لو أتيح لك ان تتسنم مربأة تراقب منها ايقاع الحياة في هذا العصر لاستوقفتك حركات يعييك تعقبها ورصدها، ويدهشك شيوعها في كل ميدان من ميادين الحياة، وهي حركات سريعة متواترة تنتقل من المعاصم الى الاقدام انتقال امواج الكهرباء تبدأ بقفزة من اليد اليمنى، الى كم اليد اليسرى، فتحديق العينين الى مقص الزمن المغروس في كل ساعة مغروسة في كل رسغ، وتنتهي بإطلاق القدمين من عقال الأناة في مشية يتحول فيها الخطو الى خبب، والخبب الى ركض على نحو متسارع متدافع، كأن سياطا تسوط الظهور والجنوب، وتقول لمن يتلكأ: ويلك ان ابطأت او نكصت!! فالركب ماض، والارجل تستبق، والمتسابقون يدوسون في مضمار التنافس من يعروه الكلال. لقد اصبحت سلطة الزمن الخفية قاهرة جلية، تفجر ما تضغطه، وتحول حرية المطامح الى لهاث قاتل، وترهق الانسان،وهي تمنحه حق الاختيار، بأغلال تفترس حريته التي حرص على امتلاكها، وتفترسه وهي توهمه انه يفترس سواه، فيجري في الميدان غير عابيء بمن حوله، فإن التفت لم يلتفت ليعرف ما قطع من الطريق، بل ليعرف موضعه من المتسابقين فإذا هو في الساقة المنساقة خائر يلهث. ولما كانت السرعة سمة العصر، فقد انتقلت آثارها من الواحد الى المجموع، ومن المجموع الى الواحد، وفشت فاشيتها في الاعمال، وغدا هم الناس بلوغ الرغاب ولو تسلقوا الرقاب غير مبالين بمن يخنق ويسحق، وبما يتبعثر ويتكسر، واغرب ما في هذا السباق المحموم ان المتنافسين يتساقطون على الدروب ثم ينهضون ثم يتساقطون ويتناهضون لكنهم لايدركون ان اسرعهم الخاسر، وان أقدرهم على درك الغاية اعجزهم عن درك السعادة، لانه يدفع من أعصابه وأمنه وسكينته وطمأنينته ثمن ما يحوز، فهو لا يبلغ ما يبلغ الا بعد ان يتلف الجسد، ويحرق العصب، ويرهق القلب، وهبه اجتنى مما تمنى فهو لا يربح الجنى الا بعد ان يصبح عاجزا عن الاقتطاف مطرحا في الظلال، يحسد العصفور المتوثب من فنن الى فنن، والنحلة الجوابة بين زهرة وزهرة. نحن لا ننكر ان اللهوجة هوية العصر الحديث، وان الغزارة وجه من وجوه النشاط الانساني، وانه لا سبيل الى كبح هذا الزمن المنطلق الى نهايته بسرعة ستبدو ضربا من البطء والوقوف في الزمن القادم، وانه لا جدوى من الدعوة الى الزهادة فهي توأم البلادة، غير ان تصنيف السرعة في زمرة الفصائل، وسراية عدواها من مجال الى مجال، ومن طائفة الى طائفة خطر ماحق، يجب التريث والتلبث عنده، فالمرء لا يجد، بعد ان القى مقاليده الى الآلات السريعة، عاملا يتقن، ولا سلعة ترضي، ولا صانعا يلذه ما يصنع. التكاثر صرف الناس عن الاخلاص، والاعتزاز بمقدار ما يملكون شغلهم عن التنافس في اجادة ما يعملون وفيم التجويد وسبل الكسب الرخيص ممهدة، وسلالم التسلق الى المجد منصوبة على الجدران في كل بنيان؟ وحسب الصاعد ان يعتلق قدم من فوقه ليرقى، ويحذو حذو من علاه ليعلو بلا تفكير مسبق، ولا تخطيط محكم. واذا كان لكل عصر سنة متبعة، او بدعة غالبة، فلا نجاة لاحد من التأثر بما يكنفه مهما يقاوم، ولا قدرة له مغالبة الرغبة الجائعة ولو صام او تعفف، ان البشر في الانصياع للاطماع وفي الانضواء تحت ابط الاحتذاء سواء، سواء منهم من احترف صناعة، ومن اتجر ببضاعة ومن حمل قلما، ومن نصب نفسه قاضيا لمحاكمة هؤلاء واولئك، لانه لا يستطيع ـ مهما يتبرأ ويتأثم ـ ان يعيش في عصر غير عصره. حتى الكتاب والشعراء ومتذوقة الجمال ومبدعوه ونقدته انتظموا في القافلة، وساروا مع الحداة، يسرعون الى تسلق قمم الشهرة قبل ان يمتلكوا اسبابها، ويتهافتون على تسنم المناصب قبل ان يصبحوا اهلا لاحتمال التبعات، ولهذا تراهم يقطفون العناقيد وهي حصرم، ويضعونها على موائد الادب قبل ان تنضج، فإذا قيل لهم عنبكم حامض صخبوا وشغبوا، واتهموا أفواه الناس بالمرض، والسنتهم بالجفاف، وأذواقهم بالبلادة او الانحراف. عد، اذا شئت، الى ما كان ينشر في الرسالة والهلال قبل ستين سنة، واقرنه بما ينشر في مجلات هذه الايام، وقس اسلوبا الى اسلوب، وكاتبا الى