بيان 2:أ حياناً تقفز الافكار الابداعية الى الذهن على نحو غير متوقع، وهذا ما حدث على وجه الدقة في حالة تشارلي باتون الذي ابتكر طريقة لري البيوت الزجاجية في المناطق الحارة الرطبة التي لا تتوفر فيها المياه العذبة. ويروي باتون تجربته قائلاً: «كنت اسافر في حافلة عبر الصحراء في المغرب. وكانت الحافلة مليئة بركاب تغمرهم قطرات المطر لان السماء كانت تمطر في الخارج قبل صعودهم للحافلة. وكسا البخار النوافذ». كنت متعباً، وخلدت الى النوم مسنداً رأسي الى منشفة وضعتها على زجاج النافذة. وعندما استيقظت وجدت ان المنشفة كانت مشبعة بالماء، حتى انني اضطررت الى عصرها. وهذا ما جعلني افكر في سبب ابتلالها الى هذه الدرجة». الاجابة بالطبع هي التكثف، وبعد ان عاد باتون الى وطنه في لندن، شرح له صديقه الفيزيائي فيليب ديفيس ان زجاج النافذة الذي بردته الامطار الهاطلة خارج الحافلة، عمل بدوره على تبريد الهواء. وتساءلت عما اذا كان بالامكان انتاج كميات من الماء تكفي لري الحقول وانماء المحاصيل الزراعية. واليوم بعد مرور عشر سنوات، اصبح حلمه حقيقة، تجسدت في بيت زجاجي ضخم على جزيرة صحراوية قبالة سواحل الخليج ليكون بذلك اول نسخة قابلة للتطبيق تجارياً من «البيت الزجاجي المروي بمياه البحر» والان يعمل علماء خليجيون مع باتون بموجب ترخيص من شركة «لايت وركس» حيث يقومون بري الصحراء وانماء الخضار فيما يمكن اعتباره آلة تقطير عملاقة تنتج الماء العذب والهواء البارد نسبياً من الشمس ومياه البحر. وقد فاز باتون بالجائزة الاولى في مسابقة تصميم قبل عامين، وفي حفل التكريم وصف ماركو جولد شميد رئيس المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين الابتكار بأنه فكرة رائعة تنطوي على امكانات قد تؤثر في حياة ملايين الاشخاص الذين يعيشون في الاراضي الساحلية المحرومة من المياه العذبة في انحاء العالم. وبالتعاون مع صديقه ديفيس نجح باتون في تمويل افكاره وتصميماته المبتكرة الى بيت زجاجي فريد من نوعه بقياس 4518 متراً، وهو الآن مليء بالخيار والطماطم والجرجير والازهار. تنتهي السنة الاولى في التجارب هذا الشهر ويعتقد باتون ان تقنيته على وشك الاقلاع تجارياً، حيث يقول: «الاشخاص الذين اعمل تحت رعايتهم في الخليج يتحدثون عن بناء 400 من هذه البيوت الزجاجية التي ترتوي ذاتياً من تكثيف بخار مياه البحر. ولدي مشروع جاهز للانطلاق في منطقة الكاريبي وآخر في عمان وثالث في جنوب افريقيا» تفاؤل كبير ويبدي المراقبون تفاؤلاً كبيراً حيال التقنية المبتكرة. فالبيت الزجاجي «التريفي» ـ نسبة الى جزيرة تنريف من جزر الكناري والتي جربت فيها التقنية لأول مرة عام 1995 ـ يستطيع نظرياً انتاج 40 لتراً من الماء يومياً كحد اقصى لكل متر مربع من البيت الزجاجي وهو ينتج عادة ما متوسطه 20 لتراً للمتر المربع. ويقول فيل هاريس من جامعة كوفتري، وهو مستشار دولي لشئون الزراعة العضوية ان هكتاراً واحداً من هذه البيوت الزجاجية يمكنه نظرياً انتاج 350 الف خسّة او 50 طناً من الفاصوليا الفرنسية سنوياً، مع الابقاء على 80 بالمئة في مياهه لاستخدامات اخرى. ويوافق هاريس على ان التقنية يمكن ان تحدث تحولاً