حين يصيب العربة عطب فجائي يضطر صاحبها الى زيارة الكراج. بعض من أصحاب السيارات يتفادى هذا القطع الاضطراري بالمحافظة على صيانة دورية بعد كل عدة آلاف من الكيلومترات. قليل جداً من هؤلاء الذين يحرصون على سلامة سياراتهم، يزور العيادات لاجراء فحوصات شخصية منتظمة فيجبره الألم على مقابلة الطبيب. ربما لأن العيادة ليست مثل الكراج يخضع المرء فيه كالسيارة إلى صيانة. ما رأيك في زيارة كراج لصيانة البشر؟ أكاد أجزم أن المحاولة الأولى ستحرضك على اعادتها. ان لم تستسلم لاغراء الكراج فانك لن تنجو حتماً من فتنة المنطقة المحيطة به. تلك بقعة عالقة بين الأرض والسماء تضج بالكثير المثير من بهاء الطبيعة. على حدبة فسيحة من مرتفعات جبال الألب السويسرية يرقد منتجع كرانز مونتانا. المنطقة الجبلية المتدرجة بأشجار السرو الشاهقة والكثيفة تطل على وادي نهر الرون. كرانز مونتانا منتجع لا هو بالمصيف المطلق ولا هو بالمشتى الصرف اذ يزاوج بين أحلى مزايا المصيف وأجمل مواصفات المشتى. رغم وجوده بعيداً عن ساحل البحر إلا أن الطقس هناك يجعلك تحس وكأنك على شاطئ الأبيض المتوسط. الخضرة تزحم الافق المكتسي ببياض الجليد والسحاب الذي يمر لا ريث ولا عجل على مدار السنة فوق القمم. الشمس الساطعة تكسر من حدة البياض وتتكسر على القمم الجليدية فيبدو الافق كالمرايا. البيئة تشكل اطار ثرياً تتفتح فيه أكمام الطبيعة والخضرة والماء والهواء الطلق في هدوء محبب تتخلله حركة انيقة لأناس لن تخطئ تمتعهم بأسباب الرفاهية وشغفهم بمباهج الدنيا. من الواضح على المقيم والزائر ان الحياة كانت سخية معهم سخاءها مع المنطقة نفسها. كرانز مونتانا على ارتفاع 1500 متراً فوق وادي الرون تتيح لك اكتشاف المخبوء بين قمم الألب في منطقة تزخر بسحر أسر اذ يتلاقى في انسجام نادر عطاء الطبيعة وأجمل ما يمكن ان يصنعه الانسان للاستمتاع بذوق رفيع. ثمة متسع للتسلق ومضمار للتزلج. مجال للألعاب في الميادين المفتوحة وصالات للممارسات تحت السقف. ثلة من الفنادق المبطنة بوسائل الراحة العصرية متناثرة وسط الأشجار. في المنطقة واحد من أكبر ملاعب الجولف على نطاق العالم ضمن مجموعة من الملاعب لهذه الرياضة الارستقراطية. هذا المحيط الطبيعي البكر يتيح للمرء فرصة غسل رئتيه وانسجته الدقيقة بالاوكسجين الخالص النقي وشحن نفسه بطاقة تعينه على المثابرة اليومية. في أحد الفنادق في المنطقة كراج للعناية على نحو أكثر دقة باجراء «عمرة» كاملة للجسم والعقل والروح. الزائر يجد في ذلك الفندق الخدمات المتوفرة في كل فندق «خمس نجوم» لكنه يجد خدمة اضافية من نوع خاص أشبه ما يكون بـ «كراج» للبشر. الزائر الذي يرغب في الاستمتاع بهذه الخدمة يلتقي في البداية اطباء يجرون فحوصات تخصصية في ضوء نتائجها الفورية يحددون نوع الخدمة التي يمكن تقديمها للزائر وقائمة الطعام التي ينبغي اتباعها طوال مدة الاقامة داخل الفندق. داخل هذا «الكراج» توجد خدمة لغسل الرئتين من كل مظاهر التلوث العالقة فيها. هناك قسم خاص يغسل الأمعاء. مدير الفندق باتريك بيرود نصحني بخوض التجربة قائلاً ان غسل الأمعاء مثل غسيل الدماغ يشعر المرء عقبه بارتياح كمن يحلق في فضاء. يوجد كذلك قسم لـ «اصلاح» أي خلل في العظام. بالاضافة الى خدمات «التزييت والتشحيم» اللازمة لمغالبة اثار الزمن وازالة التجاعيد والبثور والتشوهات الخرقاء. ربما يتبادر انطباع بأن المسألة ليست أكثر من مركز طبي متنوع الخدمات غير ان «الكراج» السويسري يقوم واقع الامر على فلسفة خاصة محورها الوقاية والاسترخاء والانعاش وليس العلاج كما أنه يتميز بأن هذا المثلث يستمد جذوره من النبات اذ العناية التي تقدم للزوار تستخلص كلها من النباتات فقط ولا تتداخل فيها أية عناصر كيميائية. هذه الخدمات يوفرها اخصائيون في المجالات المتباينة. فقسم الدلك لا يهتم فقط بالاعطاب المظهرية ولكنه يتوغل في الجسد لعزل مسببات التوتر الناجمة عن الضغوط النفسية والوجبات غير الملائمة بل ربما العقاقير الطبية كذلك ولهذا يتم استخدام وصفات نباتية خالصة لغسل الكبد والكلى مثلاً. ثمة نباتات طبية شافية لكن هناك صعوبة او استحالة في تناولها بالفم لعدم استساغتها أحيانا أو تشبعها بعناصر تضر الأمعاء ولذلك تجد في جناح بالكراج رجالاً طاعنين في السن منقوعين في أحواض أحياناً ونساء اقدامهن في احواض أخرى ساعات طوال حتى يتسنى للجسم امتصاص خواص تلك النباتات المذابة. هناك بركة للسباحة داخل الفندق لممارسة الجمباز المائي لزوار يرى اخصائيون ضرورة ممارسته لحالاتهم. الوجبات التي يتم تحديدها للزوار طبقا لحالاتهم كلها من الطبيعة الطازجة. داخل الفندق صيدلية لتناول الوصفات الطبية وداخل الصيدلية قسم لخلط الأدوية من نباتات وجذور وثمار وأوراق نباتية من مدارات العالم المختلفة. انها تجربة مفيدة داخل كراج نادر فقط ينقصه قطع الغيار