يبدو من الواضح ان الزمن الذي كان ينظر فيه للتعليم الاهلي نظرة ايديولوجية قد ولى بلا رجعة في ظل التحولات التي يشهدها ويعيشها عالم اليوم الذي من أهم ملامحه تراجع دور الدولة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وترك المبادرة في هذين المجالين للقطاع الخاص الذي صار يعول عليه في أن يعوض بغياب الدولة في كثير من النشاطات التي ظلت زمناً طويلاً حكراً عليها. هذه القناعة باتت اليوم راسخة في ذهنية الكثيرين من اليمنيين الأمر الذي ادى إلى تبدل المواقف وتحول القناعات التي ظلت سائدة في الماضي حيال التعليم الخاص الذي كان ينظر اليه على انه يؤدي إلى الفرز الطبقي والتمايز الاجتماعي واصبح الجميع ينظر إلى التعليم الخاص نظرة اقتصادية استثمارية خاصة مع تزايد وتيرة اعداد الطلبة وعدم قدرة المؤسسات التعليمية الحكومية استيعاب اعدادهم المتزايدة. ومن هذا المنطلق طرح التعليم العالي الأهلي كخيار لا رجعة عنه بغية تخفيف الضغط على الجامعات اليمنية الرسمية رغم الاختلاف حول معوقاته ومشاكله. وفي هذا الاطار يرى الدكتور خالد راجح شيخ ان معدلات الانفاق الحكومي على التعليم العالي تنامى بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة حتى بلغت عام 1998م 11315 مليون ريال حوالي 87 مليون دولار مشكلة نسبة تقدر بـ 3.2% من الميزانية العامة و1.6% من الناتج المحلي الاجمالي وبلغ المتوسط السنوي للانفاق على طلبة التعليم العالي 85720 ريالاً العام الواحد مشيراً إلى ان هذه الارقام بمستوياتها المذكورة لا تبعد كثيراً عن مستوياتها العربية. وتكمن اشكاليتها على الصعيد اليمني في جوانب عدة حيث ذهبت 74% منها للاجور و26% فقط نفقات رأسمالية ما يعني ان هناك تدنياً في معدلات الاستثمار والتجهيز والبحوث والتطبيق والصيانة وغير ذلك، والأمر الثاني ان القيم الحقيقية لهذه الموازنات سلبية اذا ما قورنت بمطلع العقد الماضي لانها تضخمية وبالمقارنة كان الانفاق الحقيقي على التعليم في عام 1995م أعلى منه في عام 1998م رغم زيادة الطلاب بين العامين إلى حوالي الثلث 33% وبتأثير التطور العكسي بين اعداد الطلاب ومستويات الانفاق الحقيقي على التعليم انخفض متوسط الانفاق السنوي على الطلاب من 278 دولاراً عام 1995م إلى 143 دولاراً عام 1998م. ومع ان اجمالي الانفاق الحقيقي لم ينخفض كثيراً بين عامي 98 ـ 1990، الا انه تناقص في حدود 34% بالنسبة للطالب الواحد وذلك بحكم معدلات النمو العالية بالدراسة، فقد ارتفع عدد التلاميذ بين 1990 ـ 1995 في مختلف مراحل الدراسة قبل الجامعية من 22 الف تلميذ وتلميذة الى اكثر من 34 الف تلميذ وتلميذة، كما ارتفع عدد طلاب الجامعات من 42 الفاً الى 707 آلاف بين عامي 90 ـ 95. وهذه الأرقام تمت بمعدلات عالية في النصف الأول من التسعينيات وبالتالي فقد كان انخفاض الانفاق على التعليم «انخفاض للقيم الحقيقية» واذا ما رغبت اليمن الوصول بنسبة طلاب التعليم العالي الى معدلاتها في الدول النامية متوسطة الدخل حيث كانت نسبة طلاب التعليم العالي من اجمالي الملتحقين بمختلف مراحل الدراسة عام 1995م قد بلغت 19% فان عدد طلاب التعليم العالي المفترض في اليمن وفق مؤشرات عام 1998م هو 633 الف طالب وطالبة وهو رقم يزيد 4 مرات ونصف عن الرقم الفعلي وعن معدلات الانفاق الفعلية فالمفترض الوصول بالانفاق على التعليم العالي وحده إلى أكثر من 15% من الموازنة العامة. أما عن معدلات الطلاب في التعليم العالي في الأردن والمغرب أو مصر