مبنى الكولوزيوم مازال على الرغم من التصدع وعوامل التعرية والزلازل الارضية، ورغم عوامل التلوث الحديثة، قائما على قدميه، وهو مكتنز بالعز والمجد، ويوجد حضوراً لاكبر امبراطورية تسيدت على العالم القديم، وامتدت من المحيط الاطلسي غرباً حتى الفرات شرقا، وشملت في الغرب البلاد المعروفة باسماء بريطانيا وغاليا وايبيريا وايطاليا واليرياء، فضلا عن شمال افريقيا من المحيط الاطلسي حتى طرابلس، في حين شمل الجزء الشرقي منها على البلقان وآسيا الصغرى واعالي بلاد وادي الرافدين، فضلا عن الشام ومصر، هذا الى جانب نفوذ روما الذي امتد الى ما وراء حدودها السياسية حتى بلغ الشعوب الجرمانية الضاربة في مجاهل اوروبا شرقي الراين وشمال الدانوب. والكلوزيوم لم يكن كما كان في بداية عهده، فهو قد تعرى تماما من حلته التي حملت الزخارف والتماثيل وسطوح المرمر بكل الوانه، ولم يبق منه إلا هيكله الذي تهدم جزء كبير منه، وتحوي الكتب التاريخية وبعض الوثائق القديمة، تصورات لتشكيل الكلوزيوم بنت نفسها على اوصاف ادبية حملتها بعض الكتابات الرومانسية التي اكدت وجود آلاف المجسمات والرسوم الجدارية والزخارف المرمرية والتطعيمات بالاحجار الكريمة والملونة في العديد من اماكنه، كما حوت العديد من اقسامه الداخلية العديد من النافورات المائية وقاعات للاجتماعات وغرف للنوم وصالات للاستراحة، ومحاجز للحيوانات الكاسرة، اضافة الى قاعات تدريب الاسرى الذين تجرى لهم دورات تمرينية في صراعهم مع الحيوانات الكاسرة، كما يحوي هذا النصب ممرات محكمة تدفع ابوابها وتغلق بواسطة عتلات وسلاسل حديدية مصنوعة بمنتهى الدقة. ويبلغ حجم الكولوزيوم حوالي عشرين الف متر مربع وكانت تغطي مدرجات الجمهور في اوقات الحر ستائر على هيئة شرائط عريضة مصنوعة من الحرير الطبيعي والكتان الذي كان يستورد من مدينة بابل القديمة، حيث ترتفع هذه الستائر من الحافات الخارجية لتنزل الى حد القاعدة البيضوية فوق جمهور المتفرجين، لتغطي الملعب بشبكة ستائر تحمل الظل وتمنع حرارة الشمس القوية التي تشتهر بها مدينة روما ايام فصل الصيف، وكانت طريقة مد الستائر وسحبها يتم بطرق تقنية بمنتهى الدقة والسرعة، كما ان اكثر من مئة خياط يجلبون عادة من مناطق الجنوب وتكون اقامتهم في ثكنات خاصة، كان عملهم ينحصر على عمل ستائر الكولوزيوم. ولم يعثر إلا على وثيقة رومانية قديمة دونت عليها رسومات تبين شكل الجدار الثامن الداخلي حيث يبين شكل هذا الجدار على انه يجمع عدة مواد مختلفة مؤلفة من الخشب والحديد والحجر الملون والمرمر، وزعت بتوازن وانتظام دقيق وحشيت بعض الثقوب والفواصل التي تفصل الحجر الصلد بنوع من العجينة المصنوعة من خليط يشبه الى حد كبير مادة الاسمنت المستخدمة في يومنا الحاضر. وقد تطلب بناء الكولوزيوم اكثر من 100 الف متر مكعب من رخام الحجر الجيري وثلاثة مئة طن من الرصاص والحديد، ومئات الاطنان من الخشب والاسمنت والمسامير والمواد الاخرى، ومن اجل بنائه تطلب انجاز شبكة كبيرة لتصريف المياه لان موقعه السابق كان بحيرة قديمة استخدمها الامبراطور نيرون لاقامته التذكارية. وقد تم افتتاح الكلوزيوم من قبل الامبراطور تيتوس عام 80 ميلادية. لعب الكولوزيوم دوراً مهماً في الحياة الرومانية ففي احدى المرات اقام الامبراطور ترايانوس الالعاب مدة 123 يوما متواصلة، وشهد المتفرجون في هذه الالعاب موت 10000 مجالد و11000 حيوان كاسر كما كانت الوفود الاجنبية تتقاطر على الكلوزيوم وخاصة من الدول المجاورة التي كانت تخضع للامبراطورية الرومانية