ربما تكمن أهمية الفن عموما والسينما تحديداً في تلك القدرة على إعادة اكتشاف الحياة الإنسانية بكل تفاصيلها الصغير منها والكبير، اكتشافا يحمل هوية الواقع وبصمة المبدع، ولعل السينما السورية على الرغم من قلة نتاجها استطاعت عبر مسيرتها، أن تحاور هذا الشرط الإبداعي، بما طرحته من خصوصيات فنية وهواجس فكرية وهموم انسانية ذات صلة وثيقة باشكالات الواقع وأسئلة الهوية والتحقق، وبما لامسته من حساسيات جديدة غذّتها روح التجريب والبحث عن لغة مغايرة، الأمر الذي أدار أنظار العالم إليها، وجعلها تعتلي مكانة مرموقة في سلم السينمات العربية، وتشكل الظاهرة الأهم في المشهد الثقافي السوري، فكيف انطلقت هذه السينما، وما هي مكوناتها وبناها، وما هي العثرات والصعوبات التي تعترض طريقها ؟ أسئلة من هذا النوع وغيرها تتعلق بحصاد هذه السينما وسيرتها، سيحاول الإجابة عنها التحقيق التالي: تفيد الوثائق أن أول فيلم سينمائي سوري ظهر عام 1928 بعنوان «المتهم البريء» من إنتاج شركة حرمون وإخراج أيوب بدري ، وبذلك تكون سوريا ثالث بلد عربي عرف الإنتاج السينمائي بعد تونس ومصر، لكن هذا القطاع الحيوي و الجديد تعثر وظل أسير تجارب الهواة و المبادرات الفردية المغامرة حتى مطلع الستينيات، حيث لا يمكننا أن نحصي طوال هذه الفترة سوى سبعة أفلام روائية طويلة كان آخرها «عابر سبيل» لأحمد عرفان عام 1951، إضافة إلى عدد من الأفلام التسجيلية القصيرة، ولكن مع دخول عقد الستينيات بدأت تتشكل نواة إنتاج سينمائي حقيقي، شارك في صياغتها القطاعان العام والخاص ممثلين بشركات الإنتاج السينمائي الخاصة والمؤسسة العامة للسينما، إضافة إلى بعض الجهات الحكومية التي تهتم بالإنتاج السينمائي وهي التلفزيون العربي السوري، دائرة السينما في الإدارة السياسية للجيش والقوات المسلحة، ونقابة الفنانين، وقد بلغ ما أنتجته هذه البنى مجتمعة حتى يومنا هذا ما يقارب المئة والثلاثين فيلما، خمسة وثمانون منها تقريبا أنتجه القطاع الخاص، لكن السمعة الطيبة التي حققتها السينما السورية في المحافل العربية والدولية ظلت حكرا على نتاج المؤسسة العامة للسينما. ولكي تكتمل الصورة فإن بنى الإنتاج تتلازم مع بنى العرض، وهي في سوريا تعد بست وتسعين صالة، ست منها تابع للقطاع العام وهي صالات الكندي، أما متوسط عدد المقاعد فيبلغ سبعة لكل ألف نسمة وهو رقم ضئيل جدا إذا ما قورن بمعدلات الدول المتقدمة، أضف إلى ذلك أن وضع أغلب الصالات سييء للغاية. مع فيلم «الوادي الأخضر» لزهير الشوا عام 1961 يمكن التأريخ لولادة ما يعرف بسينما القطاع الخاص في سوريا، وهي ولادة تميزت بغلبة الكم على النوعية عموما، إذ تركز إنتاج هذا القطاع (شركات ومنتجين) على ما يعرف بالسينما التجارية، وحاولت أفلامه أن تحاكي ما أنتجته السينما المصرية في هذا الاتجاه، حتى أن أغلب ما أنتجه من أفلام كان ينطق باللهجة المصرية لضمان توزيعه في الدول العربية، ولهذا السبب أيضا اهتم هذا القطاع بمد جسور العمل المشترك مع نجوم ومخرجين لبنانين ومصرين، وقد لاقت أفلامه رواجا عربيا، تحديدا بعد دخول الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي إليه مع فيلم «عقد اللولو» عام 1964إخراج المصري يوسف المعلوف وبطولة الفنانة صباح، وقد تباينت كثيرا معدلات الإنتاج السنوي لهذا القطاع بين عام وآخر، ففي عام 1974 مثلا انتج القطاع الخاص أربعة عشرفيلما، بينما اكتفى بفيلم واحد عام 1987 وبدءا من هذا التاريخ توقف إنتاج القطاع الخاص تقريبا، حيث انتج بعد ثلاث سنوات فيلما واحدا هو «الكفرون» لدريد لحام وبعد تسع سنوات من هذا التاريخ أنتجت شركة الشام فيلم «الرسالة الأخيرة» لباسل الخطيب، وفي عامنا هذا أنتجت شركة الفرسان فيلم «قمران وزيتونة» بالاشتراك مع المؤسسة العامة، وهو الحدث الأول من نوعه منذ تأسيس كلا القطاعين، ويمكننا أن نذكر من بين المنتجين الناشطين على سبيل المثال نادر الأتاسي، تحسين القوادري، ودريد لحام، ومن بين الأفلام الهامة