لتضاعف المبلغ وأصبح ما يعادل ربع الموازنة العامة، اما وفق معدلات الانفاق على التعليم العالي في البلدان النامية «من دون الدول الاقل نمواً» فان العبء يتضاعف إلى مبالغ فوق طاقة الدولة المالية وتتضاعف إلى حد الاستحالة اذا تحركت كل مشكلات وهموم التعليم الكمية والكيفية في كل مراحل التعليم. وبالتالي فان مشكلة تمويل التعليم ليست خصوصية يمنية بل تكاد تكون عامة ولكنها اعمق في الدول النامية والفقيرة منها. النظرية والتطبيق وبالنظر إلى المعطيات السالفة يرى الدكتور خالد شيخ هناك مشكلة عويصة تبرز بشكل جلي في تدني الالتحاق بالكليات التطبيقية حيث تشير المؤشرات إلى ان 70% من الطلاب يلتحقون بالكليات التطبيقية فيما يذهب 90% إلى الكليات النظرية وان ذلك يبرز حجم الخلل في نوعية التعليم ومخرجاته التي غالباً ما تكون فرص العمل امامها محدودة للغاية وهو مالا يتواكب مع تحولات العصر ومتطلباته. وتكشف هذه الوضعية واقع التعليم العالي في اليمن ويقول راجح شيخ: سمح اليمن وضمن برامج تحرير السوق في التسعينيات بالاستثمار في التعليم العالي لسببين الاول ذو خلفية منهجية اي من منطلق الايمان بحرية السوق والاستثمار والاخر تمويلي ومدفوع بضغوط الانفاق التي تفرضها الزيادة الكبيرة للملتحقين بالتعليم وشح الموارد بأمل ان يساهم الاستثمار الخاص في التعليم بتخفيف قدر من الاعباء التمويلية من الميزانية العامة. ونشأت خلال التسعينيات حوالي ثمان جامعات اهلية الا انه وبالنظر لحداثة عمر هذه التجربة في اليمن وشح البيانات عنها من الصعب الادعاء بامكانية تقييمها تقييماً موضوعياً ولهذا يمكن الاكتفاء بابراز بعض الملاحظات منها: ـ ان الاستثمار الاهلي في التعليم العالي اتجاه صائب في المنهج وفي اطار مواجهة صعوبات التمويل الحكومي للتعليم العالي وحيث ان الاستثمار في التعليم استثمار طويل المدى وعالي الحساسية فمن المهم ان يكون التأسيس القانوني والتنظيمي والاكاديمي لهذا الاستثمار نوعياً. ـ ان دخول معظم سكان اليمن في الوقت الراهن تحت معدلات دخل متدنية ولهذا فان سوق التعليم العالي في اليمن حالياً محدود الفرص في الاستثمار وهذا يضع بنوداً على حدود المساهمة التي يمكن ان يضطلع بها الاستثمار الاهلي في التعليم لذا سيستمر الدور الاساسي للتعليم العالي الحكومي لوقت بعيد في المستقبل. وبالتالي ضيق قاعدة المقتدرين يكبح فرص الاستثمار المجزي. ـ لكي تكون الجامعات الاهلية مفيدة للطلاب لابد لها من ان تعتمد على مبدأ الجودة في كل شيء. ـ ان أهم مصادر الالتحاق بالتعليم العالي الاهلي في الوقت الراهن هي ابناء المهاجرين اليمنيين في الخارج وبعض ابناء الميسورين وليس كل الاغنياء وبعض الوافدين من الدول العربية. من جهته يرى الدكتور بدر سعيد الاغبري ان وجود الجامعات الاهلية لها دوافعها وأهمها زيادة الطلب الاجتماعي على التعليم العالي، عجز موارد الدولة عن تخصيص موارد اضافية جديدة للتعليم الجامعي، سيطرة السوق على الاقتصاد اليمني، تدني نوعية التعليم بالجامعات الحكومية وانخفاض كفاءتها، القصور في ايجاد بدائل مناسبة للتعليم الجامعي ويعتقد الدكتور الاغبري ان الجامعات الاهلية والخاصة الموجودة حالياً في اليمن تخالف احكام الدستور اليمني الذي حث على مبدأ تكافؤ الفرص لجميع المواطنين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وهو نص الزامي للدولة ولكافة أجهزتها بكفالة تكافوء الفرص بكل الطرق المتاحة في حدود احكام الدستور ومن بينها عدم السماح بحدوث ما