بيان الكتب: فيليب لابرو، صحفي فرنسي له عدة مؤلفات روائية من بينها «الطالب الاجنبي» التي حازت على جائزة «انترالييه» الادبية عام 1986. ونشر منذ فترة قريبة رواية تحت عنوان «مانويللا» عرفت نجاحاً كبيراً. وهو ايضاً سينمائي اخرج عدة افلام من بينها «الوريث» و«الجريمة»..الخ واوليفييه بارو هو ايضاً صحفي وكاتب ومنتج ومقدم برامج تلفزيونية ثقافية من بينها «كتاب اليوم». ذات يوم قرر مؤلفا هذا الكتاب اللذان ينتميان الى الجيل نفسه الذهاب الى امريكا لاكتشاف هذه البلاد ـ القارّة كانت الرغبة قد تولدت ونمت لديهما عبر السينما والكتب واشياء اخرى كثيرة. ولقد تعرفا هناك على عالم ادبي جديد. هذا الكتاب يروي تحديداً قصة هذا الاكتشاف.. ويدعو القاريء في الوقت نفسه الى رحلة في الادب الامريكي حيث يلتقي بكتاب اعلام من الجيل القديم او «الجيل الضائع» كما يقال، من امثال ارنست همنجواي وجون شتاينبك وغيرهم ممن اصبحوا في عداد الكتاب الكلاسيكيين العالميين. ولكنه يلتقي ايضاً بكتاب الجيل المعاصر الذين يتمتعون بقسط من الشهرة عالمياً لكنهم «نجوم» حقيقيون في بلادهم. هكذا يشكل هذا الكتاب عملاً تعريفياً «بانورامياً» ذا فائدة كبيرة من حيث التعريف بالمفاصل الاساسية في المشهد الثقافي الامريكي خلال قرن كامل. ولقد اعتمد المؤلفان نوعاً من التسلسل التاريخي «حسب الحقبة الزمنية» بالنسبة للادباء الذين تعرضوا لهم. هكذا يتم افتتاح الكتاب بفصل عن الكاتب الامريكي المعروف «فرنسيس سكوت فيتزجيرالد» «1896/1940» ان السمة الرئيسية التي يتم التركيز عليها في شخصية هذا الكاتب هي «تعايش التناقضات في شخص واحد» ويعتبران ان قبول مثل هذا التناقض يشكل المفتاح الاساسي لفهم شخصية فيتزجيرالد. وهو من مواليد «سان بول» احدى ولايات شمال الولايات المتحدة الامريكية لأسرة فقيرة تحتاج الى المال باستمرار وهو الامر الذي حاول الكاتب ان يجد له حلاً دون نجاح. اراد بان يصبح لاعباً لكرة القدم الامريكية، لكنه لم ينجح ايضاً.. وحاول ان يحقق حلم «الرجولة» لديه في صفوف الجيش، ولم ينجح كذلك. هكذا عاش «فيتزجيرالد» حالماً رومانسياً، وذات يوم التقى بـ «زيلدة ساير» ابنة الاغنياء التي اشترط اهلها لزواجه منها ان يكسب المال. هذا الشرط لم يثبط من عزيمة الشاب وانما دفعه نحو ما كان يحس بانه قادر عليه اي الى الكتابة حيث انكفأ للعيش في «سانت لويس» مدينته الشمالية، وكتب روايته الاولى «الوجه الآخر للفردوس» التي كان عنوانها الاصلي هو «الاناني الرومانسي» لقد رسم «فيتزجيرالد» في هذه الرواية اجواء سنوات العشرينيات من القرن الماضي، سنوات «الجاز والحانات والسينما والمتع» هذه المرة كسب الكاتب الشاب «الرهان» واصبح ثرياً وزوجاً لـ زيلدة ساير». لقد عاش «فيتزجيرالد» حياته مع زيلدة، وكأنه احد ابطال رواياته حيث نام في الشوارع ومارس الرقص فوق الطاولات وفوق سقوف العربات.. وكانت «زيلدة» تشجعه دائماً للذهاب ابعد في «جنونه» تجدر الاشارة هنا الى ان المراسلات التي تبادلاها ذات اهمية ادبية استثنائية من حيث رسم العوالم التي عاشها صاحباها، وبعد الرواية الاولى كانت هناك رواية ثانية «السعداء والتعساء» وبعدها قام الزوجان برحلة الى فرنسا حيث كانا ينتقلان بسيارة «رولز رويس» فخمة واقاما في فندق ريتز الشهير حيث تم التعارف مع ارنست همنجواي، وفي ريتز، كتب فيتزجيرالد، حوالي مئة وخمسين قصة قصيرة، كان ينشرها في عدد من الدوريات مقابل مبالغ مالية كبيرة. وفي عام 1925 نشر رائعته المعروفة «جاتسبي الرائع» والتي لم تلق اي نجاح يذكر عند نشرها.. وكانت رائعته الثانية بعد تسع سنوات اي في عام 1934 حيث اصدر روايته «عذب هو الليل» التي كانت تحتوي على قدر كبير من السيرة الذاتية للكاتب بعد ان كانت زوجته «زيلدة» قد اصبحت نزيلة احدى المصحات العقلية في سويسرا. والرواية تحكي قصة «تفسخ أسرة» في وقت بدأ فيه الشباب بالهرب ومعه الحيوية والجمال، وضمن هذا السياق اصبحت التعاسة هي خبز حياته اليومية الى درجة انه حاول الانتحار وتوقف تقريباً عن الكتابة «تقريباً» لان «فيتزجيرالد» قدم في عام 1935 نصاً قصيراً من 25 صفحة فقط تحت عنوان «الانهيار» يقول عنه مؤلفا هذا الكتاب بانه «دون شك الوثيقة الاكثر اثارة للانفعال والاكثر حميمية بين كل ما تركه فيتزجيرالد». تقول الجملة الاولى من «الانهيار» والتي رددها بعده ونقلاً عنه الكثير من الكتاب: «كل حياة هي بالطبع عملية مستمرة من الانهيارات» ولكن هناك جملاً اخرى في هذا النص الصغير نقلها الكثيرون مثل تلك التي رددها «بوب كندي» عندما كان في حملة انتخابية ـ رددها ايضاً المطرب الفرنسي المعروف ايف مونتان ـ والقائلة: «ان علامة الذكاء الخارق هي قدرته على الوقوف على فكرتين متناقضتين دون فقدان امكانية الاستمرار في العمل. وعلى هذا الاساس علينا ان نفهم بان الاحوال لا تنبيء بأي امل ولكن ينبغي مع ذلك التصميم على تغييرها».. وجملة اخرى اكثر تشاؤماً، يقول فيها الروائي: «في الليل الحقيقي للروح، تشير الساعة بشكل أبدي الى الثالثة صباحاً». لقد توفي «فرنسيس سكوت فيتز جيرالد» في هوليوود عام 1940 وبقي «منسياً» حتى عقد الستينيات ليعود بقوة الى مركز الاهتمام الادبي الامريكي والعالمي ليرى به النقاد «علامة فارقة» كان لها تأثيرها الكبير على الرواية الأمريكية والاوروبية المعاصرة. وفي فندق «ريتز» بباريس كان «فيتزجيرالد» قد التقى بعملاق ادبي امريكي آخر كان قد أحب باريس وأمضى اوقاتاً طويلة فيها، وتحديداً في فندق «ريتز» الذي لا يزال يحتفظ بمقصورة «ارنست همنجواي» التي يؤمّها كبار الزوار حتى اليوم حيث لاتزال صور الكاتب الكبير وكتبه واوراقه ومقاعده وعلب «السيجار» الذي اشتهر بتدخينه. «ارنست همنجواي» «1899 ـ 1961» هو موضوع الفصل الثاني من الكتاب، انه صاحب الرواية التي جاء في مطلعها: «ذات يوم كان هناك رجل عجوز وحيد في قاربه يصيد السمك في خليج ستريم. وعلى مدى اربعة وثمانين يوماً لم يفلح بصيد سمكة واحدة». انها رواية «العجوز والبحر» التي كانت احدى روائعه الى جانب «وداعاً للسلاح» و«ثلوج كلمنجارو» وغيرها. هذا الكاتب يعرفه الجميع بـ «بابا همنجواي». لكنه ايضاً هو الجندي الذي ساهم بـ «تحرير» فندق «ريتز» من النازيين وبندقيته بكتفه كي يحتسي بعدها كأساً من «المارتيني». لكنه بكل