التي انتجها هذا القطاع «غابة الذئاب» «التقرير» و«الحدود» الذي نال الجائزة الخاصة لجمعية نقاد السينما في مصر، وجائزة أفضل سيناريو في مهرجان فينيسيا. أنشأت المؤسسة العامة للسينما عام 1963 كهيئة حكومية تابعة لوزارة الثقافة، تمتلك استقلالها الإداري والاقتصادي، وتعتمد مبدأ التسيير الذاتي، وتسعى للنهوض بالإنتاج السينمائي وتوجيهه لخدمة الثقافة وقضايا الوطن والإنسان، و تدعم الإنتاج السليم في القطاع الخاص، وتعمل على إيجاد مستلزمات الإنتاج السينمائي من استوديوهات وسواها، استيراد الأفلام وتوزيعها داخل سوريا وخارجها، وإصدار منشورات وإقامة النوادي والأسابيع وغيرها من الأنشطة والفعاليات التي تسهم في التعريف بمستجدات السينما ورفع سوية الوعي والتلقي. وطوال السنوات الخمس الأولى من عمل المؤسسة اقتصر الإنتاج على الأفلام الوثائقية القصيرة إلى أن حققت فيلمها الروائي الأول «سائق الشاحنة» عام 1968 وكان من اخراج اليوغسلافي بوشكو بوفوتيشنتس، وتناول موضوعة الاستغلال الطبقي، وسجل بداية لما يمكن تسميته بالسينما السورية البديلة، التي شدت الأنظار إلى نتاج هذه المؤسسة الوليدة، التي رفدت السينما السورية منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم بأفضل عناوينها ومخرجيها: «الفهد و«الكومبارس» لنبيل المالح، «أحلام المدينة» و«الليل» لمحمد ملص، «نجوم النهار» لأسامة محمد، «رسائل شفهية» و«نسيم الروح» لعبد الحميد عبد اللطيف إلخ وكلها أفلام حققت حضور الافتا في المحافل العربية والدولية وحصدت العديد من جوائز المهرجانات، كذلك فإن المؤسسة نظمت مهرجان دمشق السينمائي الدولي الذي يقام مرة كل عامين منذ عام 1979، وكانت قبل ذلك بعام وبمناسبة مرور الذكرى الخمسينية لإنتاج أول فيلم سوري قد أصدرت مجلة الحياة السينمائية، وهي دورية فصلية متخصصة بشئون السينما، أضف إلى ذلك إصدارالكثير من الكتب والمنشورات والترجمات الهامة حول الفن السابع، ومع ذلك فإن كل هذه الأفلام والفعاليات النوعية الهامة لا تشفع للمؤسسة إنتاجها القليل، الذي لم يتجاوز الأربعين فيلما خلال أربعة عقود من الزمان، مع أنها تملك قاعدة مادية لا بأس بها وعددا هاما جدا من الكوادر البشرية المتخصصة والكفوءة، ولهذا أسبابه الحقيقية قطعا والتي نجهل تفاصيلها، باستثناء ما سمعناه هنا وهناك من بعض العاملين في إطارها حول تقصير وسوء الإدارات المتعاقبة على المؤسسة، وما جاء في ذلك الملف الساخن الذي فتحته الصحافة السورية قبل عامين، وتم إغلاقه دون تحديد من هم المسئولون عن هذا التقصير، ولكن مهما يكن فإن المؤسسة تشهد اليوم نشاطا ملحوظا بإدارة الناقد السينمائي محمد الأحمد، حيث تم استصدار قوانين جديدة لتسهيل عمليات الإنتاج والتوزيع، كما تم الإفراج عن الكثير من السيناريوهات الحبيسة في أدراج المؤسسة منذ سنوات، والتي تم تصوير العديد منها، مثل الفيلمين الروائيين «صندوق الدنيا» لأسامة محمد و«الطحين الأسود» لغسان شميط، والفلمين القصيرين «دواليك» لبسام كوسا و«رقصة مع الشمس» لنضال دوة جي وكلها من إنتاج عام 2001. إن السينما السورية ولدت وتطورت وعبرت تحولاتها ضمن سياقات طبيعية، فمن مرحلة المبادرات الفردية المغامرة إلى السينما التجارية فالسينما البديلة، التي تهجس بهموم وإشكالات جادة وتسعى نحو خصوصية فنية، وهي سياقات عايشتها أغلب سينمات العالم، لكن الأمر غير الطبيعي في هذه السيرة هو ضآلة الإنتاج الذي لم توجد له حلول حتى يومنا هذا، رغم توفر كل المستلزمات الفعلية، ولعل توحيد جهود القطاعين العام والخاص لإنتاج فيلم مثل «قمران وزيتونة» الذي استطاع أن يحقق شرطي الفنية والجماهيرية، والذي فاز بالجائزة الفضية مؤخرا في مهرجان دمشق السينمائي الدولي، لعل في توحيد جهود هذين القطاعين الحل للخروج من مأزق الإنتاج والتمويل التي عانته السينما السورية منذ ولادتها وحتى الآن، لا سيما أننا نعيش في زمن الاندماجات الكبرى للمؤسسات المنتجة في العالم ككل. دمشق ـ تهامة الجندي