بيان الجمعة : في ذروة الحرب الباردة استثمرت وكالة الاستخبارات الامريكية موارد ضخمة أثناء سعيها لتطوير سيجار مزيف قابل للانفجار في حال اشعال الزعيم الكوبي فيدل كاسترو له. فإذا نجحت الخطة وفقا لحساباتهم فإن ذلك يعني سقوط كوبا لبلاد العم سام. وبناء عليه، هل يمكن ان يكون زعيم منظمة القاعدة اسامة بن لادن رغم انه متوار في مكان ما عن الانظار بعد ضرب مواقعه ومخابئه في افغانستان.. هل يمكن ان يكون قد توصل الى تطوير بسكوتة بريتزل مملحة قاتلة؟ وأين كان رجال الاستخبارات عندما احتاج جورج بوش الابن لخدماتهم؟ وماذا حصل لمتذوق الطعام الرئاسي الرسمي.. هل تم الاستغناء عن خدماته؟ ربما يكون الرئيس بوش قد أغمي عليه لبضع ثوان لكن ذلك اضطره لمتابعة حشد من الاطباء ممن استضافتهم محطات التلفزيون الامريكية لمناقشة بالتفصيل الممل لحالة الحنجرة الرئاسية، سيما وان معظم الامريكيين لم يسمعوا من قبل عن مثل هذا النوع من الاغماءات. وفي الوقت الذي تنتهي فيه وسائل الإعلام من تناول موضوع البسكوتة المملحة سيشعر نصف أهل البلاد بأنهم أصبحوا خبراء في هذا الموضوع. ولابد ان الموقف كان محرجا للغاية بالنسبة لرجل معروف عنه فخره الشديد بلياقته البدنية وصحته. وأثناء المراحل الأخيرة من معركة الانتخابات الرئاسية كان فريقه الطبي واثقا جدا من لياقته البدنية لدرجة ان السجلات التي أطلقت للنشر في وسائل الإعلام رجحت انه يتمتع بجسم رجل يصغره سنا بكثير. وقد أعاد ذلك الى الذاكرة ما فعلته مارجريت ترودو التي كانت قد تزوجت للتو من رئيس الوزراء الكندي الذي كان يكبرها بفارق كبير في السن حينما أصرت ان زوجها يمتلك جسد شاب في الخامسة والعشرين من عمره ما حدا بمنتقدي ترودو الى التعليق بالقول: «هذا لأنه يحفظه في الثلاجة». ملكية عامة ومادام ان أزمات الصحة التي يتعرض لها الرؤساء الامريكيون تمضي وينساها الناس سريعا فإن بوش ينبغي ان يكون على الأقل سعيدا بأن حنجرته فقط وداخل فمه هما ما تعرضا للفحص والتدقيق والعرض أمام العالم، ففي العصر الحديث اكتشف الرؤساء الامريكيون ان جميع جوانب صحتهم وحياتهم الشخصية باتت الآن ملكية عامة. والرئيس الاسبق رونالد ريجان لم يضطر فقط لمواجهة الحرج الشديد الناجم عن اخضاعه لجراحة استكشافية في الامعاء عقب اصابته بسرطان الامعاء ولكن ايضا لتحمل مهانة عرض صور تخطيطية لمؤخرته في التلفزيون والصحف، وهو السلوك المخزي الذي أثار استياء زوجته نانسي. بيد ان تلك كانت معاملة رحيمة بالمقارنة بمشاعر الخزي والمهانة التي عانى منها الرئيس كلينتون. فأثناء المراحل الأولى من دعوى التحرش الجنسي التي رفعتها بولا جونز ضده ألمحت الأخيرة إلى ان لكلينتون علامة فارقة مميزة في مكان ما بجسمه، وكان هذا التلميح كافيا للترجيح باصابته بما يعرف «مرض بيرون»، ولكن قبل ان تشرع وسائل الإعلام بتناول هذه القصة بتفصيلاتها المحرجة سارع كلينتون الى عرض نفسه على اختصاصي في البحرية الامريكية والذي أعلن ان الرئيس طبيعي ولا يشكو من أي شيء منهيا بذلك الجدل. والمثير للاهتمام ان الرئيس كلينتون لم يكن متحمسا لاظهار تاريخه الطبي، فقد لوحظ في واشنطن انه أطلق للنشر تفاصيل قليلة بالمقارنة بخصومه في انتخابات العام 1992 والعام 1996، ما أثار تأويلات حول ما يمكن ان يخفيه كلينتون، وقد اقتبس كاتب مسلسل «الجناح الغربي» هذه الحبكة في قصة هذا العمل الذي يروي حكاية رئيس يلعب دوره الممثل مارتن شين يحاول اخفاء مرضه عن ناخبيه. وجورج بوش الأب تماما مثل الابن مهووس بالرياضة لكن ذلك لم يمنعه من الاصابة بفرط في نشاط الغدة الدرقية