بيان الكتب: كان اليخيو جابرييل جارسيا ماركيز شقيق جابرييل الروائي المشهور وافته المنية في التاسع والعشرين من يونيو الماضي عن عمر يناهز الثلاث وخمسين سنة بعد ان ظل طريح الفراش عدة اشهر جراء مرض عضال. ولد اليخيو في الرابع عشر من نوفمبر عام 1947 في سوكري «كولومبيا» ومنذ ان صار عمره ثلاث سنوات عاش في كارتاخينا وانهى تعليمه الثانوي في مدرسة بوليفار وعندما حلت ساعة اختيار الكلية التي سيلتحق بها للدراسة قرر الالتحاق بكلية الفيزياء لكن شغفة بالكتابة جعله يغزو ميدان الصحافة والادب حيث كان دارساً لامعاً لتيار الصحافة الادبية. ولقد جال في مضمار العمل الصحفي بين عدة مؤسسات صحفية مرموقة مثال «إل سبيكتادور» ومجلة «فلاش» التي توارت عن الانظار و«كروموس» واخيراً مجلة «كامبيو» التي يشرف على تحريرها شقيقة جابو، ويرد من بين اعماله المنشورة كل من «من اجل قتل الوقت» وهي رواية حول شباب كارتاخينا و«هم هكذا» وهو كتاب يضم مجموعة من الريبورتاجات حول كتاب امريكا اللاتينية و«موت سانتياجو نصار الثالث» كما كان اليخيو منتجاً تلفزيونياً. ولقد تسلم في السابع والعشرين من شهر مارس 2001 «ميدالية الاستحقاق الثقافي» في منزله وبين حفنة من الاشخاص بسبب حالته الصحية الحرجة، وقبل ذلك بوقت قصير اصدر كتابه «تتبع رموز ميلكيادس». وتقدم هذه الجائزة منذ العام 1998 في كولومبيا للاشخاص او الجمعيات او المؤسسات التي تشجع وتنهض بأعباء الاشكال التعبيرية الفنية والثقافية على المستوى المحلي والاقليمي والوطني. ولقد استلمها من بين فنانين آخرين المصوران ليو ماتيز ونيريولوبيز والرسامة ديبورا ارانجو والكاتب هيكتور روخاس حينرازو. اما في ليلة اطلاق «تتبع خطوات رموز ميليكادس» يوم الخميس في الثامن عشر من مارس 2001، فلقد كان اليخيو جارسيا مفعماً بالحيوية والنشاط، فكتابه كان نتاجاً لعقد من البحث حول رواية «مئة عام من العزلة» التي تمثل قمة الهرم في العمل الادبي لجابرييل جارسيا ماركيز حيث جسد الكاتب ميوله بالريبورتاج والرواية معاً. وكانت هذه هي المرة الاولى التي يحضر فيها اليخيو نشاطاً عاماً منذ ان اكتشف ما حل به من مرض وكانت المرة الاخيرة. يذكر انه عندما قدم جابرييل «خوسيه» جارسيا ماركيز للدراسة داخل البلاد بنهاية سنوات الاربعينيات، اراد والده دون جابرييل اليخيو ان يكون لديه جابرييل آخر في البيت و«اوصى» الصغير بالاحد عشر شقيقاً، كان ذلك الطفل هو اليخيو جابرييل. لم يقم ابداً اليخيو، الذي يصغر شقيقه جابرييل بعشرين عاماً، بتوقيع كتبه واعماله الصحفية بكنية الأم ولا بإسمه الثاني كي لا يستميل القاريء، وليبني لنفسه مسيرته الادبية الخاصة. يقول اليخيو انه منذ قراءته «مئة عام من العزلة» اخذ على عاتقه مسئولية اشباعها بحثاً وتقصياً، ورغم جميع الصعوبات «كان مصاباً بورم في الدماغ» لكنه