ضمن الملتقى الفكري المصاحب لايام الشارقة المسرحية اجتمعت في بيت الشعر مساء امس جلسة حوارية مفتوحة حول «المسرح العربي واقع ومستقبل» تحدث خلالها نخبة من المسرحيين العرب الضيوف في الايام وعدد من المسرحيين المحليين منهم جمال مطر، د. حبيب غلوم، عبدالله صالح، ونجيب الشامسي، وادارها د. يوسف عايدابي. وكانت ورقة المسرحي البحريني عبدالله يوسف وورقة غنام غنام من الاردن قد اثارتها جملة اسئلة حول واقع الثقافة العربية الذي انحنى واستلب بناء على استلاب الواقع السياسي العربي، وبالتالي لحق بالمسرح ما لحق من تأخر واستلاب ايضا. كما كشفت مداخلات كل في فهمي الخولي وعز الدين قنون وقاسم محمد اشكالية العلاقة بين المتلقي والمسرح، واشكالات التدريب والاعداد وتوجه المسرحي العربي الى النبش في خصوصيته وتفاصيله وهمومه. وقيل ان البحث عن مسرح عربي هو بحث فضفاض لان المسرح يصبح عربياً متى ما انطلق من بؤرته العربية وتبنى همومه العربية ونهل من حضارته. وقد جاء في ورقة عبدالله يوسف: انه ليس المسرح العربي بل الواقع العربي برمته يبحث عن مستقبل وانا في الحقيقة لا ارى ملامح تشير في واقع المسرح العربي اليوم الى مستقبل يغاير الذي هو عليه اليوم وارجو ألا تعتبر نظرتي هذه تشاؤميه، وبرأيي ان مستقبل المسرح العربي كهوية قد تحقق أو تأسس في التجربة المسرحية الواقعة منذ عام 1960 لغاية 1990 في بغداد والقاهرة وتونس ومصر والشارقة ايضا وذلك على ايدي من المسرحيين العرب الواعين لطبيعة المرحلة ولمعنى ان يكون المسرح مؤسساً على هوية مما دفع الى تلاقي ملامح مسرحية عربية ملفتة من خلال طرح مجموعة من العروض المسرحية التي شكلت تجارب ضيعت بمفردات واشكال مسرحية منبثقة من صميم البيئات والمناخات العربية الاقليمية والمحلية. وبدلاً ان تعمل معظم تلك العروض على ترسيخ ما بدأوا بتأسيسه انجرفوا بدعوى التطوير والتجديد انجرفوا نحو تأصيل وترسيخ الرؤى الاوروبية المؤسسة اصلا على هويات مجتمعاتها مما ادى الى اتساع مساحة الغربة بين العرض المسرحي العربي وجمهوره ودخوله في شكلانية فاقعة لا منتمية الى الواقع. ويشير عبدالله يوسف الى ان المبالغة لربط التجربة المسرحية الحديثة جداً بتنظيرات المسرح الاوروبي والغرب في الاسلوبية الشكلانية البحتة ادى الى الغفلة والانغماس حد التبني والدفاع المستميت عنها وعن تنظيرات ومقولات الباحثين فيها.. ولم يقتصر ذلك على الفن المسرحي العربي بل طال وبشكل أكثر حركة الفنون التشكيلية العربية ايضا. هناك اعمال مسرحية لمبدعين مسرحيين عرب تؤسس لمسرح عربي يمتلك هويته الخاصة لكن لم يتم تأكيدها وتأصيلها، مثلا من التجارب المسرحية الباحثة عن افق عربي أو هوية عربية تجربة الاستاذ قاسم محمد واذكر عرضين منها «كان يا مكان» ومسرحية «بغداد الازل بين الجد والهزل» وايضا تجارب اخرى لم اطلع عليها.. عمل فيها المخرج قاسم محمد باقتدار وكانت بالفعل تشكل نواة هوية لمسرح عربي مؤسس على الفرجة. تؤسس علاقة بينها وبين متلقيها.. ايضا هناك تجارب المخرج الراحل صقر الرشود، تجربة أحمد الطيب، تجربة الطيب الصديقي، روجيه عساف، عوني كرومي في مسرحية ترنيمة الكرسي الهزاز، مسرح الحكواتي، ناجي الحاي ومرعي الحليان في مسرحية «باب البراحة».. احمد الانصاري وتجاربه مع سالم الحتاوي، هذه التجارب تؤسس