يمس مبدأ تكافوء الفرص بدون استثناء، كما نصت المادة 53 من الدستور: على «ان التعليم حق للمواطنين جميعاً تكفله الدولة بانشاء مختلف المدارس والمؤسسات الثقافية والتربوية وتهتم الدولة بصورة خاصة برعاية النشء وتحميه من الانحراف وتوفر له التربية الدينية والعقلية والبدنية وتهييء له الظروف المناسبة لتنمية ملاكاته في جميع المجالات. الا ان هناك ضغوطاً داخلية قوية ظلت تطالب بأن يكون للقطاع الخاص دور في التعليم الحالي وانشاء الجامعات الاهلية، وتحقق لهذه القوى الضاغطة ما ارادت من خلال تعديل القانون رقم 8 الخاص بالجامعات اليمنية لعام 1995. فقد عدل القانون المذكور بالقانون رقم 30 لسنة 1997 الذي أكد على: انه يحق للمجلس الاعلى للجامعات الترخيص بانشاء الجامعات غير الحكومية واجازة مناهجها والاعتراف بالشهادات التي تمنحها. وعلى ضوء ذلك تم انشاء العديد من الجامعات الاهلية التي تتضارب الاراء حولها فهناك من يؤيد فكرة انشاء جامعات خاصة تستوعب ابناء القادرين من الراغبين في مواصلة التعليم الجامعي وهناك من يعارض ذلك لان الجامعات الخاصة تتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية وتعد وعاء لاستقطاب فئات اجتماعية متميزة لها القدرة على دفع النفقات المطلوبة ولذا يرى الدكتور الاغبري ان فكرة انشاء الجامعات الاهلية والخاصة في اليمن من القضايا التربوية المهمة التي تحتاج إلى دراسات متعمقة ومتأنية لما لهذا الموضوع من جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية مهمة فضلاً عن اراء المثقفين والمهتمين والاكاديميين الذين يشكلون جانباً كبيراً من الأهمية. اتجاهات عامة ويبدو جلياً ان الاتجاه العام هو استحدث مثل هذه الجامعات مع اختلاف في الكيفية التي ينبغي ان تعمل بها مثل هذه الجامعات وفي هذا الاطار يرى الدكتور عبدالجبار عبدالله سعد من جامعة الحديدة ان التعليم الجامعي الاهلي في اليمن يعاني من مشكلات يتعين التصدي لها، من هذه المشكلات: ثقة المواطنين ـ لم يستطع التعليم الجامعي الاهلي حتى الآن كسب ثقة المواطنين فيه بحيث يصبح منافساً للتعليم الجامعي الحكومي ويؤدي الى الارتقاء بالتعليم الجامعي كما هو معول عليه. ـ التوسع في فتح الجامعات الاهلية دون التأكد من مدى توافر الشروط الضرورية اللازمة لتقديم التعليم وبمستوى افضل مما نتج عنه افتتاح جامعات في مبان غير معدة لتقديم التعليم وانما بنيت لتكون شقق سكنية وشكلت ضرراً على سمعة هذه الجامعات. ـ غياب التشريع الذي ينظم عملية الاشراف على التعليم الجامعي الاهلي ويحدد الضوابط التي عليه الالتزام بها وعدم خروجه عن الاهداف المرسومة له بحيث لا يتحول الى سلعة تجارية يستهدف الربح بدرجة رئيسية. ـ ارتفاع الرسوم الدراسية اذ تفوق قدرة الراغبين في الدراسة وترتب على ذلك قلة عدد الملتحقين في التعليم الجامعي الاهلي واستمرار الضغط على التعليم الجامعي الحكومي المجاني إلي جانب ان المواطن لم يتعود على شراء الخدمة التعليمية واعتقاده بأن ذلك من مسئولية الدولة. ـ عدم توفر الهيئات التعليمية المتفرغة والاعتماد على اعضاء هيئة التدريس العاملين في الجامعات الحكومية وبنظام الساعات مما يخل بما هو مطلوب منه حيث يقتصر دوره على العملية التدريسية ويفقده القدرة على القيام بالنشاط البحثي والمساهمة في الارتقاء بالمستوى التعليمي لطلابه. ـ التركيز على فتح مجالات نظرية للدراسة في هذه الجامعات نظراً لقلة التكاليف التي تتطلبها عدا كلية العلوم والتكنولوجيا التي