اتفقت الغالبية العظمى من آراء النقاد والفنانين المشاركين في ندوة مناقشة عرض مسرحية «الرحى» على انها قد استوفت متعة العرض المسرحي بما فيها من اراء جادة تناقش وقائع حياتية ذات مساس بحركة المجتمع وفي طرح جريء مفجراً اسئلة، متتالية كانت بحاجة الى اجوبة شافية مما ترك انطباعاً على ان لغة المسرح كانت راقية في ايصال المفهوم العام للفكرة التي جاءت من اعداد متقن وامين للفنان مرعي الحليان عن مسرحية «الثمن» للكاتب الامريكي آرثر ميلر إخراج الفنان ابراهيم سالم وتقديم فرقة المسرح الحديث. وكان مدير الندوة الدكتور محمد حسن عبدالله الذي توسط معد ومخرج المسرحية على المنصة قد قدم شرحاً وافيا لهذه المسرحية من خلال نصها الاصلي الذي كان يؤشر بوضوح الى تمزق العالم الرأسمالي من خلال عائلة امريكية، ومتسائلا: لماذا اختيرت هذه المسرحية بالذات لنتقدم في مجتمعاتنا العربية بعد ان حظيت باهتمام في اقطار مثل: الكويت ومصر وسوريا والان الامارات، مؤكداً ان قوة النص وثراء فكرته كانت عاملاً مساعداً للغوص في احداثها وتقديمها للجمهور.. ومن هنا جاء الاعداد الاماراتي اميناً، وحافظ على جميع الشفرات ليقدم لنا الشخصيات المتعارضة بسلوكها وامنياتها في صراع مستمر بين القديم والحديث.. ثم ترك الباب مفتوحا للحوار. اول المتحدثين الفنان المسرحي الاردني غنام غنام الذي اشار لثراء مفردات العرض المسرحي وعمق دلالاته خاصة في اختيار اللون الابيض الذي عبر فيه المخرج عن النقاء في سريرة هذه الشخصيات، كما ان ديناميكية النص دفعت العرض الى حوار متدفق بين تفاصيل الحياة اليومية بحيث يجعلنا كمتلقين نعتقد ان النص جاء متبنياً فكرته وخارج اطار اصوله التي استوحى منها المعدّ الفكرة والحوار. اما عن حركة الممثلين فقد اشار غنام الى ان هناك بعض الارباك معتقداً بأن ذلك جراء فقدان السيطرة على الحوار حيث كان من الممكن الحفاظ على نظام الحركة لأنها ضمن منظومة متقنة. واعتبر غنام ان مهرجان ايام الشارقة قد بدأ فعلاً بعرض مسرحية «الرحى» انها مؤشر على ما سمعنا عن تفوق المسرح الاماراتي. ثم تحدث د. نادر القنة من الكويت الذي ذهب بعيداً في تحليل المسرحية نصاً وإخراجا مشيرا الى ان مسرحية «الثمن» التي جاء منها الاعداد نص مستهدف في اغلب مسارح العالم، حيث قدمت هذه المسرحية اكثر من «95» مرة شاهد خلالها ثلاثة عروض واحدة منها في الكويت للفنان عبدالعزيز السريع واخرى في امريكا وثالثة في لندن، وكانت قيمة العرض تختلف عن الاخرى وضمن الابعاد الاجتماعية التي تقع فيها الاحداث. واضاف: اعتقد ان مسرحية «الرحى» رغم بعض الملاحظات لكنها بالتالي تقع في اسئلة احياناً بعضها مربكة، غير قادرة على الايضاح.. مثلا اختيار اللون الابيض جاء بالاتجاه المعاكس للفكرة بحيث انه لا يمكن ان يحدث هذا التصادم بين المعنى والمرئي معللاً ان ابطال العرض هم انفسهم هدموا هذا اللون الابيض. كما ان المخرج وقع ايضا في مطبات عديدة في اقتصاد حركة ممثلين وهو ايضا حيث بدأت الحركة احيانا تذهب الى عشوائية غير مترجمة للفعل. اخيراً ان هذه الملاحظات لاتقلل من اهمية عرض مسرحي ممتع وفي لفتة لطيفة قال: سوف اصفّق مرة اخرى للعمل امامكم. اما ابراهيم علام فقد اعتبر في حديثه ان هذا العرض المسرحي من افضل ما شاهده خلال متابعته للعروض المسرحية في الامارات وقال: انه عرض مدهش فيه اسئلة كثيرة ومعالجة واقعية لكثير من السلبيات التي تنتشر كأمراض في المجتمع العربي. من جهته اشار الفنان نواف الجناحي في مداخلته الى فكرة العرض الناجحة في المعالجة لكنه اسهب كثيراً في الحديث عن اداء الممثلين وهي ملاحظات جديدة. كما تحدث الفنان البحريني عبدالله يوسف الذي تمنى ان يعمق العرض دور «الرحى» باعتبارها «التيمة» التي تنطلق منها الاحداث، فالتوصيف والانشغال اليدوي ورائحة الدقيق هي موسيقى منسجمة حيث كان من الممكن الاستغناء عن مفردات هذا الديكور الى التكثيف على «الرحى» وملء فضاء المسرح بغبارها. اخيراً تحدثت الأديبة ريم العيساوي فاشارت الى مستوى اللغة الراقي في العرض وتمنت ان تقلل وحدات الديكور لانها اغلقت بعض المنافذ للحركة ثم اين لغة الصمت بالمسرحية، لكنها اتفقت ايضا ان مسرحية «الرحى» نهج مسرحي بالغ الحساسية. وفي ختام الندوة تحدث معد النص مرعي الحليان شاكراً دائرة الاعلام والثقافة بالشارقة لدعوتها هذه النخبة من النقاد التي تثري العروض. وقال: اننا نعيش زمن ثقافة الاستهلاك الموجهة الينا وعلينا ان نعي ذلك تماماً، وهذا ما اردت طرحه في مسرحية «الرحى». ومن جانبه شكر المخرج ابراهيم سالم دائرة الثقافة والاعلام ايضا مؤكداً ان الجدل الذي اطلقه عرض المسرحية هو المطلب الذي نبحث عنه في فرقة المسرح الحديث.