حيث يلبس الجميع الملابس الوطنية الاحتفالية وهم يركبون الخيول وترافقهم حاشياتهم في مواكب احتفالية ترافقها الموسيقى والرقص الفلكوري. ويمتلك النصب القدرة على استيعاب اكثر من 70 الف مشاهد يمكن تصنيفهم حسب المكانة والطبقة الاجتماعية، في الصفوف الاولى والى الاسفل كان يجتمع السياسيون البارزون وضباط الجيش ورجال الدين ورجال البلاط الامبراطوري وفي الوسط تجتمع الفئات المختلفة للطبقات الوسطى وفي الصفوف العليا تجتمع عادة الجموع الغفيرة من الجماهير والتي وجهت هذه الالعاب لها. ويعكس هذا النصب العظيم قدرة معمارية هندسية تشكل ظاهرة متميزة انصبت عليه دراسات عالمية لا تحصى ولا تعد، فالذكاء المعماري لا ينحصر في الجوانب التقنية لطريقة البناء والمواد المستخدمة وحسب، وانما في صياغة الشكل العام، وطبيعة الخدمات الوظيفية له، فهو يحوي على بناء يتألف من سلالم لمرور المشاهدين وتنقلهم بهذا العدد الكبير من دون اي ارباك وخلال دقائق معدودة، وقد اتاح نظام بارع من الممرات والاعمدة الوصول بكل يسر الى مختلف الاقسام في النصف، كما يوفر نظرة رائعة للمدينة، فالى اليمين منه ينتصب قوس النصر الذي شهد عملية صيانة وترميم استمرت حوالي خمس سنوات ويحمل هذا القوس الرائع الجمال اسم الامبراطور اغسطس. طول الميدان الداخلي للكولوزيوم تزيد 87 متراً بينما يبلغ عرضه 54 متراً، وقد تم تزويده بالكثير من الغرف الارضية في القبو والتي كانت تستخدم من قبل المبارزين وايواء الحيوانات ايضا، وبفضل وجود الممرات تحت الارض يستطيع السيافون ان يذهبوا مباشرة من الثكنات التي تقع الى جانب الكولوزيوم الى الاقبية التي تقع تحت ميدان المسابقات الرئيسي وذلك من خلال عتلة رافعة يستطيعون الدخول الى الميدان نفسه وبصورة مباشرة حيث تستقبلهم الجماهير بصخب كبير. وتذكر المصادر التاريخية انه قد تم الانتهاء من بناء النصب خلال عام 75 ميلادية، بعد ان امر ببنائه الامبراطور «فسبسيانو» الذي مات ولم يشاهد يوم افتتاحه، إلا ان الامبراطور تيتيوس افتتحه ودشنه باقامة واحد من اكبر مهرجانات الالعاب التي تذكرها كتب التاريخ.وقد استغرقت عملية البناء ما يقارب السنوات العشر، وكان يتألف في البداية من اربعة طوابق، وقد اكمل الطابق الخامس ابن تيتيوس فيما بعد. واضاف الامبراطور نيرون بحيرة في وسطه لتجري بعض عروض المعارك البحرية، حيث تملأ البحيرة الوسطية هذه بالمياه لتنزل البواخر الحربية المصغرة والتي تصنع خصيصا لمثل هذه الاحتفالات وتجري فيما بينها معارك حقيقية يروح ضحيتها عدد من المقاتلين الاسرى الابرياء، ويعرف عن نيرون انه كان يحب مشاهد القتل، ويعشق قتل الاسود بنفسه، بتعد تخديرها، وتذكر المصادر التاريخية بأن نيرون كان يطلب من المصارعين دهن اجسادهم بالزيت ليتلذذ اكثر بعدم سيطرة المحارب على خصمه وعلى الحيوان الذي يصارعه كما ان بعض اعضاء مجلس الشيوخ كانوا يمارسون اعمال العنف داخل اقبية الكولوزيوم من خلال رميهم الرماح والنبال لضرب وقتل الحيوانات المفترسة، وقد اقام نيرون مجسما شخصيا كبيرا من الرخام يبلغ طوله العشرة امتار، بجوار الكولوزيوم بمحاذاة باب الدخول الكبير ويعتقد البعض ان اسم الكولوزيوم قد اخذ من هذا التمثال الشخصي اي بمعنى «الضخم»، إلا ان اغلب المصادر لم تشر الى هذا الاسم، بل ان العديد من المصادر يؤكد على ان الاسم يعود للامبراطور «فسبيانو» وتذكر بعض المصادر التاريخية بأن مبنى الكلوزيوم كان في بداية الامر يحمل اسم الامبراطور فلافيوس الشهير الذي اشتهر بالاصلاحات