بيان الجمعة : دعا علماء الأزهر إلى انشاء هيئة على مستوى العالم الإسلامي تتولى مراجعة الاخطاء التي يقع فيها بعض العلماء، مؤكدين على ضرورة الا تطرح بعض القضايا المثيرة للجدل على العوام حتى لا تبلبل افكارهم وتزعزع عقيدتهم والاقتصار على مناقشة مثل هذه القضايا في جلسات علمية خاصة. وجاءت هذه الدعوة في اعقاب وقوع بعض العلماء والكتاب والمفكرين في اخطاء تخالف نصوصاً صريحة في القرآن الكريم والسنة النبوية مثل الدكتور احمد صبحي منصور زعم ان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن اميا وانما كان يجيد القراءة والكتابة مخالفاً قول الله تعالى: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذا لارتاب المبطلون». وجمال البنا ـ المفكر الإسلامي ـ دعا إلى هدم الفقه الإسلامي واستبداله بفقه جديد وزعم ان الفقه القديم هو سبب تخلف العالم الإسلامي. اما اللواء محمد شبل ـ وان كان لا ينتسب إلى العلماء ـ الا انه دعا إلى ان يكون اداء فريضة الحج على مدار ثلاثة اشهر وزعم انه لا يوجد دليل على ان يوم عرفة هو يوم التاسع من ذي الحجة ورغم ان كبار العلماء وفي مقدمتهم الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية ردوا عليه الا انه لم يعبأ بذلك كله ومضى مصرا على رأيه. وازاء هذه التجاوزات طالب علماء الأزهر بانشاء هيئة تتولى مراجعة العلماء في الاخطاء التي يقعون فيها. وأكدوا ان العالم المخلص الذي يتقي الله يراجع رأيه مع من هم اكثر منه علماً ويصوب فكرته قبل ان ينشرها على الناس. وحذروا من الطمع في الشهرة وحب الظهور على حساب الدين لأن هذا قد يدخل العالم في دائرة الردة عن الإسلام. ومن جانبه أكد الدكتور محمد رأفت عثمان رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر ان من واجب المسلم التنبيه على أي خطأ يراه في كتاب أو مقال أو في أي عمل فني أو أدبي انطلاقاً من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالى: «كنتم خير امة اخرجت للناس تؤمنون بالله وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر». وقال ان مثل هذه الاخطاء اذا وصلت إلى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر فإنه يتولى الرد عليها والتصدي لامثال هؤلاء الذين يروجون لافكار غريبة أو شاذة أو مخالفة لما هو مستقر في العرف أو العلم الإسلامي. وأشار إلى ان من واجب كل الجهات الدينية مثل الأزهر ودار الافتاء وكل علماء المسلمين الرد على هؤلاء أيضاً من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالاسلوب الذي لا يؤدي إلى اشعال الفتن بين المسلمين: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن». وأضاف اذا كانت هناك ـ في العمل الفني أو الأدبي في المقال أو الكتاب ـ مخالفة لأمور ثابتة ومعلومة من الدين بالضرورة فإن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر يبحث المسألة ويطالب بمصادرة الكتاب أو العمل الفني المخالف لأحكام الشريعة الإسلامية. مؤكداً ان المصادرة هي الحل الوحيد والحاسم لكل عمل يخالف شرع الله او ينتهك قدسية الثوابت الإسلامية. واذا كان اسلوب المصادرة يحمل البعض على الهجوم على الأزهر ووصفه بالجمود ووصف علمائه بالكهنة