بيان 2: الفنان الاماراتي محمد يوسف هو ثاني أكاديمي يصل لدرجة الماجستير ويستعد لرسالة الدكتوراه في الفن بعد حبيب غلوم ويعتبر من جيل الرواد في الساحة وعمل على صعيدين مهمين طوال ما يقرب من ربع قرن في الفن التشكيلي والتمثيل على خشبة المسرح في عدد من الأعمال التي أسست للحركة المسرحية برمتها، مثل مقهى بوحمد تأليف القطري عبدالرحمن المناعي وإخراج الكويتي فؤاد الشطي حيث أدى محمد يوسف أربع شخصيات رئيسية وكذلك في مسرحية رصاصة داخل السوق لحسين المسلم والقائد والمسيرة لمجدي كامل و«رأس المملوك جابر» لسعد الله ونوس، و«دوائر الخرس» للمنصف السويسي و«رحلة السندباد» لإبراهيم جلال وغيرها من الأدوار المختلفة والمتعددة في مسيرة المسرح بالامارات. ويعطي محمد يوسف كممثل مسرحي مثقف أبعاداً سيكلوجية مهمة للشخصية التي يجسدها بتلقائية وأداء راقٍ مختلف تماماً عما يفعله الآخرون. خلال هذا الحوار نتعرف منه على الكثير في مشواره الفني . ـ بداية أنت نجحت كفنان تشكيلي نجاحاً لا يستطيع ان يتجاهله أحد على المستوى العملي والعلمي حيث حزت على درجة الماجستير في الفنون الجميلة لكنك أخفقت كثيراً كممثل مسرحي من جيل الرواد فكيف تنظر لهذه الاشكالية في مسيرتك؟ ـ لا أستطيع ان أنكر هذه الحقيقة التي تواجهني بها منذالبداية وأنا معك تماماً في انني كممثل مسرحي بقيت في الظل لما يقرب من ربع قرن من الزمان وهذا ليس سهلاً ولا يعوضه نجاحي وتألقي كما تقول في الفن التشكيلي لسبب بسيط وهو ان المسرح عندي سبق التشكيل فمنذ منتصف السبعينيات قدمنا أعمالاً يغلب عليها طابع الحماس والنقد الاجتماعي المباشر في نصوص عربية يمكن وصفها آنذاك بأنها مقتبسة من مصر والكويت وغيرها، وتجرى أمرتتها لكنها كانت البدايات التي أسست لحالة فنية جديدة كبناء مهم جداً في الحياة الثقافية وبوجه عام حركت الساحة عن طريق الاذاعة والمسرح وكان هذا هو همنا في تلك الفترة كجيل كامل يهدف إلى تحريك الساحة الثقافية برمتها. ـ كيف ترى الرسم والتشكيل كفنان مسرحي وكيف تعبر عن المسرح كفنان تشكيلي؟ ـ دعني أقول لك ببساطة ودون التعمق في نظريات فلسفية وفنية ان المسرح صور في الذاكرة يقوم المخرج عن طريق الممثلين والممثلات بتحريكها واستنطاقها وبث الحياة فيها على المسرح بينما فن الرسم والتشكيل هو صور متحرك ةفي الحياة يقوم الرسام بتجميدها وهذا التناقض أو التضاد في المعنى يعطيك أبعاداً فنية وفكرية عالية الحس والمعنى إذا تم استخدامها بشكل واع ومدروس! ـ اعتقد انك من المؤهلين للقيام بالإخراج أكثر من غيرك، فهل هذا مشروعك المؤجل في وقت يقوم فيه بالاخراج كل من هب ودب؟ ـ كمخرج احترم نفسي وأحترم أدواتي وان أقوم أولاً بتكوين صداقات حميمية مع الخشبة ومع الكوادر المسرحية المهيأة فعلاً لتقديم الأعمال التي تعبر عن طموحنا وتطرح قضايانا بشكل فني راق ومتميز لأن الاخراج عناصر وأدوات لابد ان أمتلكها ثم الفكر والعمق والخيال أيضاً، وأتمنى ان آخذ فرصتي هذه في الاخراج من خلال مكاني في مسرح الشارقة لأقدم اخراجياً الشيء الجديد وبالفعل تستطيع ان تصفني بأنني في حالة ترقب فني! ـ مهرجان الشارقة المسرحي على الأبواب وفي نفس الوقت هناك آراء حول تطويره ليأخذ أشكالاً أهم وأجدى فما رأيك؟ ـ أنا معك ومع كل الذين يطرحون الآراء والأفكار الجميلة والجديدة والجريئة ولكن بشكل علمي مدروس وبشكل واقعي أيضاً ومع ذلك لا يجب ان ينسى أي واحد بأنه لولا مهرجان أيام الشارقة المسرحية الذي يدعمه مادياً ومعنوياً صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لتوقفت الحركة المسرحية تماماً بالدولة وللآن وبحق يعتبر الشمعة الوحيدة التي تضيء في سماء المسرح بالامارات ولولا هذا المهرجان لما برزت العديد من الأسماء التي تألقت في الساحة منذ سنوات مثل ناجي الحاي، أحمد الأنصاري، عبدالله المناعي، جمال مطر، حسن رجب، أحمد الجسمي، عبدالله صالح وإبراهيم سالم وغيرهم الكثير. تواضع العطاء ـ لكن رغم وجود المهرجان سنوياً والذي يفرز بالفعل العديد من الأسماء فإن العطاء في الفن متواضع قياساً بالبدايات في «أشحفان» وبالتجارب الأخرى في دول الجوار خصوصاً الكويت فلماذا؟ أشحفان نجح لأسباب موضوعية منها أن هذا العمل كان يجسد بصدق انتقال الانسان في الامارات من بيئة البر والبحر إلى بدايات النهضة الاقتصادية والعمران وكل الأعمال وقتها كانت تتسم بهذا التعبير كما ان تلقائية سلطان الشاعر وما يحمله في ذاكرته من مخزون تراثي وقدرته التامة على الالمام بمفردات البيئة المحلية جعله بالفعل فناناً لا يتكرر وقد كان لدينا كذلك فنان بهذه المواصفات هو المرحوم عبدالله مفتاح اضافة إلى ما كانت تمثله لنا الساحة الفنية في الكويت من حافز ومن رافد جعلها تتمثل في اذهاننا عند كل عمل بما أسميه «عقدة الكويت» وكما كان عندهم «درب الزلق» صار عندنا أشحفان لكني أضيف بعداً آخر أو سبباً مهما في اعتقادي ان مجتمع الكويت تجاوز مرحلة الشك إلى الإيمان بدور وأهمية الفن بينما مجتمع الامارات ما زال غير مقتنع بهذا الدور! كما انك تعرف ان جمهورنا حالياً في صراع بين المسرح المحلي والدراما وبين ما يشاهده في الفضائيات وهذا يفرض على الفنان ان يتعمق وان يتوجه للدراسة والبحث لأنه أصبح من الصعب ان يضحك أحد على الجمهور أو كما تقولون في مصر «يستعبط الجمهور» الذي زاد وعيه ويطمح في مشاهدة ابداع حقيقي وآخر هذه الأسباب ان السياسة الاعلامية ضدنا وهذه أهم العيوب والمعوقات وانظر حولك تجد كل القطاعات أخذت حقها في الاقتصاد والتجارة والتعليم والرياضة ولكن في الفن حقيقة الفنان في الامارات يعيش حالة من الغربة في وطنه!! ـ وهل هذه الأسباب جعلتك مهزوماً مسرحياً طوال أكثر من عشرين عاما؟ ـ دعني أقول لك انني محبط لكني لست مهزوماً وأحياناً أرى ان أخطائي تكمن في اني عملت طيلة هذه الفترة في الفن والثقافة ولم أحصل على شيء مما جعلني أحياناً أحلم بأن أكون سائق تاكسي، ورغم ذلك كله فإن الحالة الفنية والابداع الحقيقي داخل الإنسان ضد حالة الانهزام! ـ وهل كان اتجاهك للدراسة الاكاديمية محاولة منك لكسر هذه الحالة النفسية؟ ـ طبعاً أنا معك في هذا التحليل رأيت تلاميذي صاروا موظفين معي تولدت لدى الغيرة أردت أن أكون متميزاً والفنان عليه ان يكون جاهزاً لهذا التميز، هي منافسة أشبه بالحرب وصراع وجود يحفزني من الداخل يدفعني للأعمق لتجديد خلاياي وللبحث عن الأفضل ولكن ومع هذا لم يسألني أي أحد ولم يهتم أي مسئول بدراستي أو بموضوعها بالماجستير ولا حتى برسالة الدكتوراه! وهذا يدفعني للقول ان هناك تجاهلاً متعمداً من المؤسسات والمحطات ونحتاج إلى تقييم حقيقي لا يعتمد على الشللية والمزاجيات ولا على سياسة «فرق تسد» يجب اعطاء كل ذي حق حقه، كما يجب ان يكرم الجيل الذي عمل وتعب وأسس هذه الساحة ذلك الجيل الذي وقف كثيراً في الظل والالتفات إلى الرواد والرموز التفاتة كريمة مثلاً لماذا لا نكرم الفنان سلطان الشاعر في كل المناسبات والمهرجانات؟ تصور ان تستضيف محطاتنا خلال شهر كامل أكثر من ثلاثين فناناً وفنانة من فيفي عبده حتى باسكال مشعلاني ولا يوجد بينهم فنان إماراتي واحد، ماذا يعني ذلك؟ جمعية المسرحيين لا نعرف عن لائحتها أي شيء، وللآن لم تمنحني عضويتها وهي الجهة المعنية بلم شمل المسرحيين. ـ في خضم هذه الصورة الضبابية، مستقبل المسرح كيف تراه؟ ـ أقولها لك صراحة لا سبيل إلا للاتجاه الأكاديمي، عصر الموهبة بدون علم ودراسة انتهى، وكلمة موهوب مطاطية وتحمل الكثير من الالتباس ومن هنا هناك أسماء كثيرة تحسب على الساحة لكنها ليست مبدعة وإعلامنا لابد أن يعيد صياغة اهتماماته صياغة عصرية للوعاء المحلي، نريد إعلاماً يتوجه إلينا مثل الدول المجاورة نريد منه استراتيجية واضحة لأنه من الصعب ان نظل نعيش في حالة من السذاجة. ـ وأخيراً هل تعتقد ان هناك ممثلاً كوميدياً قادراً على تحقيق النجومية في الساحة وكان لك العديد من مثل هذه الأدوار؟ ـ إذا كنت تقصد حاير طاير وجابر نغموش فهو فعلاً ممثل تلقائي وطبيعي وهذا سر نجاحه لكن لا يلون ولا يعمق من أدائه هو لا يفرق بين المسرح وبين الحياة، كلاهما واحد، وهذه الحالة يصاب بها حتى كبار فناني الكوميديا، فمثلاً دريد لحام وعادل إمام وغيرهما استنفدوا كل الاكليشهيات والايفهات والحركات التي لديهم وهذا يتطلب من أي فنان ضرورة البحث عن الجديد كما انك لا تنسى ان جابر في حاير طاير ليس وحده، فمعه أحمد الأنصاري وإبراهيم سالم، وكلاهما من الممثلين الجيدين جدا!