لمسرح عربي لانها تغرف من الذهنية العربية. ويؤكد يوسف عبدالله ان الاشكال في التغريب يأتي مما نعانيه من غربة، بمعنى أن مسرحية «إيفا» البحرينية التي قدمت في المهرجان الخليجي بالدوحة في اكتوبر الماضي ورغم مساحة السينوغرافيا وما فيه لم يحقق حضوراً في المهرجان، انا ماذا تعنيني ايفا وقضيتها، تعنيني نساء أخريات في الموروث العربي، انا ارى ان الانجراف، وراء شكلانيات غربية دون وعي للاستفادة فقط من تقنياتها ومفرداتها البصرية.. الان نحن نبحث عن مستقبل للمسرح العربي، ونحن بدأنا هذا منذ العام 1960 لكن التجربة والمسيرة تراجعت واقول لماذا لا تبرح الاعمال المستمدة من البيئة العربية الذاكرة لانها فعلت فعلها في الذاكرة كونها نابعة من الذاكرة والذاكرة المعاشة، انها طرح اشكال وموضوعات تنتمي الى عوالم مجتمعات لا تربطنا بها علاقة سوى تقنياتها الحديثة فأنا اعتقد أن هذا يتسبب في خلق هوة وبون شاسع بينها وبين المتلقي. ثم تحدث في الجلسة غنام غنام من الاردن مشيراً الى عنوان الندوة المسرح العربي واقع يبحث عن مستقبل يضعنا في ثنائية اساسية واقع ومستقبل، ولسنا بحاجة لجهد كبير لنثبت ان الواقع السياسي هو واقع مؤلم فالاستلاب هو هزيمة الارادة، وفي الوقت نفسه يخرج المسرح ليقدم واقعه الخاص واقعاً مكثفاً وممتزجاً بالحلم والطموح والتمرد على الهزيمة، فإنه يحاول ان يهزم الهزيمة وكونه يفعل كل هذا فهذا لا يعني انه فاشل، وكونه لم ينجح في دحر هذا فهذا لا يعني انه مدحور امامه، بل لابد ان نعد صموده هو انتصار في حد ذاته.. المسرح جزء من البناء الثقافي وادعي انه يمثل سنامه باعتباره تكثيفاً لثقافة.. ان المسرح يحاول ان يستأنف نفسه ضد هذا الواقع وضد كل اشكال الانهزام والسيطرة. وسؤال ماذا لو غاب المسرح عن الواقع الاجتماعي قد طرح على أكثر من منصة وعادة ما كان يطرحه زملاء من قبيل الاحباط واليأس لاعلان الهزيمة أو التحول إلى المسرح الاستهلاك السهل والرخيص مضموناً والربح مادياً. والجواب هو ان المجتمع لن يتغير عليه شيء لو توقفنا عن تقديم المسرح، لان المسرح حتى اللحظة التي نعيشها هو القلة التي تتابعه من الجمهور ولا يعني حتى لهذه الكثير. لماذا غاب المسرح عنا طيلة القرون الماضية ولماذا نشأ وترعرع هناك بعيداً عنا، هل خلل في تركيبة البنية الثقافية العربية، هل هو عطب جنيني بحيث ينجب مجتمعنا روائيين وشعراء ولا ينجب مسرحيين، حقيقة ان هكذا اسئلة تحيلنا الى الاجابة عليها.. بسؤال آخر، الا تعترف ان هناك ازمة ثقافة والمسرح كما قلنا سنام هذه الثقافة؟ الا نعترف ان الثقافة ليست من الامور السيادية في حياتنا؟ وان القرار السيادي في كل الامور السيادية يبدو مستلباً؟ هذه هي المسألة.. فالثقافة في ذيل القائمة وما اطوله من ذيل ولا يعمل عليها بما يلزم الا لتزيين الجو العام او تمجيد الجو الخاص الرسمي ونعلم ان هذه ليست بالثقافة، هذه طبول. اذن تبقى الجهود المسرحية مجرد جهود فردية لا ترقى الى ان تصبح مشاريع استراتيجية لا تموت بموت الفرد.. اذن لنعترف لا توجد استراتيجية وهي مهمة لامر سيادي للثقافة. حوارات الجلسة فتحت افق الاحتياج الى مناقشة ازمة الجمهور مع المسرح الجاد.. وقضية المسرح التجاري الاستهلاكي.. وطلب عدد من الحضور مد الجلسة الى جلسة ثانية بعد اصطدام الاراء ولزوم الايضاح.