الذين كانوا يمارسون سلطة الرقابة والمحاكمة في العصور الوسطى فإن الدكتور رأفت عثمان يرى ان مثل هذا الكلام لا يلتفت اليه لان الأزهر لا يصادر الا ما هو مخالف لاحكام الشريعة الإسلامية أما ما لا يخالف الشريعة الإسلامية فإنه لا يتدخل فيه. العلماء ويؤكد الدكتور محمد المنسي استاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة ان اخطاء العلماء لا يصححها إلا العلماء ويتساءل لكن اين هم هؤلاء العلماء الذين لديهم القدرة وقوة الحجة والاقناع؟ وكيف يصححون؟ وهل يكون التصحيح بأسلوب التشويه والتجريح وتعمد اثارة الفتن والمشكلات؟ ويرى ان المشكلة ليست في تصحيح الاخطاء فالذين يصححون هم العلماء المتخصصون أو الاكثر دراية من غيرهم بتفاصيل العلوم وجزئياتها. ولكن المشكلة في أساليب التصحيح موضحا ان أسلوب التصحيح يجب ان يبتعد عن الاثارة والتشويه والتجريح وفضح العلماء واثارة العوام عليهم ويجب ان يكون تصحيح الاخطاء بأسلوب علمي بحيث ينظر العلماء إلى الخطأ على انه اجتهاد خاطيء وان للمجتهد اذا اصاب اجرين واذا اخطأ فله أجر واحد وبالتالي لا ينبغي ان يعاقب المجتهد على اجتهاده. لكن كيف يكون التصرف مع من أصر على رأيه الخاطيء ورفض توجيهات العلماء له بتصحيح الخطأ؟ يقول الدكتور المنسي: ان المصر على رأيه يدخل في دائرة الردة اذا كان ما يصر عليه هو معلوم من الدين بالضرورة او يتعلق بأساسيات الدين وثوابته مثل الصلاة ولا يحكم عليه بالردة إلا بعد مناقشته وبشرط الا يحتمل كلامه التأويل فإذا كان كلامه يحتمل الكفر بنسبة 99% ويحتمل الايمان بنسبة 1% فإننا نقدم الايمان على الكفر لأنه ينبغي علينا ان نلتمس له ان يكون كلامه على النحو الصحيح فليست المسألة مسألة اصطياد الاخطاء للناس. فإذا كان الأمر كذلك فلا نأخذ الناس بالشبهات. ويرى انه لا يعاقب الا من كفر وجهر بكفره ودعا الناس إليه بأية وسيلة من وسائل الدعوة اما اذا كان كلامه يؤول إلى الكفر فإنه يناقش في كلامه ولن تعدم الأمة علماء يردون على مثل هذا الشخص. ويضيف قائلاً: ان وجود افكار خاطئة لا يضر المجتمع المسلم بقدر ما يفيده ولا يضر الإسلام والمسلمين موضحاً ان هذه الافكار تستنفر حماس المسلمين لدينهم وتجعلهم يتوحدون من اجل الدفاع عنه وهذه مسألة ايجابية ـ في رأي الدكتور المنسي ـ للافكار التي قد تصدم عوام الناس. ويؤكد على ضرورة عدم اثارة القضايا الخلافية المتعلقة بالعقيدة الإسلامية في وسائل الإعلام لان هذا قد يؤدي إلى فتنة بعض المسلمين وزعزعة الثوابت الدينية في اذهانهم مشيراً إلى ان مناقشة هذه القضايا ينبغي ان تكون في مجالس علمية لا يحضرها الا العلماء وحدهم. ويطالب وسائل الإعلام بألا تقتصر على نشر رأي واحد وانما لابد من نشر الرأي الآخر، موضحاً ان هذا هو الوضع الامثل لمواجهة الافكار المنحرفة. وأعرب عن أسفه لان وسائل الإعلام تسمح في بعض الاحيان بنشر رأي واحد لغرض ما، مؤكداً على ضرورة السماح بتصارع الافكار وفي النهاية فإن الفكرة الصحيحة سوف تطرد الفكرة الخاطئة كما ان الناس قادرون على تمييز الخطأ من الصواب. شطحات ويرى الدكتور عبدالحكم الصعيدي الاستاذ بجامعة الأزهر ان ما يحدث لبعض العلماء من شطحات قد يكون الدافع اليه أمور ذاتية