من التقاليد المتوارثة في اليمن خلال الاعياد الدينية والمناسبات كعيد الفطر وعيد الاضحى ظاهرة التكافل الاجتماعي والاسري التي توجب على الفرد في مثل هذه المناسبات القيام بواجباته تجاه الاقارب والارحام عملاً بمقتضيات، الدين الاسلامي الحنيف الذي شدد على الزيارات والمواساة في هذه المناسبات. ورغم ان اليمنيين اكثر حرصاً على الوفاء بهذه الواجبات سواء تجاه اسرهم او الاخرين من الضعفاء والمساكين الا انه خلال السنوات الاخيرة ومع تزايد المصاعب الاقتصادية وتدني مداخيل الكثير من اليمنيين بدأ الكثير من الناس الاحجام عن القيام بما درجوا عليه في الماضي من مواساة المحتاجين وزيارة الارحام نظراً للاعباء المترتبة على القيام بذلك خاصة في عيد الفطر الذي يضاعف هذه الاعباء التي تعقب اعباء شهر رمضان وما يتطلبه من زيادة في الانفاق واذا كان اليمنيون يحرصون على مشاركة الاهل والاقارب افراح واتراح العيد بانتقالهم من المدن إلى قراهم الاصلية فان هذه الظاهرة التي كانت إلى حدود الخمس سنوات تجعل من بعض المدن اليمنية شبه خاوية نتيجة لانتقال اغلب سكانها إلى قراهم ومواطنهم التي ولدوا فيها بدأت في التراجع عما كانت عليه وحتى خلال الوقوف على اراء الكثير من الناس الذين كانوا يحرصون على هجر المدينة للذهاب إلى قراهم يبدو هذا العام وربما اكثر من سابقه العام الماضي ان الاحجام عن السفر إلى المواطن الاصلية في تراجع مستمر نتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة والنفقات الباهظة التي تتطلبها مثل هذه الزيارات. يقول سيف احمد «موظف»: لقد تغيرت الظروف عما كانت عليه قبل عشر سنوات، فقد كنا نحرص على السفر إلى القرية خلال الاعياد ولكن منذ اربع سنوات لم نعد نسافر كثيراً فقدرتنا على الايفاء بتكاليف السفر لم تعد ممكنة كما كانت في الماضي. ويضيف: ان مثل هذه الزيارة تتطلب تخصيص مبالغ طائلة لانفاقها على الاقارب حيث «العوادة» والتي هي عبارة عن مبلغ من المال يقدم للنساء والاقارب والأطفال بمناسبة العيد، ولم نعد نقدر عليه اليوم ولهذا نكتفي بارسال ما نستطيع عليه من المال ليوزع انشاء الله ان تحسنت الظروف ستكون واجباً ينبغي القيام به. خلاف في الرأي احمد الثوابي «بائع متجول» يختلف مع سيف احمد ولا يشاطره الرأي والسبب كما يقول هو ان ظروفه الخاصة تفرض عليه السفر. ويوضح قائلاً: اعمل كبائع متجول في صنعاء طوال العام، ابيع الخضروات لاجمع ما اقدر عليه واسافر للقرية في العيد ففي هذه المناسبة يلتئم شمل الاسرة الواحدة، وانا لي تسعة اطفال ينتظرون هذه المناسبة بفارغ الصبر، اذ تعني لهم الملابس الجديدة أو ملابس العيد. ويضيف: انهم خلال وجودي يتمكنون من تناول اطباق لا يستطيعون تناولها الا في المناسبات بسبب غلاء أسعار الطعام، وبما ان هناك صعوبات كبيرة في توفير الملابس الجديدة، فقد اعتمد السوق اليمني على الملابس المستعملة «البالات» وهي رخيصة ويتم غسلها بالمغاسل الحديثة فتبدو كأنها جديدة وذلك يكون اوفر بالنسبة للكبار اما الصغار فلابد من ملابس جديدة لهم فهي تعني الفرق لهم. ويشير إلى ان هناك الكثير من الميسورين يقدمون يد العون للعديد من الاسر المحتاجة وهذا يساعد على قضاء الكثير من الحاجات والوفاء ببعض المتطلبات. ظروف صعبة الدكتور محمد هزاع يرى ان الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها الكثير من اليمنيين دفعتهم إلى التخلي عن الكثير من العادات والتقاليد التي كانت سائدة في الماضي مشيراً إلى ان المدن اليمنية كانت قبل عشر سنوات وفي ظل الظروف الاقتصادية المواتية تبدو شبه فارغة من السكان حتى ان البعض كان يضطر إلى السفر إلى منطقته لأنه لم يكن ليعثر على مطعم نظراً لأن جميع المحلات والمطاعم تغلق ابوابها بسبب سفر الناس بل جلهم