المناعي خارج اطار المكان والزمان وبدون نص قدم رؤيته الفنية في العالم من بعد فلسفي بسيط وعميق يؤكد على ان الناس جميعاً ولدوا عرايا ثم ارتدى كل منهم وبالصدفة الثوب الذي يحدد هويته الآن.. وهذا الاستهلاك الحسن يؤكد براعته وذكاءه الفطري في كيفية الارتياد والصعود الى المسرح فمن وسط الجمهور في الصالة ومن الشوارع الخلفية دائما يأتي المناعي: على متن أبي الفنون! هكذا جاءت مسرحية «لو خاس الملح شو بنملح» من تأليف محمد بو خشيم ومن اخراج عبدالله المناعي لمسرح كلباء الشعبي ومن بطولة مجموعة من شباب المسرح: محمد العامري، عبدالرحمن الملا، أحمد ناصر، جمعة علي، محمد سبيت، عبدالله محمد ويعقوب علي. ومنذ البداية نجح المناعي في التأثير علينا وحتى قبل الدخول الى صالة العرض حيث فوجيء الناس بالممثلين شبه عرايا يتألمون ويتحركون ببطء في ردهات وممرات المبنى وهم يتأتئون ويتلعثمون في اخراج الكلمات كمتسولين مساكين أو تعساء لكنهم ما ان امتطوا خشبة المسرح حتى صاروا كالمناعي تماماً متمردين غاضبين وثائرين على كل القيم المعرفية السائدة!! ولهذا انقسموا الى قسمين شعب شبه عار جائع خائف مذعور ومرعوب لكنه على علم تام بالحقيقة والقسم الثاني ببذته العسكرية كشرطة أو سلطة قهرية تقوم بالضرب والتنكيل والتعذيب بسبب وبدون سبب! لا توجد مشاهد متتالية ولا اي حوار أو ديالوج بين أي شخصية واخرى ولا تغيير في الديكور ولا أحداث درامية متصلة ولا حدوته أو عقدة مسرحية ولا حبكة أو دبكة أو إيقاع سوى هذا المشهد المستمر والمعبر عن الظلم الانساني والتسلط والقمع وسط صرخات رافضة ومتألمة وتعبيرات جسدية شاقة ومضنية ممزوجة ببعض الجمل القصيرة الموجزة والمكثفة والتي تعلق على الاوضاع مثل نشرة اخبار موجزة ومباشرة ومليئة بالمشاهد المأساوية عن احوالنا! هي صرخة الأبكم أو الأخرس في وجه الجلاد وهي مسرحية العبث واللامعقول كما قرأناها في ابداعات صمويل بيكيت منذ زمن بعيد لكنه لم يقدم لنا أي وعظ أو ارشاد وانما مفارقات مسرحية وبعض القفشات التي خففت من وطأة المأساة على حياتنا السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية والفنية ومشكلة التطور والتجديد والعادات والتقاليد والمصطلحات والمسميات في الفن المسرحي تحديداً وحبنا للجنس وأخيراً حبنا للارض والوطن الذي نعيش فيه كالغرباء... كوكتيل جديد للمناعي من تأليفه هو على ما أظن ولا يتجاوز هذا النص المسرحي صفحة أو اثنتين او على الاكثر ثلاث فالصمت والاشارات والتأوهات ابلغ من الكلمات في معظم المقاطع التي تقدم محاور مباشرة لندوة فكرية متعددة الموضوعات! والمناعي هذا كمؤلف مشارك رئيسي في النص يريد ان يستحضر الدنيا كلها على خشبة المسرح لكنها الدنيا التي يستنكرها وينكرها لما فيها من بؤس وشقاء مثل أي فنان عدمي لا يرى غير البشاعة والقسوة وغير واجهة العصر الخربة وهذا هو التشخيص الواضح للعدمية عنده أو همجية العالم الذي يريد أن يرى موته أو نهايته!! أو كما يقول نيتشه: ان حضارتنا الاوروبية تتحرك منذ امد طويل بتوتر عنيف يزداد من جيل إلى جيل نحو شيء كأنه الكارثة الشاملة فالوجود اصبح ليس له معنى!! وهذه هي سمات مسرح القسوة والصرخة المدوية التي تبكيك وتجعلك تضحك في آن واحد أليس يقال: شر البلية ما يضحك! أخيراً مشكلة المناعي في هذا العرض انه يريد تدمير هذا العالم الذي لا يرضى عنه لكنه يقف عاجزاً تماماً عن القدرة على صنع عالم آخر جديد ولهذا فإنه لا يملك غير تقديم الصرخات المفزعة علها تخيف شبح الموت الذي يريد ان يدمر حياتنا الجميلة!