امبراطور يؤمن بمذهب الطبيعتين، وقد شاعت شهرة يوحنا نتيجة لمجهوداته في تنصير آلاف الوثنيين في آسيا الصغرى وصار يعرف بيوحنا الآسيوي، وله كتب عديدة منها تاريخ الاضطهاد الذي ألفه عام 537م. أما أشهر أعماله فهو تاريخ الكنيسة والذي شرع في كتابته في سنة 575م. يؤرخ يوحنا للفترة التي شهدت حكم عدد من أباطرة الدولة البيزنطية مثل الامبراطور إنسطاس الأول 491-518م وجستين الأول 518-527م وجستنيان 527-565م وجستين الثاني 565-587م وطيباريوس 582 ـ 587م وموريقيوس 582-602م. يبدأ يوحنا برصد الوقائع التي حدثت للملك جستين في نهاية حكمه ويرى أن ما حدث له عقاب سماوي لما اقترفه من فساد واضطهاده للمسيحيين بقسوه.. يقول فلما رأى الله الملك جستين يستغل سلطانه الملكي ويجنح نحو أمور بعيدة عن مخافة الله حيث تمادى في سفك دماء الناس الطاهرة ومال إلى سلب ونهب الأموال وعاد إلى اضطهاد المسيحيين بقسوة وعنف وهدم مذابح الارثوذوكس. ودك كنائس المؤمنين في كل مكان وقبض على الكهنة ورؤساء الكهنة ثم أودعهم السجون وعذبهم لكل هذا يقول يوحنا إن عدالة الله ترفقت به لئلا يمتلئ كيل آثامه فأرسل الله له ملاكا شريرا تسلل إلى أعماق نفسه وتسلط عليه بقوة ورهبة حتى فقد عقله واضطربت نفسه وأظلمت وخضع جسده للعذاب وللآلام المبرحة حتى صار يقلد أصوات الحيوانات فكان ينبح كالكلب ويثغو كالماعز ويموء كالقطط، وكان يغيب عن وعيه ويندفع صوب النوافذ بسرعة بوهيمية كي يلقي بنفسه منها، فاضطرت زوجته الملكة صوفيا أن تأمر خدامه بربطه بالحبال وظل هكذا حتى مات. وعن الملكة صوفيا زوجة جستين كتب يوحنا راصدا أيامها الأخيرة في عهد الملك الجديد طيباريوس قائلا: فبعد وفاة الملك جستين أضمرت المكائد بمرارة وعقدت الشر للملك طيباريوس الملقب بقسطنطين إذ تكدرت عندما وجدته وزوجته قد سيطرا على المملكة في حين أنها فقدت ملكها وهي حية، فمن أجل قساوة قلبها وفكرها المتكبر لم تتب ولم تخش الله فسقطت من ملكها الذي أقسمت ألا تتنازل عنه لاخرى في حياتها. ودون رضاها خلعت من ملكها ووهب لأخرى عندما سقطت هي وقيل انه عندما توفي زوجها أخرجت صوفيا قناطير كثيرة من الذهب من البلاط الملكي ونقلتها إلى بيتها. وفي إطار عرضه لوقائع الحرب بين الفرس والروم واستيلاء ملك الفرس على أراضي الدولة البيزنطية يروي يوحنا الآسيوى هذه الواقعة الطريفة، فبعدما انتشى كسري ملك فارس بالنصر الذي حققه وابتهج من عظم الغنيمة والسبي الذي استولى عليه من أرض الروم أمر باختيار ألفين من الفتيات السبايا ممن يشهد لهن بالنضوج والجمال، وأمر أن يتزين كالعرائس بأفخر الثياب، وأن يتحلين بالذهب والفضة والاحجار الكريمة، وأن يرسلن إلى الاتراك البرابرة القاطنين في بلاده وكأنه يحسن إليهم بذلك، ويهبهم الهبات لكي يستأجرهم في حروبه