فتحت عدداً من المجالات العلمية. ـ ضعف القاعدة المادية المتاحة والتي يفترض ان تكون متوفرة بنوعية عالية عما هو متاح في التعليم الحكومي لتشكل مجالات جذب للالتحاق فيها حيث تعاني العديد من الجامعات الاهلية نقصاً في المعامل والتجهيزات. ويرى الدكتور عبدالجبار ان الالتفات إلى هذه الملاحظات واخذها في الاعتبار من شأنه ان يدفع بدور التعليم العالي الجامعي نحو افاق واعدة وهو ما يدركه ويشاطره فيه اصحاب هذه الجامعات اذ تشدد الجامعات الاهلية على ضرورة تفعيل وتنفيذ جملة من التوصيات التي خرج بها المؤتمر الوطني للتعليم العالي الاهلي وخلال اجتماع عقد مؤخراً لمختلف المعنيين بالتعليم العالي الاهلي دعا المشاركون إلى ضرورة الشروع بتنفيذ جملة من التوصيات التي ستمكن هذا النشاط من الاضطلاع بدوره على الوجه المأمول والمرغوب ومن هذه التوصيات: ـ تقويم هياكل الجامعات وأهدافها ووظائفها وأقسامها وفق خطط متوسطة الامد وبعيدة الامد بما يمكنها من تأدية الأدوار الجديدة المناطة بها تجاه الفرد والمجتمع بحيث يتم التأكيد على دورها في مواكبة التقدم العلمي واعداد القيادات الاساسية والقوى العاملة المطلوبة. ـ مواصلة التوسع في التعليم العالي بنوعياته ومستوياته كافة والعناية بما يعزز الكم والنوع معاً وبما يضمن استيعاب الاعداد المتوقعة من خريجي المدارس الثانوية وتوفير مستلزمات التوسع. ـ اعادة النظر في التشريعات المنظمة للتعليم العالي وبما يضمن استيعاب الاتجاهات الجديدة للتعليم العالي، تفاعل اكبر بين الجامعة والمجتمع والبيئة المحيطة، اسهام ايجابي للمجتمع في تمويل التعليم العالي بالطرق الممكنة وبما يتيح تنمية الموارد الذاتية لمؤسسات التعليم العالي التغطية القانونية للتعليم العالي الأهلي في اطار تشريع يحدد شروط وحقوق وواجبات التعليم العالي الاهلي، تنظيم العلاقة والشراكة بين التعليم العالي الحكومي والاهلي. ـ تقديم الدعم المادي والمعنوي للجامعات من خلال زيادة الانفاق على التعليم العالي الحكومي ودعم التعليم العالي الأهلي والبحثي واعتبار الاستثمار في التعليم العالي استثماراً متميزاً ومنحه مزايا وتسهيلات لاتقل عن حدها القانوني في قانون الاستثمار، منح الجامعات الأهلية اراض حكومية وقفية بدون مقابل لتقيم عليها منشآتها التعليمية أو تأجير مبان حكومية لها بأسعار رمزية، وايصال الخدمات العامة إلى منشآتها دونما اعباء على الجامعات. ـ منح الجامعات تسهيلات ائتمانية بفوائد رمزية وميسرة وفترة سماح وسداد طويلة، بشمول التعليم العالي الاهلي بنظام الدعم او الاقراض للطلاب من عائد الرسوم، دراسة سوق العمل وتحديد احتياجاته. ـ اعادة النظر في تشكيلة المجلس الاعلى للجامعات بحيث يستوعب في عضويته جميع رؤساء الجامعات الحكومية والاهلية وممثلي قطاع الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني. هذا التباين واستثمار واقع التعليم العالي الأهلي من قبل المهتمين والمعنيين بقدر ما يقف على هذه الظاهرة مستجلياً حدود فعاليتها وافاقها المستقبلية فانه في الوقت ذاته لا ينفي أهمية الدور المأمول في التعليم العالي للجامعات الخاصة لاسيما في بلد كاليمن يعاني من شحة في الموارد التمويلية اللازمة بيد ان المضي في التعليم العالي الاهلي بمثالبه وعيوبه ونواقصه المالية كما يوردها المعنيون لا يمكن ان يؤتي اكله دون مراجعة الخطوات المنجزة حتى الآن والشروع ببداية جديدة انطلاقاً من تلك التوصيات التي وضعها المؤتمر الوطني الأول للتعليم الأهلي