جميع الناس يغنون في الحمام الا أنا. كلما حاولت تذكرت المحاولات الدائمة منذ الطفولة لمنعي من الغناء، وهي محاولات كنت أعزوها الى الغيرة وكنت ـ وربما مازلت ـ أرى أن صوتي قد يصلح للغناء ولو في الحمام، وعندما تخرجت من الجامعة ، تقدمت للعمل في الاذاعة، واعترضت الأجهزة الأمنية على اعتبار انني كنت شخصا مشاغبا اثناء دراستي، وربما كنت مشاغبا بعدها لكنني لم أدخل امتحانا يقيم الصوت. وأبقى هذا تخيلي أن محاولة منعي من الغناء آتية من غيرة الآخرين. وقد جاءت الضربة القاصمة عندما كنا في رحلة منذ سنوات طويلة عندما أخذت الدكتورة نادية عوض أستاذة الغناء في تشجيع الجميع على الغناء وبالطبع كانت أصوات معظمهم لا تصلح لكنها رحبت بهم وبذلت جهدا كبيرا في دفعي للمشاركة معهم، ولم يكن ذلك سهلا فلقد عانيت الاضطهاد طويلا وبعد تمنع واعتذار بأن حنجرتي ليست في أحسن أحوالها بدأت اشترك معهم في الغناء وفجأة توقفت الدكتورة نادية عوض وطلبت مني أن أكف. منذ ذلك الحين كففت عن الغناء حتى في الحمام، بل بدا لي الغناء في الحمام شيئا بشعا وعندما تلح علي انغام قديمة: ليه تلاوعيني وانتي نور عيني، أو يوما لم أعد أذكر غيره يوم أن رأيته أول مرة أو حتى والله زمان ياسلاحي.. واكبت رغتبي في ترويدها وأقول لنفسي أنه علي أن امتنع تماما على الأقل سأسلم من اتهامي بأنني أغني والله زمان ياسلاحي! وكنت عندما استخدمت جهاز الموبايل أو الجوال أو المحمول أو الخلوى أو ماشئت من اسماء هذا الجهاز اللعين، وجدت نفسي مخيرا لاختيار نغمة خاصة وسمعت عشرات الانغام، لكنني قلت لاولاد العائلة اني اخترت موسيقى: والله زمان ياسلاحي وللاسف لم تكن مدرجة على قائمة الاختيارات وان كان احدهم وعدني بتدبيرها لي ولكن آخر نصحني همسا الا ارتكب هذه الحماقة فربما يسمعها أحد الذين يكرهون فكرة العودة الى سلاح زمان أو ربما اتهموني بأنني ارهابي فالارهاب هو العربي الذي يتحدث عن السلاح. قالوا ان صوتي لا يصلح للغناء، فسلمت أمري الى الله ولكنني رفضت أن اعترف بأنه ليس اذن موسيقية. ولا أحد يعرف، وربما حتى في عائلتنا، أن والدي كان مؤلفا موسيقيا فلقد كان محبا للموسيقى وتعلم وحده العزف على العود وكان يجمع حوله بعض المهتمين بالموسيقى ويتبادلون العزف خفية اذ كان يرى تعارضا بين عمله كضابط شرطة وعزف الموسيقى. ولما بلغ شأوه في هذا ألف عدة قطع موسيقية ليس لدي فكرة عن مستواها وبالطبع لم يكتبها بالنوتة اذ لم يكن يعرفها والشاهد الوحيد الذي يمكنني سؤاله هو أحد الملحنين وكان يتردد على بيتنا ليتبادل العزف مع الوالد وأصحابه وكان يترك زوجته بين نساء البيت حتى ينتهي وكانت فتاة صغيرة بلا ملامح، لا تتكلم، حتى ضاقت بها مضيفاتها. ولم يكن صاحبنا الملحن قد أصبح ملحنا بعد، لكنه عندما انتقل الى القاهرة وجد عددا من الشبان قد تحولوا الى نجوم من كمال الطويل ومحمد الموجي وعلى اسماعيل الى حسن نشأت، فرأى ان له فرصة معهم وبدأ يبحث له عن طريق وعرف ان كل ملحن له أصوات تروج موسيقاه فعبدالحليم حافظ يروج موسيقى الطويل والموجي وبليغ وفرقة رضا تروج موسيقى علي اسماعيل، وحسن نشأت قليل الحظ لأنه لم يجد من يروج له ألحانه. وبعد تفكير قرر أن يحول زوجته الى مطربة. وكان ذلك صدمة للجميع وأذكر أن أبي أتي الى القاهرة ليثنيه عن عزمه، فلقد كان رأيهم انها لا تصلح ولكن صاحبنا الملحن صمم على تجربته، وبدأت اقرأ اخبارا عن الزوجة وبالطبع معها زوجها، بل رأيت صورا لها في المجلات وطلب مني ذات مرة أن أحضر تسجيلا لأغنيه في الاذاعة، ولكن ظروفي لم تسمح بهذا. وقابلتهما ذات مرة في حفلة، وكانا منصرفين، والحا علي ان يأخذاني معهما في سيارة اكتشفت بعد ذلك انها ليست سيارتهما وجلست الزوجة في المقعد