كبيراً في انتاج الخضار والزهور ونباتات الزينة في عشرات من البلدان القاحلة الحارة والمشمسة التي تعاني من عجز في المياه العذبة، بشرط ان يكون لها خط ساحلي بالطبع. كما يتباحث باتون ايضاً مع شركات السياحة البيئية وغيرها من الجهات المهتمة في بناء مستوطنات مكتفية ذاتياً في مناطق قاحلة. ويتألف تصميم باتون من ثلاثة اجزاء رئيسية. مقدمة البيت الزجاجي تواجه الريح السائدة، بحيث يهب هواء الصحراء. الحار الجاف الى الداخل عبر الجدار الامامي المصنوع من الكرتون المثقب. والذي يبقى رطباً وبارداً باعتدال بفضل سيل هزيل من مياه البحر يضخ من الخط الشاطيء المجاور لينساب بهدوء على الجدار. وبعد ذلك تتبرد مياه البحر المتبخرة وترطب الجو في الداخل. في شهر يونيو الماضي على سبيل المثال عندما كانت درجة الحرارة الخارجية في منطقة الخليج 46 مئوية، لم تتجاوز الـ 35 درجة داخل البيت الزجاجي. وبينها كان الهواء في الخارج جافاً، وصلت درجة الرطوبة في الداخل الى 90 بالمئة، ويسمح الهواء الرطب البارد نسبياً للنباتات بالنمو بشكل اسرع. ولأن كميات المياه المتبخرة في الاوراق تكون ضئيلة جداً، فان حاجتها من الرطوبة تنخفض بشكل دراماتيكي. لذلك فان نباتات باتون نمت وازدهرت مستهلكة لتر ماء واحد لكل متر مربع يومياً، بالمقارنة مع ثمانية لترات لو كانت خارج البيت الزجاجي. والجزء الثاني ايضاً في البيت الزجاجي يقوم بتبريد الهواء للنباتات. فقد بنى باتون سقفاً مؤلفاً من طبقتين. طبقة خارجية من الولثين الصافي واخرى داخلية مغلفة تعكس الاشعة تحت الحمراء. يمكن للضوء المرئي ان يتخلل السقف المركب ليزيد فعالية عملية التخليق الضوئي الي اقصى حد، في حين يتم احتجاز الحرارة الناتجة عن الاشعة تحت الحمراء في الحيز الواقع بين طبقتي السقف دون السماح لها بالوصول الى النباتات. مؤخرة البيت والعنصر الثالث يقع في مؤخرة البيت الزجاجي، وهو بمثابة الوحدة الاساسية لانتاج المياه. قبل ان يدخل الهواء الرطب في البيت الزجاجي الى هذه الوحدة، يختلط بالهواء الجاف الحار المحتجز بين طبقتي السقف وهذا يعني ان بمقدور الهواء امتصاص المزيد من الرطوبة لدى مروره عبر جدار كرتوني رطب آخر. واخيراً يصل الهواء الحار المشبع بالرطوبة الى مكان التكثيف، وهو عبارة عن سطح معدني يحافظ على برودته بتعريضه لسيل متواصل من مياه البحر. وتتشكل على المكثف قطرات من الماء المستقطر الصافي وتسيل الى خزان يوزع المياه لرّي المحاصيل. ويمكن القول ان البيت الزجاجي يدير نفسه بنفسه الى حد كبير. ان تواجد قواطع حساسة تشغل كل شيء تلقائياً عندما تسطع الشمس وتعدل تدفق الهواء ومياه البحر على مدار ساعات النهار وفقاً للتغيرات في درجة الحرارة والرطوبة وضوء الشمس. وفي الايام الخالية في الرياح تشتغل مراوح كبيرة لضمان استمرار تدفق الهواء عبر البيت الزجاجي. ويقول باتون: «حالما يتم ضبط البيت بما يتلائم مع البيئة المحلية والا نحتاج لاستقبال اي شخص هناك للاشراف على عمله. ويمكننا تسيير العملية برمتها على مأخذ كهربائي يوفر تيارا قوته 13 امبيرا فقط. وفي المستقبل يمكننا تحقيق استقلال ذاتي كامل بتوليد الكهرباء ببضعة الواح طاقة شمسية. علي محمد