بيان 2: في مثل هذا الوقت تقريبا من العام 2000 اصبح المتحف الامريكي للفن التخيلي خياليا بطريقة مختلفة ـ عندما قررت مؤسسة المتحف ومديرته ربيكا هوفبرجر ان تقيم في الخريف الماضي معرضا تحت اسم: «فن الحرب والسلام نحو انتهاء الكراهية». ولم يكن عند هوفبرجر فكرة عما سيحدث في 11 سبتمبر وتقول انها كانت عارفة ان «الامور تغلي في العالم» وان النزاع العربي ـ الاسرائيلي سيزود المعرض بما يلزمه من المواضيع، ولكن عندما اصطدمت طائرات مختلفة ببرجي مركز التجارة العالمي والبنتاجون قبل شهر من موعد افتتاح معرضها ايقنت هوفبرجر ان المعرض متوافق مع الازمنة. وتقول هوفبرجر: «عندما حدث ما حدث في 11 سبتمبر سررت لانني لا اقيم معرضا انطباعيا لانه بصراحة لم اشعر بان هناك شيئا اكثر اهمية من طرد النوم من عيني». وطبعا لا احد ممن يعرفون المتحف الامريكي للفن الخيالي يتوقع عرضا محافظا تتقبله الاوساط الفنية، والمتحف يكرم بعروضه الفنانين الذين يرون الامور من زاوية مختلفة ـ الفنانون العصاميون الخياليون الذين علموا انفسهم بانفسهم والذين يأتي عملهم تعبيرا صافيا عن انطباعاتهم الشخصية غير المثقلة باعباء التدريب الكلاسيكي وتاريخ الفن، وفي بعض الحالات حتى بالاعتراف بان ما يصنعونه هو فن. ولعل مثل هؤلاء الفنانين هم افضل وسيلة للتعبير عن الغضب واليأس اللذين تنطوي عليهما الحروب، او الاحتمال المستحيل بحلول سلام مطلق، وفي حين تتسم اعمالهم غالبا بالتبسيط فهم يثيرون قضايا تنطبق على عالم ما بعد 11 سبتمبر وان كانوا يعالجون بفنهم نزاعات الماضي. لقد استعان عميد المتحف مايكل بونستيل، الناقد الفني المقيم في شيكاغو، بماضيه كمناهض واع للحرب الفيتنامية عندما اختار القطع المرشحة للعرض وقال انه كان يخشى ان يبدو المعروض وكأنه مؤرخ الى حد ما بما قبل 11 سبتمبر الا ان احداث ذلك اليوم اقحمت الجمعية لتجاوبه مع الاعمال الفنية التي ينبغي اختيارها. ومن بين الفنانين المشمولين في المعرض الذي افتتح في السادس من اكتوبر الماضي وسيستمر حتى الاول من سبتمبر 2002 ستيفن هام وهو من قدامى المحاربين في فيتنام، ولوحاته الفظة الطفولية المرسومة بالالوان المائية والحبر ـ وقد رسمها لكتاب مخصص للاطفال بعنوان «اشياء تعلمتها من الحرب» مدمرة في اثرها وهي مزينة بتصريحات مكتوبة هي حقائق لا يمكن دحضها مثل: «انك تصبح مجنونا في الحرب وبعد الحرب تظل مجنونا». البساطة والقوة والبساطة مساوية للقوة في هذا المعرض فثمة طوطم منقوش على غرار الاعمدة وبعنوان: «هؤلاء القلائل اثروا على الملايين» يحمل من قمته حتى قاعدته رسوما محفورة تمثل المسيح وابليس ومارتين لوثر كينج والفيس برسلي ورودلف هتلر. ولعل ابرع فنان في المعرض ـ اذا كان مثل هذا التفضيل يتناسب مع الفن التخيلي هو ارفينج نورمان ولوحاته «السوريالية الاجتماعية» التي تحمل تفاصيل دقيقة تصور الحرب كقوة مؤللة تعمل دون مردود من الناس الذين تقتلهم. ولوحة «جرحى الحرب» لنورمان تمثل صحراء مليئة بضحايا مبتوري الاطراف على أراجيح تمتد الى ما لا نهاية في المستشفيات وفي «استعراض النصر» يمكن رؤية وجوه الضحايا في لهب المشاعل التي يحملونها. نورمان ليس من الاشخاص المتفائلين وفي الفسحة الثالثة المخصصة لثلاثية «الحرب والسلام» وهي الفسحة التي يفترض انها مخصصة للسلام ـ يعمل الناس بلا كلل وراء شبابيك ابنية لا سقف لها ولا قعر وهي مزينة بدعايات لشركات دوبون وستاندر أويل وجنرال موتورز. ولعل هذه هي لهجة الازمنة الحاضرة او نبرة ما يأتي قبلها الا ان قسم الختام في المعرض والمخصص للسلام لا يثير اي مشاعر ويبدو ان التفكير بالسلام يجرد الفنانين التخيليين من اصالتهم فينكمشون الى تخيلات بالية من الفردوس حيث يلهو الاطفال والحيوانات مع بعضهم البعض وحيث يتنزه قادة مشهورون من امثال لينكولن وغاندي وكينج ويتفرجون على المناظر الطبيعية ممسكين بأيدي بعضهم البعض. والاعمال الفنية التي تتخيل السلام كنضال وعملية تبدو متناسبة اكثر وتشمل تلك الاعمال لوحة لثورنتون ديال التجريدية عن الوسائط المختلطة بعنوان «المحافظة على السلام» وفيها تطوق قوى الشر ايقونة امل مركزية. وثمة معرض تواصلي باسم «تعال واشرح سلامك» وهو يتيح لزوار المعرض ان يسهموا في عملية السلام، إذ المطلوب من الزوار ان يجيبوا على اسئلة من نوع «اذكر لنا ثلاثة اشياء تحبها عند شخص تكرهه» وثمة كاميرا صغيرة تسجل الاجابات وتخزنها على شاشة كمبيوتر. وطبعا تسجل الكاميرا بعض الاعترافات الفارغة مثل تلك التي يدلي بها على شاشات التلفزيون في برامج «الحقائق» احدى النساء لم تستطع ان تتذكر شخصا محددا تكرهه الا انها تحدثت عما تكرهه نظريا وعما تحبه في اي شخص «يعجبني في هؤلاء الجمال الجسدي والصفات القيادية الجيدة والطرافة الحقيقية». وجاءت اجابات اخرى اكثر تحديدا. احد الزوار لاحظ مقولة مكتوبة على جدار لعالمة الانثربولوجيا مارجريت ميد: «ان وضعنا الانساني لم يعد يسمح لنا ان نمارس تمييزا مسطحا بين الصالحين والاشرار وبين الصائبين والمخطئين ان اول ضربة توجه الى اطفال العدو ستكون توقيعا على شهادة موت اطفالنا نحن». احدى زائرات المعرض اشارت الى ان القول المأثور لميد يمكن ان يفسر على انه انتقاد مباشر للغارات الجوية على الطالبان في افغانستان وقد سألت الزائرة ببلاغة: «هل ينطبق هذا القول على يومنا هذا؟ كم اود ان اري ذلك للناس الكل متأكدون جدا اننا على حق». وقال بونستيل انه فخور بقدرة المجموعة المعروضة على حفز التفكير، واضاف: «لا اعتقد ان احدا يستطيع ان يزور المعرض دون ان يتأثر بوجه من اوجهه او ان يتأمل ما يعنيه بالنسبة اليهم في ضوء ما نمر به».