استطاع انهاء كتابه «تتبع رموز ميلكيادس» قبل وقت قصير من مماته. ويعد «تتبع رموز ميلكيادس» ريبورتاجاً مؤثراً ويضم ثلاثة عشر فصلاً وستمئة وثلاثين صفحة عرض من خلالها بنبرة صحفية ما توصل الى معرفته حول الدوافع والمصادر والنوادر والعقبات التي احاطت بمئة عام من العزلة منذ ان تصور جابو فكرتها الجنينية ولغاية كتابتها وظهورها للعلن. وهنا نورد نص الحوار الاخير الذي اجرته صحيفة «إل تييمبو» الكولومبية مع اليخيو جارسيا ماركيز وذلك قبل ان يرى كتابه الاخير النور بوقت قصير. ـ ما الذي يذهب اليه هذا الكتاب بعيداً عن ما قالته الاصدارات اللامتناهية حول العمل؟ ـ الواضح مما يتضمنه عنوان الكتاب انه يتناول البحث في عملية الابداع وجميع مستلزماتها، وانا اروي هناك كيف راحت الاحداث تتسلسل كي يصدر الكتاب الذي احدث ثورة حقيقية في الآداب الاسبانية ـ الامريكية وانا اقوم بتوضيح ذلك في الفصل الاخير. ـ ما الذي فعلته كي لا تثبط العزيمة بسبب الكم الهائل والمثقل من الدراسات المتوفرة حول الموضوع؟ ـ تخصصت المقاربات الكثيرة التي كتبت حول «مئة عام من العزلة» في تناول هذا العمل الادبي بشكل جزئي. اما انا فلقد ذهب اهتمامي الى ما هو ابعد من ذلك بكثير حيث اردت ان اظهر رؤية جامعة. ـ لماذا جاء عملك عل شكل ريبورتاج وليس كتاباً اكاديمياً؟ ـ كصحفي، سمح لي الريبورتاج ان اعثر على الايقاع من اجل ربط نتائج البحث. فلقد انصب اهتمامي على بلوغ العددية الهائلة من الناس الذين يرغبون بمعرفة الكيفية التي اعد من خلالها العمل وماهية البيئة التي احاطت اصدار «مئة عام من العزلة»، واعتمد من اجل ذلك على التعاون الرائع لأشخاص مقربين جداً من دور النشر والكُتاب، الذين قدموا لي شهاداتهم بسخاء وعلى اوسع نطاق، الامر الذي يجعلني لا اكل من التعبير عن امتناني لهم. ـ ما الذي يستهويك في الريبورتاج؟ ـ الريبورتاج اداة عظيمة لمعرفة الواقع الذي يسمح لجميع الممثلين بأن يتدخلوا في عملية الاتصال. ولقد كان الريبورتاج بالنسبة لي دائماً الصنف الصحفي المثالي. ـ بماذا ساعدك كثيراً كونك شقيق جابو؟ ـ لم تشكل القرابة العائلية عائقاً امام ممارستي الادبية، بل على العكس، وجدت فيها دائماً سنداً كبيراً وحباً لامتناه. وكما هو حال جميع الكولومبيين الذين قاربوا عمل جابو وبخاصة اولئك الذين يتعاطون الادب، فلقد شعرت بتأثر شديد. والمهم في هذا السياق هو ان يشكل ذلك التأثير حافزاً لتطوير الابداع. ـ ماذا قال لك جارسيا ماركيز عندما قرأه؟ مثل اي اخ كبير، يمتلك جابيتو «تدليل لجابو» رؤية حنونة لما أنتجته، وهو يقدر ويحترم عمل الاخرين بشكل كبير. الا أني لم أعرف رد فعله الا عن طريق أخي جيمي الذي قال لي ان جابو قرأ الكتاب بحماس وخدمه في التحقق من بعض المعطيات وليعيد التأكد من بعض العناصر القيمة لمذكراته. باسل أبو حمدة