بيان الكتب: قالت مرثيدث: عندما انهى ماركيز صفحات كتابه مئة عام من العزلة جاءني الى المطبخ بوجه مكفهر وعيون مثقلة بالحزن وكأن شيئاً عظيماً قد حدث، فسألته ما بك؟ قال: لقد قتلت العقيد بوينديا. ثم صعد الى غرفته وانتحب لمدة ساعتين ونام. مرثيدث هي زوجة الروائي الكولومبي غابربيل غارسيا ماركيز، والمقطع السابق من كتاب «احاديث مع ماركيز» الذي ترجم مرتين الى العربية. أما العقيد بوينديا فهو الشخصية المحورية الاساسية في «رواية مئة عام من العزلة» التي ترجمت الى العربية منذ حوالي عشرين سنة، فأحدثت فاصلاً مهماً في التوجه نحو رواية السحر الواقعي الذي يلخص ادب امريكا اللاتينية حيث اعتبرت هذه الرواية افضل رواية في القرن العشرين كما يشكل فوز ماركيز بجائزة نوبل عام 1982 مدخلاً لعقد صداقة وطيدة مع ادب يخلط الخيال بالحقيقة والسحر بالحياة، فيقرأ المرء تاريخاً ويعرف احداثاً دون ان يكون وراء الصفحات مدرس يلقن التلاميذ او يشرح لهم، فالاحداث تقود القاريء الى الجزيرة التي تكشف له السر وتقدمه على طبق من المتعة الانسانية الباهرة. لقد تحول ماركيز الى ابرز اسم ادبي في العالم خلال ربع القرن الاخير وترجم الى حوالي عشرين لغة وقرأه الملايين وكانت «مئة عام من العزلة» هي الابرز بين كتبه، واليوم نقدم للقاريء الكريم ملخصاً عن خلفيات هذه الرواية وظروف كتابتها بقلم شقيقه الصحفي اليخيو جارسيا ماركيز الذي توفى منتصف الصيف الفائت عن عمر يناهز الخمسين عاماً وهو اصغر من ماركيز لكنه ملم بشئون المكان وعارف بخوابيه فوضع كتاباً بعنوان «تتبع رموز ميلكيادس» حيث صدر منذ اشهر محققاً رقماً كبيراً في مبيعاته. ما يهم حقاً في ادب ماركيز ليس ان يصف المكان حيث جرت الاحداث المهمة، فعلاً هو الزمن المتداخل بين ما حدث فعلاً وبين ما كان سيحدث، اي ان هناك خيالين يتداخلان واقع واقعي وواقع افتراضي وهذا جانب لا يمكن اشباعه نقداً وتحليلاً لشدة خصوبته وتنوعه الى درجة ان القاريء سيدخل متاهة من الاسماء الطويلة لست وتسعين شخصية اساسية موزعة على امتداد قرن والتي يحتاج حفظها او لفظها الى جهد استثنائي سرعان ما تتحول تلك الاسماء الى افعال تعيش طويلاً في الذاكرة، ذلك هو عالم ماركيز الذي يكفي ان يكون اسمه موجوداً على اي كتاب ليحقق رواجاً كبيراً ولعل ابرز تلك النجاحات ما كتبه ماركيز في مقدمة رواية «الجميلات النائمات» للروائي الياباني ياسانوري كواباتا حيث ابدى ماركيز اعجابه بالكتاب من موقع اهمية الرواية اليابانية وعلى ايقاع ذلك الاعجاب وسحر فتاة اسيوية نائمة بهدوء على المقعد الذي بجانبه في الطائرة وهو متوجه الى باريس لحضور مؤتمر يشارك فيه كتاب يابانيون، كتب ماركيز تلك المقدمة متخيلاً نفسه وهو يقدم جواز سفره الى السلطات ويرد على الاسئلة التالية: الاسم: غابرييل غارسيا ماركيز العمر: 75 عاماً المهنة: روائي ياباني انه تقدير للاخر.. واعتراف باهميته، ذلك احد اسرار النجاح الذي يلاقيه كاتب بقامة ماركيز حيث يعيش الاخر بداخله كبيراً ومحترماً ومبدعاً. حسين درويش