قبل البدء في التحليل والتعرض لمسرحية «الرحى» لفرقة المسرح الحديث والتي كانت اضاءة اليوم الثالث لعروض أيام الشارقة المسرحية وهي من اعداد مرعي الحليان واخراج ابراهيم سالم، كان لابد من الاقتراب لتجريد النص وفكرته من بعدهما الغربي الى واقع، ومعالجة تقترب من حدود تأثيرهما بالمتلقي في معظم منظومتها الحركية والفلسفية ومدى نجاح تفاعلها مع الوسط الذي تطرح الاسئلة فيه. ولكي تنتج عملا فنيا وبالذات مسرحيا ينبغي ان تستند الى معايير ووسائل تحقق وظيفة ادراك خصوصية المجال الذي سوف تطرح فيه مجمل هذه الاحداث المبنية على ملامح اجتماعية، وان يوضح هذه الصراعات ويكشفها ويحدد طبيعتها ويضيء خفاياها. لذلك فان المعد ـ المؤلف ـ استطاع ان يتوفق في استدراك هذه المعادلات الاجتماعية في أزمة الصراع العائلي دون الاتصال بالأصل أو التأثر بطرحه بقدر استيعابه شيفراته وجعل من التطهير وظيفة اجتماعية مؤصلة في محاولة التغيير من واقع الى آخر بعد ان تحسّس بمجسات سريعة التأثير بالجو العام للصراع. لقد انطلق العرض من هذه «الرحى» التي بدأت تطحن كل شيء: الماضي والحاضر وسقوط الشخصيات والبحث عن محاكم اخلاقية.. فهي الذاكرة والموت والاغتراب والمجهول. انها الارث الباقي من لغة الاجداد، انها تتناسق مع كل الموجودات في بيت صالح من اثاث وجدران واحداث وذكريات آيلة للسقوط بفعل هذا التصدع والتمزق العائلي الذي يهدد وجودها. فحين يلجأ «صالح» الى بيع هذه الموجودات يبدأ نقاش فلسفي عميق بين هذا السمسار الغريب عن البلد وبين الذات عبر اطراف الصراع: «الزوجة» المرأة الحالمة بالمال والدخول في حياة جديدة و«الأخ يوسف» الرجل الثري الذي قطع كل علاقته بالماضي، وأصبح ثمرة جيل جديد استنعم بالثراء غير المشروع ليجمع مالا ينسيه الاب والام والاخ. وجدلية هذه الافعال تدفع صالح للاستغناء عن هذا الارث الذي بات يشكل ماضيا ثقيلا ربما سيوفر البديل له دفع اقساط بنكية هو بأشد الحاجة الى سدادها لكنه في قرارة نفسه يشعر بالتضاد من هذا الواقع الذي بدأ يفرض عليه. فالحياة عنده وغيره ما هي الا سوبر ماركت واسواق ونزهة وربما اصبح متخلفا حينما لا يجاري حياة عصره اما الماضي فهو في سبيل الاندثار او ربما القذف في صناديق قمامة الحضارة. هذا الاصطدام النفسي ينجلي في محاولة اغراء السمسار لـ «صالح»، فان احتواء الاشياء ليس مثل اقتنائها وحينما يرفض شقيقه «يوسف» هذه البيعة لأنها تمثل رموز الماضي وارث العائلة فانه يبدأ بالتطهير الذي جاء متأخرا فالقرار بالبيع قد انتهى والوقت قد تغير والمركب بدأ يسير باتجاه اخر. هذه البنية الدرامية التي برع في حبكها المؤلف مرعي الحليان في «الرحى» تحمل لغة عالية واستدراكا لواقع مرئي تتعالى داخله المونولوجات دون تصادم او مواجهة.. فسياقات النص تبنى على قاعدة العلاقة الوثيقة مع المتلقي الذي بدوره يشكل اساس هذه الحقيقة، فالتحريض على الواقع يعيده للذاكرة ثم يصوغ له خطاب الحاضر، وهو بذلك يقدم انتاج الماضي كأمثولة يتعلم منها الحاضر حيث يبدو جليا في توصيف هذه الاثاث «السامان» بمتانة صنعها وجودتها وقدرتها على احتلال الذي تشغله. ان هذه النباهة والقدرة عند المعد مرعي الحليان في الوصول الى نهاية عرضه تكشفت في كثير من الحوارات، التي كانت تجري على خشبة المسرح بتقنيات عالية وفي زمنين مختلفين غايته توصيل الحقيقة القائمة في اطار ثنائية الظالم والمظلوم فهو يقدم «الرحى» بحكاية تنسج دلالات وتنتهي بطرح السؤال عن معنى الحقيقة. من جهته استطاع الفنان ابراهيم سالم قائد منظومة تشكيل العرض اخراجيا تجسيد هذه الاحداث وفق ميكانيكية الحوار الداخلي للشخصيات في صراعها بين الذات والزمن يتناغم فيها الواقع بالرمز ويدور فيها صراع هائل صادق ومثير ما بين الرغبة في التغيير في نفوس ابطاله وبين التقاليد والأسس الذي تشكل عليها المجتمع. لقد استخدم المخرج اللون الابيض كتعبير ثري عن نقاء الماضي الذي ينعطف ايضا على دواخل جميع الشخصيات المتحركة برؤيا تعبيرية اكثر من ان تكون مرسومة وفق خطة لملء هذه المساحات. ان الاستدراك والتحليل والتصدي عند ابراهيم سالم رفعت بالمسرحية الى التفاعل بين الفكرة ومساحة الفراغ المتروكة للمتلقي وطريقة الهدم الاخيرة كانت صرخته الاحتجاجية على كل ما يدور من حوله.. انها الرفض او ربما الموت الذي هو أهون كثيرا من الزوال. وقد جاءت بلاغة الحوار منسجمة مع بلاغة التفسير الاخراجي للنص، وربما شاهد الجمهور عرضا فيه كثير من الاثارة وحينما نقف عند التمثيل فاننا نرى ان فريق العمل خلية واحدة لا يمكن ان تنشطر، لقد كانت رؤيتهم لهذه الشخصيات التي جسدوها افصاحا عن مكنونات اداء شيق ورشيق.. فقد ظهر مرعي الحليان انسانا غير قادر على هضم زمنه انه قادم من زمن ماض ولكنه بثوب الحاضر.. وربما قد يختلط عند البعض ان الحليان لم يتخلص من ادواره السابقة وهي نصف الحقيقة اذ انه اضاف بعدا جديدا لمجمل أدواره. اما ابراهيم سالم «السمسار» فلاحظناه ممثلا غير قابل للمناقشة انه كتلة من الاحساس والادراك بما يدور حوله.. وممثل قادر ان يقلب كل موازين شخصياته من مآساتها الى كوميديتها وهذه الشمولية تجعل من ابراهيم سالم فنانا متميزا. آلاء شاكر قدمت لنا شخصية الزوجة «سارا» بكل تقنيات الفكرة ونجحت في الوصول الى تجسيدها، كذلك الفنان عبدالله المؤمن الذي كشف لنا انه بارع كما في التلفزيون. اما دلالات الديكور فكانت واضحة بتجسيدها لسينوغرافيا ذات علاقة بالشخصيات والاحداث، انها من صلب الماضي او ربما من صلب الشخصيات نفسها التي قد تبدو في يوم ما محنطة معها. الاضاءة للفنان محمد جمال اضافت ابعادها الحسية والجمالية ومنحت العمل تدفقا للمشاعر اما الصوت فكانت «الرحى» صوتا يدوي في اذان الحاضر.