تغلب عليهم في مرحلة عمرية معينة، فيعتقد الواحد منهم ان آراءه قضايا مسلم بها حتى لو كانت تصدم جماهير المسلمين. مشيراً إلى ان ذلك بمثابة نوع من الوهم يقع فيه بعض العلماء. ويضيف: نحن لا نريد التضييق والرقابة على العلماء وانما نريد التيسير موضحاً انه ينبغي توجيه نداء لهؤلاء العلماء ان يتقي كل منهم ربه في الكلمة التي تصدر عنه فإذا كان يرى رأيا بينه وبين نفسه فيه خروج على المسلمات والقواعد المعروفة للعامة فإن هذا العالم يجب عليه ان يستشير من يثق بهم من أهل العلم والرأي وان يمحص رأيه ثم إذا وجد في هذا الرأي الخير للأمة في عاجلها وآجلها جهر به ونشره على الناس بعد ان يستخير الله ـ عز وجل ـ حتى يوفقه للصواب لأنه بذلك يكون قد تبرأ من الانانية والاطماع النفسية وبالتالي تحظى فكرته بقبول الناس. ويشير إلى ان العالم الإسلامي يمر بمرحلة تحتاج إلى اعمال الفكر في القواعد والنصوص لكن هذا يوجب علينا الا نقدم للناس آراء غير ممحصة تثير البلبلة بينهم موضحاً ان الامام البخاري ـ رضي الله عنه ـ حينما جمع كتابه ـ وهو اصح كتاب بعد القرآن الكريم ـ لم ينشره على الملأ الا بعد ان أخذ رأي سبعين محدثا اجازوه كلهم دون اعتراض. الوصاية مرفوضة ويضيف انني ارفض الحجر على العلماء أو فرض الوصاية عليهم لكن على العالم ان يرجع إلى من يأنس فيهم الغيرة على كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم. ومن يرى فيهم الصلاح والرشد فيأخذ رأيهم حتى يتجرد من نزعته الشخصية. وأشار إلى ان هذه الاخطاء الكبيرة ظهرت لأن كل عالم اصبح يعمل بمفرده واصبح الخوف على الأمة ومستقبلها خوفاً فردياً أيضاً، موضحاً ان مثل هذا الخوف محفوف بالخطر وان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما تحدث عن عصمة الأمة اشار إلى ان ذلك يتحقق للأمة في مجموعها وليس في كونها مجرد افراد فيقول: «ما اجتمعت امتي على ضلالة». ويؤكد ان العلماء مطالبون بتحري الدقة والرجوع إلى المؤلفات والدراسات والبحوث مشيراً إلى ان آراء الدكتور عبدالصبور شاهين حول قضية خلق آدم عليه السلام ـ ما كان ينبغي له الاقدام عليها. وأوضح انه تتلمذ على استاذ كبير كان عميداً لكلية الزراعة وكانت له آراء في مسألة تطور الخلق لم يكن يصرح بها وانما كان يشير إليها في بعض الاحيان. ويكمل: بعد وفاته زارني اكبر ابنائه وقال ان والدي ترك كتابا عن قضية الخلق والتطور ونأمل في نشره وطلب مني مراجعة الكتاب، وقد استغرقت قراءة الكتاب ستة اشهر وترددت ستة اشهر اخرى حتى اشير عليهم بالرأي وبعد مرور عام كامل قلت لأسرة الدكتور انكم تستطيعون الحصول على ما تشاءون من أموال من وراء نشر هذا الكتاب لأن فيه اراء غير مسبوقة فهو يؤيد نظرية التطور لكن في مقابل ذلك سوف تفتحون النار على ابيكم وسيشكك البعض في عقيدته فأخذوا برأيي ولم ينشروا الكتاب. وحول عدم تراجع بعض العلماء عن الاخطاء التي يقعون فيها يقول الدكتور الصعيدي: هذا يؤكد ان القضية بالنسبة لهم مجرد امر شخصي يبحثون من خلاله عن الشهرة اما لو كانوا يريدون وجه الله لأدركوا ان الرجوع إلى الحق فضيلة مهما ترتب على هذا التراجع من خسائر مادية تنتج عن فسخ العقد بينه وبين الناشر. هيئة إسلامية ويرى الدكتور