الاحوال يبقى ذلك الكاتب الذي أمضى سنوات طويلة من حياته وهو يطبع بأصبع واحدة، كتبه على «الآلة الكاتبة» القديمة التي لم تفارقه، خاصة في كوبا التي أمضى فيها اوقاتاً طويلة. «همنجواي» من مواليد «شيكاغو» كان والده طبيباً وامه موسيقية وقاسية الطباع بالوقت نفسه. كانت تريد اثناء حملها به ان يكون المولود ابنة... ولذلك البست ارنست لمدة ثلاث سنوات ثياب الفتيات، الامر الذي توقف امامه المحللون النفسيون طويلاً من حيث انعكاساته في أدبه. منذ سنوات دراسته الابتدائية لاحظت معلمته مواهبه في الكتابة. وهكذا انخرط عند بلوغه سن السابعة عشرة في العمل الصحفي. ساهم بعد عام فقط في الحرب العالمية الاولى كـ «عنصر اسعاف» لان نظره لم يسمح له بأكثر من ذلك لكنه جُرح في الحرب بعد ان نجا من الموت.. وكانت تجربة الحرب والجرح والمستشفى بمثابة «خميرة» روايته الاولى «وداعاً للسلاح». التي نشرها عام 1929. وكان قد أصدر قبل ذلك كتابين هما «ثلاث قصص وعشرة اشعار» و«من ايامنا»، بالاضافة الى روايته «الحقيقية» الاولى «لاتزال الشمس تشرق»، وهي الرواية التي بدأت شهرته معها. ويعتبر مؤلفا هذا الكتاب بأن هذه الرواية هي أيضاً قصة ذلك «الجيل الضائع» الذي يشكل «همنجواي وفيتزجيرالد» أهم ممثليه. وفي باريس ايضاً اصيب همنجواي بـ «نكبة» كبيرة عندما أضاعت زوجته حقيبة تحتوي على النصوص الاولى التي كان قد كتبها والتي وصفها نفسه بانها «كنز صغير». لقد ضاع عمل عامين كاملين. وكان ذلك الحادث هو بداية قطيعته مع زوجته الاولى التي كان قد ارتبط بها بعد اقامته الاولى في اوروبا. وقد كان عام 1929 حاسماً في حياة همنجواي اذ نشر فيه روايته الشهيرة «وداعاً للسلاح» وانتحر والده وطلّق زوجته الاولى وتزوج امرأة اخرى. لكن الحياة استمرت والكتابة كذلك، وفي عام 1935 قام بزيارة لافريقيا هذه المرة حيث مكث ثلاثة اشهر خرج بعدها بكتابه في وصف القارة السوداء واسفار «كينيا» وسط الغابات العذراء، انه كتاب «هضاب افريقيا الخضراء». ثم وفي عام 1938 وبالاعتماد على تجربة الحرب الاسبانية كتب همنجواي عمله المسرحي الوحيد «الطابور الخامس» ثم احدى روائعه ايضا «لمن تقرع الاجراس» التي صدرت عام 1940. تبدأ هذه الرواية بجملة شهيرة تقول: «ليس هناك اي انسان يشكل جزيرة كاملة وحده، وكل انسان هو قطعة من قارة جزء من كل.. ثم ان فقدان اي انسان يزيد من ضآلتي ذلك لانني اتضامن مع الجنس البشري كله. لذلك لا تسأل ابداً: لمن تقرع الاجراس؟ انها تقرع من اجلك». عند نهاية الحرب العالمية الثانية كان ارنست همنجواي مراسلاً حربياً في باريس. والجميع لايزالون يذكرون قصة وصوله الى فندق «ريتز» الشهير برفقة «عصابة» من رفاقه المسلحين وحيث ساهموا بـ «تحريره» وأقام فيه همنجواي بعدها لفترة طويلة: لكن شهرة همنجواي بلغت ذروتها مع رواية «العجوز والبحر» عام 1952 والتي كان قد ثم نشرها على حلقات في مجلة «لايف ماجازين» التي تطبع حوالي خمسة ملايين نسخة انذاك والتي كان القرّاء يتسابقون للحصول عليها من اجل متابعة قصة «العجوز والبحر». وقد حصل همنجواي على جائزة «بوليتزر» للرواية عام 1953 من اجل هذا العمل