إلى قراهم ولهذا كان الكثير من الناس خاصة الذين ليس لهم اسر في المدن يضطرون للسفر دون ان يعني ذلك ان الظروف الاقتصادية التي كانت سائدة في الماضي ومقارنتها بما هو عليه الحال اليوم لم تكن هي العامل الحاسم وانما أوردت هذا المثل للتدليل على ان هناك أسباباً كثيرة لانتقال الناس من المدن إلى الارياف خلال عطلة الاعياد الدينية. اليوم الأمر تغير كثيراً فالشخص الذي يقضي العيد في المدينة يلمس هذا كثيراً فهو يلاحظ ان هناك العديد من المطاعم تفتح أبوابها وكذلك المحلات والأسواق الخاصة بهم او عملوا على المباعدة بين زياراتهم إلى القرى فالذي كان ينتقل إلى القرية كل عام اصبح يسافر كل عامين او ثلاثة والذين تمتعهم ظروفهم من السفر لا اعتقد انهم يتخلوا عن واجباتهم تجاه الاقارب والارحام أو المعاريف بل ان كثيراً منهم يرسل مبالغ مالية مخصصة لكل واحد ممن الفوا منه مثل هذه العطايا في العيد. تحولات وتغيرات ويخلص الدكتور هزاع إلى القول ان التحولات والتغيرات التي يعيشها المجتمع اليمني حتمت مثل هذه التبدلات في الكثير من العادات والتقاليد في مناسبة الاعياد وكل شخص اصبح يتعامل مع حالاته الخاصة وفقاً لوضعه ولطبيعة عمله لكن هذا لا يعني التخلي عن الواجبات التي درج عليها الناس في بلادنا وكل واحد يفي بها بقدر استطاعته وقدراته ولعل استمرار هذه العادات والمحافظة عليها هي التي مازالت تلعب الدور الاكبر في التخفيف من معاناة الفقر الذي تزايد خلال السنوات الاخيرة وهذه ميزة لابد ان يحافظ عليها الجميع بقدر المستطاع حتى تشيع المحبة والتراحم بين المجتمع. أما علي سالم صاحب بقالة فيقول: ان فرحته لا تكتمل الا بقضاء اجازة عيد الفطر بين الاهل والاصدقاء في مرابع الصبا حيث ذكريات الطفولة والحنين إلى ايامها مضيفاً انه لا يتصور ان يكون سعيداً وفرحاً بأيام العيد لو انه امضاها في غير المكان الذي اعتاد عليه وانه لا يمكن له ان يكون خلال العيد الا في قريته وان اطفاله لا يقبلون بقضاء العيد الا في القرية ولهذا فانه يضطر إلى اصطحابهم لقضاء العيد هناك. ويشاطره الرأي علي قاسم الذي يعمل معه في البقالة ذاتها قائلاً: ان العيد لا يكون عيداً الا بين الاهل وفي مراتع الصبا فهذه هي المناسبة التي تجمعنا بمن عشنا وكبرنا معهم. اما صالح علي فهو لا يخفي اسفه وحسرته عن قضاء العيد بعيداً عن قريته مشيراً انه قضى ثلاثة اعياد في العاصمة صنعاء لكن ذلك لم يكن ليجلب له الفرحة والشعور بحلاوة العيد كما يكون في القرية ومشاركة الاطفال من الاقرباء فرحتهم ومنحهم «العوادة» والهدايا التي تجلب قدراً كبيراً من الراحة للنفس. من الواضح ان العادات التي كان اليمنيون يحرصون عليها في مثل هذه المناسبات لم تعد كما كانت فيما مضى ولكل اسبابه ودوافعه التي تحكمه على ان هناك البعض ارجع احجامه عن السفر إلى كون العيد في هذا العام والاعوام الاربعة التي سبقته صادف موسم الجدب وانتشار الجفاف الامر الذي جعل من السفر إلى القرية غير محبب لدى الكثيرين نظراً لعدم وجود الاخضرار والشعور بأن السفر لن يغير في الامر شيئاً بل ربما فيه قدر كبير من المعاناة والتعب بسبب انعدام المياه والكهرباء ما يجعل بعض الناس ان يفضلوا البقاء في المدن كي لا يتجشموا المتاعب والمصاعب في المواسم التي لا تتساقط فيها الامطار وبعضهم يرجيء السفر إلى الصيف حيث يكون جميلاً والاولاد في اجازة دراسية ما يسمح لهم بالبقاء مدة اطول. واجمالاً ومهما تعددت الاسباب لدوافع السفر او الاحجام عنه فالظاهر ان الكثير من العادات التي ظلت تميز سلوكيات اليمنيين أخذة في التراجع عما كانت عليه في الماضي بل وتزداد في كل عام عن العام الذي سبقه بشكل لاينفي ما للظروف الاقتصادية من تأثير كبير على تراجع الكثير من العادات والتقاليد العريقة.