محمد غانم استاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس انه لا ينبغي ان نقول اخطاء العلماء لأن العالم ـ من المفترض فيه ـ ان يكون باحثاً متميزاً في تخصصه مشهوداً له من العلماء مشيراً إلى ان العالم في الماضي كان لا يجلس في مجلس الاجتهاد أو التفسير أو الخوض في علوم الحديث الا بعد ان يؤذن له بذلك. ويوضح ان الاختلاف في الاجتهاد بين العلماء أمر وارد وان العالم يؤجر على اجتهاده سواء كان مصيباً أو مخطئاً ما دام لا يتعمد الخطأ لأن التعمد معناه الخروج على نصوص القرآن والسنة النبوية. مشيراً إلى ان تعمد العلماء للخطأ أمر مستبعد لأنهم ورثة الانبياء في صدقهم وعلمهم واخلاقهم. ويؤكد ان تعمد العالم الوقوع في الخطأ يخرج به عن دائرة العلم لأن العلم يقتضي ان يكون العالم أمينا على عمله. ويطالب بتشكيل هيئة لكبار العلماء تكون المرجع الاخير الذي يحتكم اليه العلماء عند الاختلاف وتتولى التصدي لمثل تلك الدعاوى والاخطاء من خلال دراسة ما ينشر وتمحيصه من خلال الرجوع إلى النصوص ثم اصدار بيان شرعي يوضح موقفها من القضية محل النزاع. ويرى ان مثل هذا العمل لا يستطيع شخص واحد ـ مثل المفتي أو شيخ الأزهر ـ ان يتحمله ويقترح ان تكون هذه الهيئة ممثلة لكل الدول الإسلامية بحيث تضم أفضل العلماء من كل بلد وبالتالي يصبح رأيها ملزماً لكل المسلمين. ويشير إلى ان ادعياء العلم في هذا العصر كثيرون وان ما يصدر عن المطابع كثير وتصعب متابعته من جانب الهيئات الإسلامية لذلك فإن مسئولية المتابعة والابلاغ عن كل ما يخالف الشريعة تقع على عاتق كل مسلم. حتى تستطيع الهيئة المقترحة حسم المشكلة في مهدها وحماية المسلمين من البدع والفتن. ويرى ان هذه الانحرافات ليست جديدة فقد شاعت على مدار التاريخ الإسلامي وانتشرت فرق ومذاهب استغلت الدين لتحقيق مآرب خاصة. دور الدعاة ويؤكد على ضرورة ان يتبنى الدعاة في المساجد الرأي الذي تشير به هيئة كبار علماء المسلمين وان يعملوا على توجيه الناس وتبصيرهم وكذلك يجب ان يقوم مدرسو واساتذة التربية الدينية بنفس الدور في المدارس والجامعات وكذلك وسائل الإعلام واستخدام كل الوسائل الممكنة لنشر الرأي الصحيح وتعميم الفائدة من البيانات التي تصدرها هيئة كبار العلماء. وعن وسائل مواجهة انحرافات بعض العلماء في الماضي يقول الدكتور غانم كانت المناظرات تعقد بين العلماء من اجل التوصل إلى الرأي السليم بالحجة والمنطق والاقناع موضحاً انه كان ينبغي عقد مناظرة بين الدكتور مصطفى محمود وبعض العلماء حول قضية الشفاعة وكذلك الأمر بالنسبة للقضايا الأخرى، وان تذاع هذه المناظرات في التلفزيون والاذاعة حتى يتبين الناس الصواب من الخطأ. ويشير إلى ان علماء السلف كانوا يواجهون الانحرافات من خلال الكتب والمصنفات فكان الواحد منهم يرد بكتاب يوضح فيه اخطاء كاتب آخر، أيضاً كان الدعاة يواجهون الانحرافات على منابر المساجد بالأسلوب العلمي وليس بالأسلوب الخطابي الحماسي الذي نراه الآن فقد صليت الجمعة في احد المساجد وتحدث الخطيب عن الشفاعة بانفعال لكن لم تكن لديه القدرة على شرح القضية بأسلوب مقنع ولم يحسن الاستشهاد بالنصوص القرآنية والنبوية أو بمواقف الصحابة وبأحداث التاريخ الإسلامي.