بيان الكتب: يعمل دومينيك لوكور، مؤلف هذا الكتاب، استاذاً للفلسفة في جامعة باريس الثامنة. سبق له واشرف على اعداد «قاموس تاريخ فلسفة العلوم» والصادر عام 1999، وهو الذي انجز التقرير الذي تم تقديمه عام 2000 لوزارة التربية الفرنسية حول تعليم فلسفة العلوم. لاشك بأن العصر الذي نعيش فيه هو عصر العلوم التي احرزت تقدما مشهوداً خلال نصف القرن الاخير.. لكن لاشك ايضا بأن اسئلة كثيرة تثار الآن حول المآل الذي سيدفع به التقدم العلمي المصير الانساني. لقد كان الاهتمام منصباً مع بدايات الثورة الصناعية حول مدى امكانيات العلم في السيطرة على الطبيعة.. لكن هذا الاهتمام تغير اليوم بصورة جذرية اذ اصبح المطلوب هو السيطرة على العلم ذاته، ضمن هذا الاطار وامام التفرع الكبير الذي شهدته تطبيقات العلم في مختلف المشارب والميادين، وحتى الاكثر دقة منها مثل علوم المورثات اصبح من الملح اكثر فأكثر القيام بعملية تأمل فلسفي، وذلك من اجل الوصول الى توازن مطلوب وجوهري بين موقف الايمان «الاعمى» الذي يفصح به البعض حيال العلم والثقة بمسيرته وآفاقها المستقبلية وبين موقف الفلسفة «المفرط احياناَ» حيال مصير الانسانية بسبب ما يمكن ان يترتب على التقدم العلمي من ثمرات قاتلة. ظهر مفهوم «فلسفة العلوم» بقوة واخذ اقصى ابعاده في القرن التاسع عشر عندما كانت الثورة الصناعية قد بلغت ذروة من التطور مع اختراع الآلة البخارية والمحرك الانفجاري والكهرباء. وكان بروز فلسفة العلوم هو في الواقع بمثابة محاولة صياغة مشروع للرد على التحديات الثقافية والاجتماعية الناجمة عن تنامي دور العلوم الفيزيائية والكيميائية. ومن خلال مثل هذا السعي نشأ مشرب جديد يجمع بين كفاءات العالم ومعارف الفيلسوف. هذا الكتاب يبحث تحديداً في تاريخية «فلسفة العلوم» هذه وآثارها على المجتمعات الانسانية وآفاق تطورها. الملاحظة الاولى التي يؤكد عليها هذا الكتاب هي وجود نوع من «الطلاق» بين الفلسفة والعلوم في العالم المعاصر. هذا لاسيما وان العلوم مطالبة بتقديم المعارف والاجابات التي تصب في فائدة الجميع.. كما انها مطالبة بترقب، بل ودرء المخاطر المترتبة على محاولات البشر للسيطرة على الطبيعة، اما الفلسفة فدورها هو محاولة تقديم بعض الاجابات على الاسئلة الخاصة بالوجود الفردي والجماعي.. والتأمل حول القانون والسياسة والفن والاخلاق..الخ الكثير من رجال العالم ينكرون وجود اي بعد فلسفي في عملهم، وبالمقابل هناك فلاسفة استبعدوا العلم تماما من اهتماماتهم الفلسفية. وذلك على اساس انه ليس من اختصاصهم او على اساس قبول الاطروحة الفلسفية الالمانية التي قام بها مارتن هايدجر والتي مفادها «ان العلم لا يفكر» هذا على عكس اعتقاد هؤلاء الفلاسفة بأن امتياز «التفكير مرهون بهم حصراً». ان هذا الوضع حالة الطلاق بين العلم والفلسفة لم يبرز كحقيقة واقعة إلا منذ الحرب العالمية الثانية، والتي يعتبرها المؤلف بمثابة فترة حاسمة في تاريخ العلوم المعاصرة. ذلك ان علوم الفيزياء توصلت في مخابر «لوس الاموس» الى تطوير اسلحة الدمار الشامل وخاصة صناعة القنبلة النووية وحيث تم استخدام هذا السلاح للمرة الاولى من قبل الولايات المتحدة الامريكية ضد مدينتي هيروشيما وناجازاكي عام 1945 واعتباراً منذ ذلك الوقت اصبحت الاولوية تعطى للسيطرة على التقنيات ولرفع الانتاجية اعتباراً من مطلع عقد الستينيات، وبعيداً عن رؤية العلم بالمعنى الذي قال به عالم من وزن «لويس باستور» في القرن التاسع عشر. وفي اطار التوجه العلمي الجديد ازدهرت بعض المشارب مثل «البيولوجيا الحيوية» وثورة العلوم العصبية والذكاء الاصطناعي.. مما ادى الى عودة اهتمام الباحثين بالفلسفة. ذلك ان مطلب فلسفة العلوم تبدى بوضوح اكثر فأكثر في الوقت الراهن بسبب طرح بعض الاسئلة الجوهرية ذات الطابع الاخلاقي والمرتبطة مباشرة بمعنى الحياة الانسانية وعلى اساس التقدم التكنولوجي والصناعي الهائل الذي تم تحقيقه. ان معالجة جميع المسائل المتعلقة بالاسئلة المعنية تشكل صلب اهتمام «فلسفة العلوم». وتتم دراسة فلسفة العلوم حول ثلاث مراحل اساسية، المرحلة الاولى تخص فترة تشكل هذا المشرب الفلسفي في القرن التاسع عشر كحقل معرفي مستقل ذلك ان النظريات العلمية الاولى انصبت على تفسير ظواهر الطبيعة وبالتالي كان خطابها منصبا على الطبيعة ذاتها، وهذا ما شهدته العلوم القديمة وعلوم العصر الوسيط، ثم جاء العلم الحديث الذي كان ديكارت من رواده ليحاول الخوض في المجردات لكن دون التعرض لـ «الحقائق» السائدة التي تم اعتبارها بأنها صحيحة ونهائية، هكذا اسف ديكارت مثلا لان جاليلي جاليليو قد تصرف ك«فيلسوف محدود الرؤية» عندما اثار مواجهة مع السلطات الكنسية في روما. لكن ديكارت وبعده بليز باسكال ثم لايبنز ونيوتن ولوك وهيوم وكانط كانوا كلهم علماء وفلاسفة في الوقت نفسه. لكن تعبير «فلسفة العلوم» لم يجد مكانه إلا في بدايات القرن التاسع عشر ثم جرى استخدام تعبير آخر للدلالة على المفهوم نفسه تقريبا هو الايستمولوجيا التي قد تعني بتحديد اكثر تحليل الخطاب العلمي والاقتراب اكثر من العلم مما هو في الفلسفة. ويعتبر المؤلف بأن حلقة فيينا التي ضمت مجموعة من العلماء والفلاسفة كانوا يجتمعون دورياً منذ عام 1924 ثم اصدروا عام 1929 «بيان المفهوم العلمي للعالم» ووضعوا هدفهم في القيام بعملية تحول علمي للفلسفة، بأنها اي الحلقة بمثابة اعلان عن مرحلة جديدة في ميدان فلسفة العلوم. اما المرحلة الثالثة والاخيرة هي مرحلة انتشار فلسفة للعلوم تأخذ في اعتبارها «التاريخ الفعلي للفكر وللعمل العلميين». وهو ما يعبر عنه المؤلف بالانتقال من «فلسفة العلم» الى «علم الفكر» لانه يبحث في مستقبل الفلسفة في عصر العلم.