بيان 2: منذ حوالي 50 عاماً ومرصد جودريل بانك الفضائي يسيطر على خط الافق في سهل تشيشاير البريطاني. وهذا الطبق الابيض العملاق الذي يرفعه هيكل معقد من الدعامات والعوارض والاعمدة الفولاذية هو اقدم تلسكوب راديوي في العالم. ويبلغ من الدقة درجة تمكنه من اكتشاف الاجسام، الفضائية التي تبعد 10 مليارات سنة ضوئية عن الارض. ومع ذلك فان كل هذا التطور كان سيصبح نهباً للصدأ والرطوبة لولا اعمال الدهان السنوية التي تجرى على هيكله. لهذا، وفي كل صيف، يجتمع فريق صغير من محترفي تبييض المناطق الصناعية ليقوموا بالعملية الدورية السنوية ذاتها. ومع انها مهمة مربكة جدا، الا ان اي شيء يهون في سبيل العلم. في الصباح الباكر من ايام العمل السنوية ينطلق ثمانية دهانين لتنفيذ احدى اضخم عملية تزيين في بريطانيا على ضفة نهر جودريل 20 ميلاً جنوب مدينة مانشستر حيث بني المرصد عام 1957. ومن ابرز معالم المرصد الذي يرتفع 89 متراً طبقة الابيض الضخم الذي يمكن رؤيته من على اميال عديدة. ومع ان كتلة هيكله تبلغ 3.5 الف طن، الا ان الدهانين الثمانية ينهون كل ثلاثة فصول صيف عملية دهان كاملة له تستهلك 12 آلاف ليتر من الدهانات. وبعد ان تنتهي العملية بأكملها يبدأون في الصيف الرابع حيث بدأوا قبل ثلاثة فصول صيف مرة اخرى. وقد يبدو الامر للوهلة الاولى ان هؤلاء لا يقومون بعمل ذي طبيعة استثنائية. فملابسهم ملطخة بالدهانات مثل أي عامل دهان آخر وفي أيديهم يحملون الفراشي ودلاء الدهان. لكن يكفي ان كلا من هؤلاء يكون معلقاً وهو يعمل بحبل يبلغ عشرات الامتار طولا. والمشاركة في هذه العملية ليست متاحة لاي كان. فالعامل يجب ان يكون حاصلاً على أحدث مناهج التدريب على علم تسلق الحبال الصناعي حتى يتمكن من المناورة بأمان بين هذا الهيكل الضخم المعقد. ويعتمد هؤلاء على تقنيات استخدام الحبال والتسلق التي طورها محترفو تسلق الجبال والكهوف وهي التقنيات التي تطبق عند صيانة الجسور ومحطات تكرير الغاز والنفط والأبراج او حفارات النفط العائمة. ويوفر الصيف بساعات نهاره الاضافية الموسم الافضل لدهان المرصد. ولا يمكن نصب السقالات لتنفيذ هذا العمل ذلك ان المرصد يكون قيد العمل ليلاً. ومرصد جودريل بانك وهو احد اضخم ثلاثة مراصد قابلة للتوجيه الكامل بكل الزوايا، يتمتع بمرونة هندسية متفوقة للتعامل مع مثل هذا الهيكل المفرط الثقل. فالمرصد بأكمله يمكنه ان يدور في حركة دائرية فوق سكة حديدية كما ان الطبق الذي يحمله برجان من على جانبيه يمكن امالته للأعلى والأسفل بزاوية قائمة كاملة بين خطين افقي وشاقولي. وبهذه الطريقة يمكن توجيهه نحو أي نقطة في الفضاء البعيد بحثاً عن المجرات والمذنبات والشهب والمستعرات والثقوب السوداء وغيرها من الأجسام الفضائية البعيدة. وطبق المرصد الذي صممه المهندس البريطاني الراحل بيرنارد لوفيل مصمم بحيث يعكس الموجات الراديوية الآتية من الفضاء نحو نقطة محرق متوضعة اعلى مركز دائرته. ويعتبر الطبق المصنوع من الفولاذ والذي يبلغ قطره 76 متراً واحداً من اكثر الاذان على الارض رهافة في الاحساس بالانبعاثات الرادوية الواضحة جدا، على الرغم من ان معظم المواد المستخدمة في انتاجه كانت قطعاً قديمة مستعملة تخلى عنها اصحابها. على سبيل المثال، فان المسنن الضخم الذي يحرك الطبق على مساره صعوداً ونزولاً هو عبارة عن ترس برج مدفع بحرية نزع من سفينة حربية بعد ان خاضت الحرب العالمية الثانية. وتكمن المهارة الحقيقية في عمل هؤلاء المهنيين الاختصاصيين في صعود وتسلق الحبال. فهم كلهم مدربون على المعايير المهنية التي تضعها جمعية محترفي تسلق الحبال البريطانية وهي هيئة حرفية شكلتها عشرات من الشركات العاملة في مثل هذا الميدان او التي توفر التدريب على تقنياته او الصانعة لتجهيزاته. قبل البدء في العمل على المرصد يقوم قائد المجموعة بإعداد عماله نفسياً وعصبياً للمهمة وذلك بالمناورة بهم للأعلى والأسفل حتى تعتاد اعصابهم على الارتفاع الشاهق، كما يخضعون لاسبوعين من التدريبات المكثفة في الموقع. وتتضمن هذه التدريبات اجراءات الانقاذ وفحص المعدات واستخدام تقنيات الهبوط السريع الاضطراري ومهارات التصرف الفردي دون مشورة المشرف. وتقول الجمعية المذكورة ان اعضاءها مجتمعين يقضون سنوياً اكثر من مليون ساعة عمل وهم معلقون بالحبال. ومع ذلك فان الحوادث قليلة جدا لارتفاع مستويات السلامة والتدريب. ويذكر تقرير لها ما يلي: «لقد اظهرت النتائج التي حصلت عليها بأن العمل على الحبال اذا ما تم تنفيذه بالطريقة السليمة فانه يوفر اقل معدلات حوادث ممكنة مقارنة بأي طريقة اخرى للعمل في الاماكن المرتفعة». وفي الوقت الحالي يخضع مرصد جودريل بانك التابع لجامعة مانشستر للحظة تطوير مطولة ومكلفة. ومحور هذه العملية هو الابقاء عليه جزءاً اساسياً من شبكة الرصد الفضائي الراديوي البريطانية. ويعمل المهندسون والعلماء على تعزيز حساسية ودقة المرصد بنسبة ثلاثة اضعاف بحيث تتجاوز حين انتهائهم دقة مرصد هابل الفضائي. وحينما ينتهي تنفيذها سيصبح بمقدور المرصد حسب توقعات العلماء ان يعيش نصف قرن اخر من الحياة العملية ويحصل على الكثير من الدهان الجديد لقوامه المميز كل صيف. جلال الخليل