بيان الكتب: موضوع روائي جديد عن الحرب وانعكاساتها على الشخصية الانسانية يقدمه لنا الروائي اللبناني الياس خوري في روايته الجديدة «يالو» موضوع يرتكز على بنية سردية تستخلص مشروعيتها من السرديات العربية، والف ليلة وليلة تحديداً، حيث يتعاون السارد مع الشخصية الروائية «يالو» في ترتيب رواية الحكايات الكثيرة استرجاعيا بدءا من لحظة وقوف يالو امام المحقق في عام 1993 ولكنه ليس زمنا استرجاعيا مستقيما وانما على شكل لحظات زمنية منسية في ذاكرة يالو يبدأ في استرجاعها عشوائيا تبعا لمحرضات خارجية: لغوية او مشهدية سنسميها «المصاحبات» كأن يشاهد كيسا على سبيل المثال، فيستدعي هذا الكيس اكياسا اخرى: كيس الحرب، والكيس الذي اجبر على ارتدائه، واسلوب المصاحبات اللغوية، والمشهدية هذا سيعزز حكايات النص الكثيرة التي انطلقت في فضاء النص بعد حبس طال، وكحال العصافير المحبوسة زمناً، ستكون الانطلاقة الاولى عشوائيا وكل حكاية ستجر حكايات في سلسلة غير منتهية ثم ما تلبث ان تنتظم في ذهن المتلقي كشريك في انتاج النص. وعلى غرار الثقافة السردية الشعبية في الف ليلة ستحفل رواية يالو باللغة العامية اللبنانية وخصوصا في الحوار، بل انها ستقتحم السرد ايضا وبكثير من الجرأة وكأن الياس خوري بذلك يريد استعادة هذه اللحظة العظيمة من تراثنا والتأسيس عليها بوعي وتصميم للتخلص من عدوى السرديات الغربية التي تأثر بها روائيونا القدماء والمحدثون سواء الرواية الكلاسيكية الروسية، او الاوروبية الغربية وما تلاها من اشكال روائية لادب امريكا اللاتينية. وهو بذلك سيواصل تقاليد الرواية العربية التي دشنها نجيب محفوظ وما انتهت اليه من ابتكارات رائعة في اساليب السرد، وخصوصا في مرحلته الاخيرة، وارجو ألا تفهم كلمة التواصل هنا كمثلبة، بل على العكس: هي تجاوز خلاق ومحطة ثانية لتطور الرواية العربية التي ينبغي التوقف عندها دائما باعتزاز. عالم «يالو» يغرق في تفاصيل بابل المعاصرة، بيروت، بحروبها واغرابها وفقرائها وأمرائها واشباحها غير المرئية ولكن افعاله ملتمسة ابداً في الآثار الناجمة عن الحرب والفعل الاجتماعي على مصائر شخصياته التي انتقاها بعناية فائقة، ولكن بيروت بكل بلبلتها ليست اسوأ وضعا من العواصم العربية الاخرى التي خاضت حروبا من نوع آخر، كصعود الاصولية وهيمنة الخطاب الديني السياسي والتفجيرات السياسية وتهميش الطوائف والريف، وغير ذلك من ليل حالك ملأ الشخصية العربية بجملة من العقد واهم هذه العقد: الخوف، وما سيسفر عنه من ثقافة العنف واللامبالاة والاستلاب والانهيار القيمي وبالتالي من غير الروائي سينبش في كل هذه العتمة ويرينا جوانيتنا بكل جرأة وكل صدق؟! «يالو» نموذج لاولئك الفتية الطالعين من احياء القهر الطائفي والطبقي: احياء فقراء المدن والغرباء الذين جعلتهم المدينة العربية مع الاسف حطبا جاهزاً للاشتعال لاي حريق يريدون اشعاله، وما اكثر حرائق السلطات العربية، وما اكثر جيوشها غير المحاربة ورجال امنها الذين سيستأسدون على ابناء اوطانهم وما اكثر ميليشياتها المستعدة دائماً للقتل واراقة الدماء بدعوى ترتيب البيت!! سيتعاطف القاريء هنا مع يالو الشاب السجين الذي سرقت منه طفولته مبكراً فلم يعد قادراً على التمييز بين الواقع والخيال، كان طفلا لم يبلغ عهده بالشباب بعد عندما استجاب لنداء القتل والدم، وحاله في ذلك حال كتيبة «التيوس» السريانية التي خاضت غمار الحرب بكل شراسة على الرغم من ان هذه الحرب ليست حربها وهذه الديار ليست ديارها. «يالو» الطفل الذي مازال مسكونا بعالم الحكايات والاساطير والخوارق التي يحكيها له جده المنتمي الى ثقافة قديمة، سيدرك نتائج الحرب حال عودته من باريس الى بيروت ومن ثم الى بلونة فبالامس القريب كان قاتلا، واليوم بات كلب حراسة يحمل الكلاشن لكي يدرأ عن سيدة الفيلا اللصوص وغير اللصوص، بينما سيمتليء فضاء بلونة بالعهر، وهو الى ذلك سيقف حائراً بين ان يمارس لعبة الارهاب التي تعلمها بالامس، او استعادة انسانيته المسروقة عندما يتعرف الى شيرين رعد، وبكل رغبة العاشق غير المجيد للاتيكيت الاجتماعي، سيحاول ان يتخلص من زمن الحرب، وزمن امه وجده وعيش حياته كانسان جديد، ولكن هذه الرغبة لن تتحقق لاسباب يستخلصها القاريء مما جرى ليالو لاحقا، اذ لا يكفي المرء ان يعلن