كاتب، ثم احكم غير متحيز الى هوى او مذهب، وما اظنك ستكون راضيا عما تفضي اليه المقارنة والمقايسة، وما اظنك الا ساخطا على ما آلت اليه اساليبنا من ارتجال وهزال، كان لكل كاتب من جيل العمالقة طريقة يتفرد بها، واسلوب في العرض يعرف به، وشكل من اشكال البناء اللغوي يميزه من سواه، وشخصية ذات قسمات وسمات تطل عليك فتعرفها بسيماها لا باسم صاحبها، فاذا قرأت سطرا او سطرين من مقال قلت قبل ان تعرف كاتبه: هذا وقار طه حسين، او عمق العقاد، او رشاقة الزيات، او ظرف المازني، او تزمت الرافعي، اما اليوم فأنت تأتي على المجلة من الجلدة الى الجلدة، فلا تميز اسلوبا من اسلوب، بل تجد المكتوب فيها يجري على نسق واحد، كما تصدر المصانع سلعها من نمط واحد، فإن تميز اسلوب من سواه فبالجرأة على اللغة، والخروج على النحو والمباهاة بالخطأ وبالضجر من النقد، وضيق الصدر بالنصح. ولو اعتصم كاتب بالأناة والاتقان، وآثر التحكيك على الارتجال، والتثقيف على الابتذال، فهذب وشذب، وتأنق وتحقق رميناه نحن المرتجلين بالوعورة والنشوز، وزعمنا انه واغل علينا، وافد من غير هذا العصر، وانه لا يمثل زمانه أي تمثيل. وتلك لعمري مزية المجود، وفضيلة المتقن، وخصيصة المخلص لنفسه ولفنه. انه لا يكتب ليتاجر بما يكتب، ولا يطلق ساقيه للريح فيفوز بقصب السبق في زمان كثرت جوائزه واشتد التنافس على حيازتها، ولا يغذ الخطا ليلحق بالركب في ميادين ازدحم فيها المتبارون وقل المجلون والمصلون. لقد فشت فاشية الارتجال، وآل الفشّو إلى عتو، وغدا عتوها مرضا مزمناً مستوطنا يصيب بعدواه كل مظهر من مظاهر الحياة والنشاط الفكري. والأدب واحد من هذه المظاهر، لا يستطيع ان يعصم نفسه، ولا ان يقيم في صرح ممرد شاهق الأسوار، مقفل الابواب والنوافذ، يحجبه عن ايقاع العصر. ومن يحسب بالأرقام سرعة المتغيرات من حوله يدرك مبلغ التسارع في كل شيء يتحرك، ونشاط فني يُمارس. فالسيارة اليوم تقارب سرعتها سرعة الطائرة قبل ستين سنة. والقُطر السريعة خلّفت القديمة تدب وراءها دبيب الدودة خلف الظبي، ورسامو الصور الساخرة (الكاريكتور) يخطون في دقيقة واحدة قصة كاملة بأحداثها وشخوصها. حتى الفقهاء نسوا ان أسرعهم الى الفتوى أسرعهم الى النار، فراحوا يفتون على الهواء بلا تلبّث ولا تريّث، وهم يعلمون ان دنيا الناس وأخراهم أمانة في أعناقهم، وان كلمة سريعة منهم قد تُحِل حراماً أو تحرم حلالاً. ومع ذلك يتعجلون ويرتجلون. فكيف يبطيء الأدب وموكب الحياة كله سريع؟ لما كان الأدب موصول النسب بالحياة فعجلته ستظل مشدودة الى عربتها المتسارعة، ولا سبيل الى عرقلة الحركة المستمرة، أو تثبيط التيار المتدفق الا بكوابح قوية تشد الى عجلة الأدب، وأهم هذه الكوابح روية الأديب ورقابة النقد: أما روية الأديب فتنبعث من إيمانه باتقان التراث القديم قبل صنع الأدب الجديد، وباعتقاده ان الشهرة ثمرة التجويد، لا قفزة في الفراغ. حينئذ يعكف الأديب على القديم فيدرسه دراسة الراغب في الافادة منه، وعلى الجديد فيجوّده تجويد الحريص على جبّ الغيبة عن نفسه. وأما رقابة النقد فإنها ليست شكيمة تُغلق شفتي الأديب، وتمنعه من قول ما يحب أن يقول، وإنما هي وسيلة لتجميل ما يقول، وتبرئته من الملحون والمضعوف، ومحكمة أدبية تصدر حكما ولا تطالب بتنفيذه لأنها لاتملك حق التنفيذ. والغرض من حكمها النصح والتوجيه، والتسديد والتنقيح، ثم تقييد الاندفاع المتهور بالأناة، وجعل النشر مرهوناً بشيء واحد هو الاجادة، فإجادة المبنى تشفع للنص فينشر. ورداءة المعنى يُترك البت فيها للنقد. وأنا زعيم ان إجادة المبنى مرتبطة بعمق المعنى، وانها لا تتاح الا لمن حصف فكره، واتسعت ثقافته، وغدا قادرا على تحليل مشكلات الحياة تحليلاً هادئاً. أترانا قادرين في وسط هذا العصر الصاخب على التزام الرويّة، والاحتكام الى النقد؟ أم سنبقى نلهث وراء الشهرة، فيكون أديبنا كالمُنْبَتّ، لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى!!