ضمن فعاليات مهرجان أيام الشارقة المسرحية قدم مسرح رأس الخيمة الوطني عرضا طليعيا وتجريبيا بعنوان «ثلاث صرخات» من تأليف الكاتب السوري عبدالفتاح قلعجي ومن اخراج الدكتور حبيب غلوم، بطولة الفنان المخضرم محمد الجناحي، بمشاركة سعيد عبيد، عبدالعزيز الشريف، محمد الدرة، حسن نقي، آمنة الزعابي، مبارك خميس، فيصل ثاني ومنذر المزكي وعمل كمخرج مساعد خالد البناي أما هندسة الاضاءة فكانت لطالب الصوري العائد بعد غياب عشر سنوات للساحة وهندسة الديكور لوليد الزعابي. ومنذ الوهلة الاولى للعرض والتي انطلق فيها الجناحي للخشبة من برميل زبالة ونصف وجه ابيض ونصف اسود ثم تبعه عبدالعزيز الشريف في اجواء شارع بحي فقير يوحي انه للزنوج او لأناس يعيشون تحت مستوى خط الفقر أقول منذ البداية اعادنا حبيب غلوم لاجواء ومناخات منتصف القرن عصر الثورة في امريكا الجنوبية والعالم الثالث عصر بداية السيرياليزم والمسرح الجوال ومسرح القهوة وغيرها من الاعمال التجريبية الرمزية والتقدمية والطليعية آنذاك وقد اختار حبيب غلوم هذا النص المعبر تماما عن تلك المرحلة كأكاديمي يحمل رسالة الدكتوراه الاولى في الامارات في الادب المسرحي مما يجعلنا نتساءل هل كان اختيارا موفقا أو محبطا للآمال؟! اذ نعول نحن كاعلاميين كثيرا على مثل هذه الاكاديمية لدى حبيب غلوم في استثمارها وتطويعها للابحار عميقا وبعيدا في جسد الوطن كتاريخ وتراث وقضايا محلية ساخنة هناك ضرورة حتمية للاشتباك معها وطرحها في اضواء المسرح لتفعيل رسالته وتصعيدها للآفاق. قد يكون حبيب غلوم اراد ان يؤكد على اكاديميته باختياره لهذا النص الفلسفي الذهني العميق لكن مثل هذه النصوص العالمية عند البير كامي وكير كجار وسارتر وصامويل بيكت وغيرهم من فلاسفة العبث واللامعقول والوجودية تطبع وتنشر وتمسرح في اجواء الحرية المطلقة ولها آفاق واسعة في الحوار والديالوج بين شخصياتها الجريئة جدا والوقحة احيانا ولا توجد هناك اية اشارات حمراء حول الدين أو الجنس أو السياسة ولهذا تنطلق هذه الاعمال الادبية والفنية المتمردة والثائرة في فضاءات مختلفة تماما فكريا وفلسفيا وفنيا عن الواقع العربي الراهن والمكبل بالقيود! والمسرح فكرة عالمية وشمولية، هذا صحيح، لكن نجيب محفوظ قال لنا بأن العالمية هي ان تكون محبا ومخلصا حتى الموت للمحلية التي انت منها بكل نكهتها ومفرداتها وطقوسها وهذا لا يمنعنا قط من الانفتاح على ثقافات العالم بل يجعلنا نقرأها بشكل أعمق ونستمتع بسحر تأثيرها وتألقها! وفي الصرخات الثلاث كما يقول قلعجي تأكل الجرذان خبز الانسان وهنا يتحتم عليه ان يلقي اليها بخبز يومه ويطعمها رغيف أولاده لانها ان جاعت ستأكله هو وأولاده! وفي ديالوج آخر عن العدالة الميتة وعن القهر المستشري في هذا العالم يقول المحامي للضحية: في زمن يتأخر فيه القضاة كثيرا في اصدار أحكامهم وعندما يصدرونها تبقى عديمة الفائدة والجدوى لان المحكومين يكونون قد أصدروا احكامهم بأنفسهم على انفسهم بالاعدام! ولان الموت مخرج من هذا البلاء وتلك الصورة السوداوية الفاتحة فان احدا من شخصيات قلعجي لا يخشى الموت بل ينتظره أو يتمناه ولا بد ان تكون العلاقات الانسانية السائدة في هذا المناخ متوترة الى أقصى حد ومتفجرة بالخلافات في الرأي، ولذلك يقوم قلعجي دوما بتغيير الادوار فالجلاد يصبح هو الضحية لكن لا فائدة فان كل منهما بعيد ويردد ويكرر ما كان يقوله الآخر!! أي ان القدر هو الذي يخلق الهوية والمجتمع والظروف وما الى ذلك ولا علاقة للمجرم بالاجرام ولا للقاضي بالعدالة إلا من تلك الزاوية! ويتساءل المؤلف أما لهذا الألم الانساني من نهاية؟ انه العذاب الانساني الذي يطحننا ومهما دارت الدائرة وتبادلنا الادوار فالشر سيبقى أسود والخير ابيض، انه عالم «السيمتريه» والمتناقضات، وكسرا للحاجز الرابع باحدى مفردات «بريخت» ألغى حبيب غلوم الستارة وأدخلنا كمتفرجين معه في المشهدية المحتدمة والمتصارعة بعنفوان طوال العرض وبالمكياج جعلنا نتساءل بيننا وبين انفسنا ترى هل نحن من اليمين أو اليسار! ولأي فريق ننتمي؟ وقد تعامل حبيب غلوم من منظور علمي موضوعي بحت مع النص بكل اخلاص وطوع كل أدواته لتجسيد فكرة المؤلف بل أفكاره وألفاظه ومفرداته التي سادت واستأثرت بعقل المتفرج وهنا ظلم حبيب نفسه كمخرج اذا حاول ان يتلاشى أو يتلاحم مع النص إلا في مشهد النهاية والذي كان بحق حدثا فنيا قائما بذاته حيث استخدم تقنيات المسرح الحديثة في استدعاء البرق والرعد واستحضار الامطار والثلوج لدرجة انني فعلا شعرت بقشعريرة البرد وتخيلت نفسي مبتلا تماما بالمطر ثم اضاف احدى المفردات الاخراجية الرائعة عندما عبر عن الامل بشرارة كهربائية تلمع وتسطع وسط هذه الاجواء المعتمة! ان الانسان يمكن ألا يكون «فرفورا» والمهزلة الارضية يمكن ان تتوقف ويمكن للفجر ان ينبلج من مدلهمات الظلام والاستبداد، والطغيان يمكن ان يزول انها أغنية النهاية عزفها حبيب بالصورة الصادقة كمبدع حقيقي ليؤكد اكاديميته! وقد نجح فيها بجدارة واستحقاق! أخيرا فان العمل المسرحي أين كان كلاسيكيا تجريبيا طليعيا أو حتى اكاديميا له ما له وعليه ما عليه ويبقى دائما الاتجاه والانتماء وعلى الفنان أن يختار لكن دون أن يتحذلق أو يتعالى على الجمهور احد أهم دعامة للمسرح ومسرح بلا جمهور ... فضاء مطلق!