رغبته في الانعتاق من جحيم ما، فالاخرون هم الجحيم والمدن هي الجحيم، وخصوصا عندما تقتضي ازمة ما تقديم اضاح شابة لآلهة شر منهومة وهرمة، وما بين حرائقه الذاتية المتشظية وجحيم الامكنة، سنجد يالو مصلوبا على الدوام في غرفة التحقيق او التعذيب، وثمة محقق صبور جاثم في فضاء المكان يسعى بكل ما امدته آلهة الانتقام من جبروت لانتزاع الاعترافات منه، حيث ان تهمة اغتصاب شيرين رعد وغيرها ممن كن يرتدن بلونه، لا تعنيه إلا شكلياً، وانما كل جبروته سيتركز على سحب اعتراف منه يورطه في قضية تفجيرات شهدتها بيروت، واتهم فيها عملاء الموساد الاسرائيلي وباعتباره الممثل الرسمي لآلهة الانتقام الغامضة الغاضبة سيقوم هنا بتقديم اضحية مناسبة لها، فهو يدرك ان آلهته المنزعجة لن تهدأ حتى ترى الدماء مراقة. ومن هنا فإن تركيز السارد على البياض في غرفة التحقيق او ما اختزنته ذاكرة يالو من: اكفان خلال الحرب، ورؤوس شائبة في بلونة او لحية جده الذي ما انقطع يوما عن الحديث عن الموت، انما كانت جميعا تمثل معطيات دلالية تشير على الدوام الى الموت: موت فجائعي لبضعة اجيال من الشباب حولت مصائرهم قسرا نحو دائرة القتل، والعنف، نحو دائراة الخراب المطلوب منا جميعا ان نرتع فيها ككائنات الخرائب المذعورة ابدا، بدلا من الرخاء والازدهار والتقدم الذي كان من الممكن ان تصنعه هذه الاجيال الشابة. انها ملحمة تراجيدية تؤكد باستمرار ان الزمان في بلادنا لا يذهب في استقامة شأنه في ذلك شأن ازمنة الامم الاخرى، وانما في اعادة تمثيلية بريموثيوسية للعذاب الانساني الناجم عن رغبة الآلهة في ان يبقى الانسان راكعا او زاحفا فقط، وان يبقى العنف والقمع سيرورة تخصنا بامتياز: قمع سياسي واجتماعي وثقافي، الكل يقمع الكل بوحشية لا مثيل لها، واشاهد على ذلك: «يالو» النموذج وهو مرمي في غرفة التعذيب ينتهك انسانيته جلادون متمرسون في فنون التعذيب واستخلاص ما يريدون من اعترافات من فمه، وسوف نرى هنا ان الروائي لا يدين فقط اشكال القمع السلطوي فقط، وانما ستتضح صور قمع عديدة: القمع الاجتماعي في صورة اصحاب الفيلا، القمع العاطفي في صور جده وأمه وشيرين رعد، والقمع الثقافي في صورة صديقة في باريس، ومن كل ذلك ماذا سيتبقى ليالو؟ لن يتبقى له سوى حذف هذه السنوات المرة التي عاشها مع الحرب التي اقسر عليها ظنا منه انها مجرد لعبة والعودة الى طفولته، الى احضان الامومة العظيمة، الى الخميرة التي ستصير خبزا يشبع جياع العالم، وليس ثمة ابلغ مما قاله الكوهنو العجوز لحفيده ذات مرة: «نحن مشينا في عتمة التاريخ، وسوف نبقى بالعتمة حتى تطلع شمس العدل» وحين يسأله عن شمس العدل، يجيب الكوهنو: يا ابني نحن ناظرين مملكة المسيح، وهو قال ان مملكته مش من ها العالم»؟ فإذا عبث هي هذه الحياة، عبث ان تنتظر احدا لا يأتي ولن يبقى من امل سوى الموت، طالما ان الرغبات البسيطة لن تتحقق في ظل هيمنة آلهة الشر، والموت هنا موت اجيال وثقافات فهل اراد الكاتب ان يوصلنا الى ذلك؟ الاجابة نعم، ولكنه في الوقت نفسه تصعيد درامي يحبس الانفاس، سيما اذا تذكرنا اقتباسه لنص محمود درويش في مقدمة الكتاب: و«مثلما مات المسيح على البحيرة سرت في رؤياي ولكني نزلت عن الصليب لأنني أخشى العلو ولا أبشر بالقيامة..» وكأنه بذلك يريد ان يؤكد لقارئه: انه رغم عبثية الحياة وكل شيء، إلا ان الانسان فينا لن يموت، بدليل ان يالو نزل عن صليبه أو قنينته ولم يمت، وانما من مات هو ذلك اليالو الآخر الذي مارس القتل في الحرب الاهلية، والارهاب والاغتصاب في «بلونة». والشخص الماثل أمامنا الآن هو «يالو» آخر ولد من جديد، أو انهم «يالوات» كثيرة ولدو من جديد، وقد حدثت هذه الولادة ـ الولادات مع الالم، حيث لا ولادة من دون ألم. ومع اكتشافه نفسه عبر كتابه قصته مرات ومرات، والمفارقة الجميلة هنا ان السارد و«يالو» سوف يتماهيان مع بعضهما البعض، ولن يميز القارئ بين المتحدث فيهما، سيما بعد أن أتقن «يالو» كتابة اعترافاته، أو ما اختلقه من قصص وحكايات بطريقة باهرة. ربما لم نستطع في هذه العجالة تناول الكثير من القضايا التي بثها الكاتب روايته، ونأمل أن نفيها حقها في دراسة مستقلة، فهي عالم مزدحم بالأحداث، وبفنيات السرد الفائقة. وهي الى ذلك تقرأ وتدرس وتقتنى كسائر أعمال الياس خوري الاخرى. عزت عمر