الامامي، وجلست مع الزوج في المقعد الخلفي وكانت قد وضعت بالمكياج شامة أسفل خدها، وطمست وجهها بكل الألوان، واصبحت السيجارة لا تفارق يدها وأخذت تتحدث بصوت عال، وتستخدم ألفاظا غير مقبولة وكلما زاد مرحها كلما زاد تضاؤل الزوج الى جواري. ولم أدهش عندما عرفت انها طلبت الطلاق، وكنت أرى الزوج هنا أو هناك زائغ العينين يتابع مطلقته أو يراقبها، أو يسأل عنها ولم يقل لي أبدا أنه اضطر لطلاقها. ولمعت المرأة لحظة أو لحظتين وتاهت في النسيان كذلك زوجها الذي لم أعد أراه، ولا أسمع شيئا عنه. وعندما أتيت الى القاهرة كنت أحمل معي الرغبة في ثقافة متكاملة، وكان بينها أن أسمع الموسيقى السيمفونية. فكنت اتحين الفرص للذهاب الى الأوبرا وغيرها ولكنها كانت مستعصية على الفهم، فاستعنت بكتابات الدكتور حسين فوزي وغيره، واشتركت في مكتبة الفن التي اتاحت لي أن أسمع مااشاء من الموسيقى الكلاسيكية، ولم يكن سماعها ميسرا على مثلي. وكنت فخورا اذ استطعت أن أميز بين حركة في عمل أو جزء من عمل لكنني في النهاية أغلقت ملف الموسيقى والغناء وبدا لي انه اغلق للنهاية. ولكن فجأة وجدتني خبيرا موسيقيا دون تمهيد كما ترى، فبعد مسلسل أم كلثوم طلبت في أكثر من مئة وخمسين ندوة ولقاء تلفزيوني واذاعي وغالبا مايسألون في موضوعات فنية. بالطبع قرأت بعض الشيء اثناء اعداد المسلسل، وسمعت بعض الشيء ولكنني حتى الآن لا أعرف من المقامات الا اسماءها، وعندما تعرفت على مقام الصبا في أحد الألحان توقعت أن يدقوا علي الباب لمنحي وساما في الفندق. ولم انتبه - ومشاغل الحياة كثيرة ـ إلا أن ذكرى أم كلثوم في فبراير، وانه قد مر على وفاتها تسعة وعشرون عاما. وفجأة وجدت الجميع يحتفلون بهذه الذكرى وهذا شيء طيب فلم يسبق قبل عرض المسلسل الاحتفال بهذه المناسبة ايضا أصبح من مستمعيها من لم يعيشوا في زمانها وامال ماهر ولدت بعد وفاة أم كلثوم بثلاثة عشر عاما أو أكثر وهكذا ريهام عبدالحكيم وسلسلة المطربات الصغيرات بل قد حضرت حفلا عزف فيه طفل في الحادية عشرة وغنت معه طفلة في السابعة أغنية أم كلثوم انساك ياسلام وفي حديثي معهما قال الطفل انه معجب برياض السنباطي وهذا دليل آخر على تأثير الدراما التليفزيونية على حياة الناس وأرجو أن تنتبه أجهزة الاعلام الى هذا حتى تمنع مايفسد عقول الناس وقلوبهم وأرجو في نفس الوقت الا تنتبه أجهزة الاعلام الى خطورة الدراما حتى لا تحولها الى اعمال دعائية. المهم أنني اصبحت مساقا الى الندوات واللقاءات التي تتحدث لأم كلثوم، على اساس انني خبير في الموضوع وربما كنت خبيرا في حياة أم كلثوم وعصرها لكن البعض احيانا يسألون في الموسيقى وهنا أعلن جهلي التام بعلم الموسيقى فأرى نظرات الدهشة أو غمزات عدم التصديق. حتى كانت الطامة الكبرى اذ وقفت سيدة جميلة في احدى الندوات وقالت انها ستطلب مني شيئا وترجو مني أن أحققه لها، فقلت لها أنني أؤكد لها أنني سأفعل ماتريد بشرط قدرتي على ذلك. لم تقتنع بالاجابة وأخذت تلح، قلت لها أن أحدا لا يستطيع رفض طلب لها الا اذا كان عاجزا عن تحقيقه كأن تطلب مني محادثتها باليابانية ولكنها ظلت تلح. وطلبت في النهاية أن أغني لهم: جددت حبك ليه وكأنها الصاعقة خاصة وأن أصواتا ايدتها ولو انها لم تكن كثيرة. وحكيت لها كيف انني الوحيد في العالم الذي لا يغني في الحمام، وانني ممنوع من الغناء بأمر من أستاذة الغناء. لكن السيدة الجميلة قالت أن هذا من قبيل دلال الغنائيين، وانها رأت ذلك مع لطيفة ومحمد الحلو وعلي الحجار. وخلسة طلبت رقم الدكتورة نادية عوض، لكي اسمعها هذا الالحاح الجميل، لكنها لم ترد. وزاد الالحاح، وزاد تمنعي وأظنكم تعرفون انني لم أغن والدليل على ذلك انني مازلت قادرا على كتابة هذا الحديث!