في جو شديد الحرارة، ووسط امتداد المستنقعات اللانهائية في كل اتجاه، ووسط غيوم البعوض التي لا تهدأ عن الطنين، وصل الدكتور ستيفن ويرسما الى ريف منطقة سيرمانز في ولاية فلوريدا العام الماضي، بحثاً عن شيء محدود، هو البعوض. كان كل شيء عادياً ونمطياً باستثناء الشيء الوحيد الذي أتى ويرسما ليحقق في أمره بصفته كبير خبراء الأوبئة في تلك الولاية. كان ويرسما قد لاحظ، قبل ذلك بأيام، ان أمعاء أسراب البعوض تلك مليئة بدماء ملوثة بفيروس دخيل على القارة الامريكية، بل فيروس لم يسبق له ان دخل الجزء الغربي من الكرة الارضية حتى عام 1999، لكن سرعان ما طابت له الاقامة والاستفحال هناك. هذا الفيروس المسمى باسم موطنه الأصلي، ناحية غرب النيل من أوغندا، وجد في الولايات المتحدة أرضاً ملائمة له، حيث هناك وفرة من الطيور البرية والداجنة. كما ان هناك وفرة من البعوض أيضا، لتنقله الى الطيور، ومن ثم كما حصل فعلا ينتقل من الطيور للبشر. بدأ غزو فيروس غرب النيل لأمريكا من ولاية نيويورك، لكنه وصل بعد عامين الى بقاع بعيدة فيها، حيث حدثت اصابات في تلاهاسي وغيرها، وهو ما يؤكد انه استقر فيما يسمى بولايات حزام الشمس الجنوبية، وهي موطن لأعداد هائلة من البعوض. وما أن بدأ بحثه في المنطقة الموبوءة حتى رأى ويرسما كيف حدثت الاصابات بالفيروس، فالبعوض يتكاثر في المياه الراكدة والتي يتوافر منها الكثير هناك. فإلى جانب المياه التي تتجمع في الحفر الناتجة عن أعمال البشر هناك ايضا المستنقعات والبرك الطبيعية الى جانب الجيوب المائية الصغيرة في مواقع البناء وغيرها والتي تظهر بعد سقوط المطر. وتأتي الطيور حينها، وما أكثرها، لتغتسل حيث يوجد ما لا يقل عن ملايين يرقات البعوض في كل بركة. يقول ويرسما: «أياً كان المكان الذي يعيش فيه الناس في تلك الانحاء فإن لدغات البعوض أمر عادي في الحياة اليومية، لم يكن الأمر يعني شيئا لهم في السابق، أما الآن فهو يعني الكثير. هذا الانتشار الوبائي وغير المتوقع لفيروس غرب النيل في الولايات المتحدة كان تجربة مخيفة بالنسبة لمسئولي الصحة العامة في البلاد والذين يتوقعون ان الفيروس قد أصاب بعدواه فعلا حتى الآن عشرات الآلاف من الأمريكيين مسبباً مرض أكثر من 2000 ووفاة حوالي 15. غير ان المخيف أكثر من ذلك هو ان فيروس غرب النيل يظهر ثم يختفي قبل ان يعود ويظهر في أنحاء مختلفة من العالم. وفيروس ايبولا هو أحد الامثلة البارزة على هذه الظاهرة، ومع ان هذا الفيروس شديد الفتك وسريع القتل، الا ان لذلك وجها جيداً، وهو انه يخفف من حدة انتشار الوباء، حيث يقتل ضحيته قبل ان تتمكن من نقل عدواه لضحايا آخرين، وبالتالي من غير المحتمل ان يتحول الى جائحة وبائية. لكن أمراضاً أخرى بعضها شائع والآخر غير معروف، آخذة في تشكيل خطر صحي متزايد على البشر. فالفيروسات المحمولة في البعوض والتي تسبب حمى الضنك والحمى الصفراء والاثنتان من المفترض انهما اختفيتا في الاربعينيات، عادت لتنتشر في معظم أمريكا الجنوبية والوسطى، كما ظهرت الأولى مؤخرا في الكاريبي وجنوب الولايات المتحدة. كما ان مرض السل قد أصبح مقاوماً للمضادات الحيوية الحديثة في دول الاتحاد السوفييتي السابق ومناطق أخرى من العالم. وسهولة انتقاله عبر القطرات الصغيرة غير المرئية في أنفاس البشر وقرب علاقته بفيروس اتش.آي.في، فإن السل الآن في موضع مناسب جداً ليتسبب في جوائح عالمية خلال الألفية الجديدة هذه. والملاريا بدورها والتي تقتل حوالي 12 مليون سنوياً أكثر من نصفهم أطفال قد طورت مقاومة مشابهة للأدوية المستخدمة حاليا في علاجها. وتطول القائمة، فمن حمى الوادي المتصدع الى فيروس هانت والكوليرا وغيرها، إذ ان 20 مرضاً رئيسياً قد عادت وظهرت بأشكال معاصرة أكثر فتكاً وأشد مقاومة للأدوية خلال ربع قرن مضى. وقد اكتشف العلماء حول العالم في الفترة السابقة 30 مرضاً على الأقل لم تكن معروفة في السابق وليس لها علاج حالياً مثل مرض ماربيرج والايدز. وهذه تعد نتيجة مخيفة بالفعل بالنظر الى ان الخبراء قد أعلنوا منذ ما لا يزيد على عقدين فقط بأن العديد من الأمراض المعدية قد أصبحت على حافة الانقراض. حيث بدت أنظمة الصرف الصحي الجيدة ومكافحة البعوض وحملات التلقيح العالمية والمضادات الحيوية الحديثة وكأنها قد انتصرت في الحرب ضد الأمراض وأدت هذه التطمينات الى تخفيف حالة الاستعداد القصوى، وأعتقد البشر ان هذه الفيروسات التي اندحرت أمام العلم ليست نداً أبداً لعقول البشر، لكن هؤلاء يعترفون اليوم انهم كانوا مخطئين. لكن من دون ان يلحظ أحد شيئا كان العالم يتغير. ففي الدول النامية أصبح الناس يشقون طريقهم نحو مواقع كانوا يصلونها من قبل حيث كانت الجراثيم والفيروسات تقبع هناك وهي تتضور جوعاً بانتظار ان تقترب منها ضحية بشرية لتتطفل عليها. كما ان المدن الكبرى في العالم الثالث أصبحت مكتظة وفوضوية على نحو كبير وتحولت أنظمة الصرف الصحي القاصرة وتمديدات المياه المتهالكة ملجأ طيباً تعيش فيه الجراثيم والفيروسات التي تتسبب بأمراض جديدة. كما ان الحروب وما سببته من حركات هجرة ضخمة سواء للاجئين أو غيرهم جعلت أعدادا كبيرة من البشر تعيش دون رعاية طبية أو خدمات صحية. كل ذلك أعطى هذه الفيروسات فرصة جديدة لتبدأ هجومها من جديد. يقول جيم هوجز مدير المركز الوطني للأمراض المعدية التابع لمركز الطب الوقائي القومي في مدينة اتلانتا الامريكية: «إن الطبيعة من الواضح انها تعطي الأفضلية للحشرات والجراثيم، فأعدادها أكبر من أعدادنا بشكل فائق، ودورة حياتها لا تزيد على دقائق مقارنة بعشرات السنين. هي تتطور بسرعة، كما اننا نحن البشر نساعدها بطرق عديدة سواء بالسفر أو بتبادل السلع أو بنقل الحيوانات أو بسوء استخدامنا للمضادات الحيوية، اننا نتحرك في صالحها». جلال الخليل