والعمران. وظل الكولوزيوم والعابه التي اشتهرت بجميع انحاء العالم آنذاك الى اكثر من اربعمئة سنة، ولو ان هذا الرقم من السنين تنقصه الكثير من الوثائق التاريخية الدقيقة، إلا ان بعض المراجع كانت على شكل استنتاجات دينية وادبية اشارت بدورها الى انتهاء دور الكولوزيوم في الحياة العامة في زمن الامبراطور اوجسطين 306 ـ 337 والذي اتخذ من الديانة المسيحية دينا رسميا للدولة الرومانية، وعلى اثر ذلك بدأت حملة كبيرة لنهب الآثار الداخلية والخارجية لهذاالنصب الذي اعتبر في زمن اوجسطين رمزاً للالحاد والهمجية والاضطهاد، وقد انتزع الناس اجزاء كبيرة من حجره وبلاطه ليبنوا بيوتهم ومعابدهم الكنسية الجديدة، وقد جردت هذه العملية هذا الصرح الكبير، من كل شيء. إلا ان امر الامبراطور الروماني تيودورو في القرن الخامس الميلادي اوقف عمليات النهب المستمرة وطالب باعادة ترميم الكولوزيوم من جديد لتقوم بداخله احتفالات جماهيرية ودينية كبيرة ولكن الناس لم تكن متحمسة كما كان الحال في زمن الاباطرة القدامى، وفي القرن الخامس نفسه عندما نشبت الحرب الاغريقية ـ القوطية، وجه كل من القائد بيليز اريو والقائد توتيلا نداء مشتركا الى كل مواطني روما بضرورة الاهتمام بمبنى الكولوزيوم كرمز تأريخي للمدينة العريقة، بعدما نالت منه المظالم الكثير. وفي العصور اللاحقة، وبعد ان فقدت روما مجدها القديم وتحولت العاصمة الى القسطنطينية، فأخذت روما تتعرض للانحلال السريع، واشتدت عليها هجمات الاعداء على حدودها من دون ان تنصب الجهود للدفاع عنها، اصبحت على ضوء تلك الحالة تعاني من آلام الموت البطيء، شأنها شأن الامبراطورية الرومانية التي قسمت الى قسمين، شرقي وغربي، وذلك عام 395 ميلادية، اي يوناني ولاتيني، حيث فشلت هذه الامبراطورية في حل مشكلة العلاقة بين الفرد والدولة، وافراطها في الاعتماد على المدن والتوسع في منحها استقلالا ذاتيا، مما افسد وحدة النظام الاداري واثار البغضاء بين اهالي المدن والريف وقد شبه بعض المؤرخين الامبراطورية الرومانية بشجرة كبيرة امتدت جذورها القوية في مختلف الاتجاهات مما يجعلها اقوى من ان تنهار نتيجة عامل واحد او سبب بعينه. وفي عصر النهضة بدأت حملات من قبل بعض المعماريين والرسامين الايطاليين الكبار للحفاظ على ما تبقى من مبنى الكولوزيوم وقامت بعض الترميمات والاصلاحات لبعض الاجزاء، إلا انها لم تتناسب وحجم تلك الاضرار وعمليات النهب التي ظلت متواصلة وفي القرن السادس عشر كاد الكولوزيوم يتحول الى مبنى صناعي كبير على ضوء اوامر من البابا سيستو الرابع، فقد وضعت الخرائط اللازمة لهذا الغرض، إلا ان حظ هذا الصرح العظيم حال دون تحقيق مثل هذه الخراب، اذ مات البابا في بدايات العمل، فتوقف كل شي؟ بعد وفاته. ويذكر ان الولايات المتحدة الامريكية عرضت في الخمسينيات على ايطاليا شراء مبنى الكولوزيوم لنقله حجراً حجراً الى الولايات المتحدة لنصبه هناك مقابل مبلغ هائل وخيالي إلا ان ايطاليا رفضت ذلك العرض واصرت على بقاء هذا الإرث العظيم في موقعه. ويعاني هذا البناء في الوقت الحاضر من التصدع والتلوث الذي يخنق مدينة روما بأكملها اذ تزحف الرطوبة الارضية بدرجات كبيرة نحو جدرانه، وتنتشر نباتات الحلفاء التي تكاد تغطي وسطية الملعب، وتتكاثر التآكلات والشقوق، كما تزداد وبشكل مخيف الجرذان، ومع انه شهد بعض الترميمات بمناسبة تدشين الالفية الثالثة الميلادية إلا ان اجزاءه الداخلية وخاصة الحلقة البيضوية تحتاج رعاية كبيرة لانقاذها من التلف والخراب. موسى الخميسي ـ روما