ثم نال من اجل اعماله كلها جائزة نوبل للآداب عام 1954. وفي 2 يوليو 1961 أفاقت امريكا على خبر انتحار ارنست همنجواي. وما يرجحه مؤلفا هذا الكتاب هو ان يكون قد ادرك بانه مصاب بمرض «الزهايمر» مما كان يمنعه من امكانية الاستمرار بالكتابة. وتضاءل نظره. كما انه كان قد اصبح في السنوات الأخيرة من حياته مصاباً بنوع من «التوهم» وبأن مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي يلاحقه بسبب ماضيه في اسبانيا. لقد استيقظ ذلك الصباح ووجه رصاصتين لرأسه من احدى بنادق الصيد الكثيرة التي كان يملكها. ومن بعده اصبح شعار الكتاب الامريكيين هو بالنسبة لكل منهم: «اريد ان أكون همنجواي او لا شيء»، وذلك تماماً كما كان فيكتور هوجو، اديب فرنسا الكبير، قد قال عندما بلغ الرابعة عشرة من العمر: «اريد ان اكون شاتوبريان». وكاتب اخر يحظى باهتمام مؤلفي هذا الكتاب، هو صاحب رواية «عناقيد الغضب» الشهيرة، اي جون شتاينبك» «1902 ـ 1968» الذي كان قد اتخذ مواقف متطرفة ضد الحرب الفيتنامية. ولا يتردد المؤلفان في اعتبار انه مؤلف أهم نصّين امريكيين ادبيين في النصف الاول من القرن العشرين اي «عناقيد الغضب»، وقبله «جرذان وبشر» ان العالم الذي يرسمه «شتاينبك» هو عالم زاخر بالعمال الزراعيين الذين يعيشون بعيدين عن اوساط المثقفين وناطحات السحاب. انه عالم «كاليفورنيا» خلال الازمة الاقتصادية الكبرى في سنوات الثلاثين من القرن العشرين، وكان هو نفسه قد عمل اثناء دراسته في جامعة «ستانفورد» في العديد من الاعمال «الصغرى» كعامل بناء او صياد او بحّار او حارس في مزرعة. وبعد نشر عدة اعمال لم تلق نجاحاً كبيراً مثل «الكأس الذهبي» و«مزارع السماء» اصدر «شتاينبك» رواية «تورتيلا فلات»، التي وصف فيها حياة ابناء القرية التي تحمل هذا الاسم وحيث اظهر براعة استثنائية في وصف حياة البشر بكل دقائقها وبكل ما يختلج فيها من مشاعر لديهم. وذهب ابعد في هذا الاتجاه بعمله اللاحق الشهير «جرذان وبشر» الذي وصف فيه مأساة مجتمع «ضلّ طريقه». وتلا ذلك عام 1939 نشر رواية «عناقيد الغضب» التي حازت على جائزة «بوليتزر» للرواية في السنة نفسها، والتي قدّم فيها مؤلفها رؤيته الاجتماعية لامريكا وجعل من نفسه ناطقاً باسم اولئك الذين لا صوت لهم ويواجهون الاضطهاد من قبل المجتمع الرأسمالي. واعتباراً من عام 1940 أخرج «جون فورد» هذه الرواية في فيلم سينمائي. ولقد أصدر شتاينبك بعد هذا العمل حوالي عشرين عملاً روائياً لم تنل الاهتمام نفسه ومن بينها «الجوهرة» و«شرق عدن» و«شارع السردين المعلّب». وفي عام 1962 حصل «جون شتاينبك» على جائزة نوبل للآداب، ثم توفي في نيويورك عام 1968 بعد ان كان قد تحوّل في السنوات الأخيرة من حياته الى «يميني رجعي». وبعد هؤلاء الادباء الثلاثة الكبار الذين احتلوا مقدمة المشهد الثقافي الامريكي خلال عقود عديدة من القرن العشرين يقدم المؤلفان عدداً من الأدباء الامريكيين المعاصرين من امثال «جيروم دافيد سالنجر» و«ترومان كابوت» و«نورمان ميلر» و«فيليب روت»، الى جانب بعض ممثلي «الرواية الامريكية السوداء»... وامريكا الادبية خلال القرن العشرين