في مطلع العام 1991، وهو الحدث الذي عندما تم الاعلان عنه أدى الى ترجيح بعض المعلقين بأن ذلك هو ما يفسر هجمته الشرسة على صدام حسين أثناء حرب الخليج وتوثبه للانقضاض عليه وكأنه صقر. وقد اتبع ذلك بتلك اللحظة الشهيرة التي تقيأ فيها على بنطلون رئيس الوزراء الياباني اثناء مأدبة رسمية وهو الموقف الذي وجده البعض منصفا في ظل ما حدث في بيرل هاربر. وقد ذهبت احدى محطات التلفزيون الى حد الاعلان عن وفاة بوش اثر تلك الوعكة الصحية ما أثار حالة من الفوضى والارتباك التي لم تدم طويلا، وكان دان كويل حينئذ نائب رئيس الولايات المتحدة في ذلك الحين وبالتالي كان على بعد «دقة قلب» فقط من المكتب البيضاوي. وقد زعم آنذاك في واشنطن بأن كويل كان يرافقه رجلان مسلحان من وكالة الاستخبارات الامريكية بأوامر لاطلاق الرصاص عليه اذا ما حدث أي شيء لبوش. لكن المخاوف اليوم تختلف فيما يخص ما يجب فعله في حال تعرض بوش الابن لأزمة صحية. ولا أحد يشك في كفاءة نائبه ديك تشيني لكن شعار «على مسافة دقة قلب من الرئاسة» وهي العبارة التي اخترعت عندما سعى الشاب ريتشارد نيكسون لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة في العام 1952، هذه العبارة لا تبدو لائقة لوصف رجل تعرض لأربع نوبات قلبية ويعيش على جهاز لضبط ضربات القلب. والواقع ان الثنائي بوش وتشيني لديهما أدنى معدل جماعي لضربات النبض في التاريخ الامريكي. وعندما وعد بوش «بتغيير سرعة الايقاع» عقب حقبة كلينتون الصاخبة فقد كان بالفعل يعني ذلك. تطفل له ما يبرره وانبهار الامريكيين بصحة رؤسائهم قد يبدو وكأنه تطفل أو افتقار للذوق، ولكنه ليس بالامر غير المبرر أو اللاعقلاني، والذنب يعود لمجموعة من الرؤساء الامريكيين الذين أخفوا عن عامة الناس مشاكلهم الصحية الخطيرة بشكل جزئي أو حتى تام. فلو عرف الامريكيون ان الرئيس جون اف كينيدي يعاني من مشكلة آلام الظهر الشديدة، والتي كانت تتطلب منه أخذ جرعات كبيرة من الادوية المسكنة ما كان سينتخب. ففكرة انه ربما يكون قد تعرض لتقلبات مزاجية حادة نتيجة تعاطيه لتلك الادوية أثناء أزمة الصواريخ الكوبية هي مفزعة للغاية. والنوبات القلبية والجلطات التي عانى منها الرئيس ايزنهاور خلال فترة حكمه الأولى غطى عليها مساعدوه السياسيون ممن كانوا يريدون التحقق من قدرته على ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية. أما فرانكلين روزفلت فقد كان يخفي مقعده المتحرك عندما يظهر أمام الناخبين، في حين ان وودرو ويلسون كان في حالة من العجز أو الاعاقة عقب اصابته بجلطة خلال العام الأخير من حكمه اضطرت معها زوجته وأكبر مساعديه السياسيين الى ادارة البيت الابيض نيابة عنه. ويصبح اليوم مستحيلاً على أي رئيس اخفاء حالته الصحية عن عامة الشعب. والثمن الذي يتم دفعه مقابل هذا الاهتمام المشروع بالصحة العامة لرئيس الولايات المتحدة هو التطفل المفرط فيما يتعلق بأي عارض صحي تافه قد يصيب الأخير، مثلما حدث عندما علقت قطعة بسكويت في حنجرة بوش الابن اثناء مشاهدته لمباراة كرة قدم فغص بها وراح في اغماءة استمرت لبضع ثوان تسببت في سقوطه على الأرض واصابته بكدمة عجز عن اخفائها عن الكاميرات. وقد تعلم بوش من هذا الموقف ان حتى اختياره للمقرمشات التي يتسلى بتناولها أمام التلفزيون لن يكون بعيدا عن أعين وسائل الإعلام وميلها لاجراء تحليلات طبية على كل ما يستحق أو ما لا يستحق الذكر. ولولا صلة الفول السوداني بالرئيس جيمي كارتر بحكم امتلاكه لمزرعة منتجة للفول السوداني لنصح بوش باستبدال البسكويت المملح بالفول السوداني. ابتسام احمد