ضد بيزنطة، وبعدما تزينت الفتيات أرسل معهن قوة بقيادة مرزبانين، أما الفتيات فلم يتضايقن لفراق آبائهن واخوتهن بل لأنهن سيتركن المسيحية بالإضافة إلى أجسادهن التي ستخضع لأيدي الاعداء البرابرة المتوحشين، فبكين بكاء حارا من الضيق وتحدثن سويا كأخوات وتمنين الموت بدلا من الحياة ولما وصل الجميع مسافة خمسة فراسخ من الشعوب البربرية التي يقصدونها وعرفت الفتيات أنهن قد وصلن إلى تلك البلاد، وعندئذ مررن بنهر عظيم وكان من الصعب اجتيازه، فعسكر المزربانان بالفتيات يوما على مقربة من النهر، أما الفتيات ففكرن سويا واستحوذت فكرة الموت على عقولهن حتى لا يلطخن بدنس الوثنية والبرابرة واقسمن جميعا واتفقن على القاء أنفسهن في النهر فيغرقن ولا يسقطن في أيدي البرابرة، وطلبن من الحراس أن يتركوهن يسبحن في النهر على أن يبتعد الحراس عنهن حتى لا يخجلن ثم القين بأنفسهن في النهر وغرقن جميعا. ويروي يوحنا الآسيوي قصة قبض الملك طيباريوس على المنذر بن الحارث 570 -582م ملك العرب وأمير الغساسنة، فقد اتفق المنذر مع موريقيوس قائد الجيوش الرومانية على العبور سويا بجيشيهما إلى أرض فارس، وكان الفرس قد علما بمقدميهما فقطعوا الجسر قبالة أرض الآراميين حيث توجد طيسفون عاصمة ملك الفرس، فلم يتمكن الجيشان من العبور وعادا ادراجهما وتخاصم موريقيوس قائد الجيوش الرومانية مع المنذر بن الحارث وشكاه عند الملك طيباريوس متهما إياه بالخيانه وإبلاغ الفرس بمقدم الجيشين. ويرى يوحنا الآسيوي أن هذه فرية لم يقترفها ملك العرب، وكان الوصي على العرش مجنا السوري صديقا للمنذر فدبر مؤامرة للمنذر إنتهت بالقبض عليه بطريقة مهينة ونفي مع إحدى زوجاته وثلاثة من أبنائه، فلما علم أبناء المنذر الأربعة الآخرون وكان منهم النعمان بن المنذر جمعوا جنودهم وانقضوا على حصن ملك الفرس فنهبوا، وخرجوا ثانية فأشعلوا الحروب والاضطرابات في إقليم الشرق كله الممتد إلى البحر الأبيض، فلما علم ملك الفرس بما حدث أعلن أنه سينصب أحد أبناء المنذر - غير النعمان - ملكا على العرب، غير أن القبائل اجتمعت واختارت النعمان ملكا ويقول يوحنا بعد ذلك تجاسر النعمان وتوجه إلى الملك موريقيوس فاستقبله بالحفاوة وأقسم له أنه إذا حارب الفرس سيعيد أباه من المنفى وطلب منه الإنضمام إلى مذهب الخلقدونية مذهب الطبيعتين مذهب الدولة الرسمي فاعتذر النعمان. لهذا السبب زادت نيران البغضاء اشتعالا بينهما. ولما خرج النعمان من القصر أقسم ألا يعود ثانية إلى أرض الرومان برغبته، ولهذا قبضوا عليه وهو في طريق عودته وأرسلوه مع المنذر أبيه إلى المنفى، وهكذا انقسمت مملكة العرب إلى خمس عشرة زعامة ودار معظمهم في فلك الفرس. وهكذا انهارت مملكة العرب المسيحيين بسبب خديعة الرومان ثم أخذت الهرطقات تنتشر بينهم. فتحي عامر