فلسطين عربية من البحر إلى النهر.. الوحدات بطل الدوري.. «طز» على الوحدات.. فريق الثورة.. المهندس الشهيد يحيى عياش يناديكم.. اذا لم تتعلم في مركزنا ما تريد فسنرجع لك نقودك.. لا تقل وداعاً.. علمته الرماية فرماني.. «م» حبيبتي انا.. يا قلبي يامجروح.. خسارة فيك دمعة.. الحياة مدرسة. في مكان بارز ومدروس بعناية يبدأ بكتابة ما يريد من تعليقات تتراوح بين الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى مروراً بجمل ذات مضامين سياسية أو رياضية وانتهاء بالتعليقات التافهة التي لا تهدف إلى شيء أو البذيئة التي تهدف بصورة ما إلى النيل من شخص ما في الحارة أو الحي أو في المجتمع، وبذلك تستخدم فيها كافة الكلمات البذيئة او التي يراد لها ان تؤذي المعنى. انها الصحافة الشعبية التي لا تباع او تشترى وانما تؤخذ غلابا ـ محاكاة لقول الشاعر ـ صفحاتها الجدران واعمدة الكهرباء والهواتف وهياكل السيارات سواء المنسية في زاوية من الزوايا أو تلك التي ما زالت تسير على الطرقات، والحمامات العامة وجدران المدارس ومقاعد الطلبة وكل شيء عام يمكن الكتابة عليه. ولا نذهب بعيداً اذا ما قلنا انك اذا اردت اكتشاف تفاصيل واسرار وخفايا مجتمع ما فابحث فوق جدرانه وما تظهره اشياؤه العامة من كلمات. فليس صعباً عليك ان تكتشف وانت مار في اراضي المملكة على سبيل المثال اسم اشهر فريقين في الاردن واشهر لاعبيه وما هي توجهاته السياسية أو الدينية بل واسماء شخصياته العامة وليس صعبا عليك الاحاطة بالحراك الاجتماعي الذي يدور الان في المجتمع اذا ما دخلت جامعة ما وقرأت ما هو مكتوب على جدرانها من تعليقات في جدران المحاضرات وفي الحمامات وعلى جذوع الشجر وغيرها من الاماكن. وليس صعبا عليك معرفة اسم خمسة مراهقين في هذه الحارة او تلك بمجرد مرورك من شوارعها، حيث انك ستجد الكثير من التعليقات والشعارات فيها تشير اليهم. ليس هناك من رجل او شاب لا يحمل في ذاكرته يوم كان طفلاً شيئاً من هذا النوع من انواع الصحافة. واذا ما عاد الاردني إلى ذاكرته سيجد انه حرص يوم كان طفلاً هو ورفاقه يوم شكلوا فريق الحارة الاعلان عن ذلك على احدى الجدران.. فريق الابطال.. أو النصر فريق عوجان الغربي والجبل الشمالي.. والوحدات بطل الدوري أو «طز» على الوحدات.. وفريق الجزيرة «وبس» ولن يعوزك السؤال عن طبيعة ساكني هذه المنطقة أو تلك، فجدرانها تتحدث عنها.. بل ذهب بعض المراهقين الى وصف فرقهم بشتى الاوصاف التي تدل على القوة إلى الحد الذي تشعر معه انك في معركة وليس الامر يتعلق بمجرد كرة قدم أو غيرها من الالعاب فهؤلاء النسور، واخرون الصامدون وفريق الثورة أو القمصان الحمراء. وتتناوب القصص على الجدران الى اوسع من كونها رياضة فتجد السياسة في فلسطين عربية.. وفلسطين من النهر إلى البحر.. والشهيد حبيب الله وتجد الحب حين يقرر احد الاصحاب افشاء سر صاحبه فيكتب بالخط العريض، بل ويختار له في احيان كثيرة اللون الاحمر الفاقع للتأكد من ان الكل سيقوم بقراءة ذلك فيكتب.. فلان حبيب فلانة.. او فلان الولهان.. وكم من عرك وصل إلى ما وصل اليه لان شخصاً ما تجرأ على كتابة اسم فتاة من الحي على احد الجدران وفي الغالب يختار جدار بيتها هي لمزيد من التحدي، حيث يخرج في ليلة ليلاء حاملاً عدته من فرشاة والوان ـ وفي الغالب تكون السبيري.. ويبدأ الكتابة على الجدار الذي كان قد قرر الكتابة عليه. وعلى حد ما ذهب اليه صاحب كتاب «الحريات الصحفية» فانه ومنذ القديم قيل ان الجدران الواح المجانين الذين لا يعدمون الوسيلة في التعبير عما يدور في خلدهم، اما العشاق فلهم شأن آخر وعالم آخر يدفعهم إلى الاكتواء بناره التى التشهير بعشيقاتهم والمتأمل للكثير من العبارات يلاحظ انها تنم عن حب جارف وقلوب مجروحة اصابتها سهام الحب الطائشة فخلفت وراءها الضحايا الذين يشكون همومهم للجدران ومقاعد الباصات العمومية وغيرها، فقد تجد احدهم يعبر عن مقدار حبه بقوله «ابيك وقلبي مجروح» واخر يقول «خسارة فيك دمعة»، مشيراً وبطريقة غير مباشرة إلى تعرضه للغدر والخيانة من المراهقة التي احبها واغدق عليها حبه وعطفه وسهر الليالي الطويلة من اجلها..! والصحافة الشعبية في الأردن على أنواع سنحاول استعراضها بصورة سريعة ولكن قبل ذلك نود الاشارة لنقطتين الاولى ان هذه الصحافة متركزة بصورة خاصة واستثنائية على الاحياء الشعبية وخصوصاً المكتظة منها دون غيرها من الاحياء اضافة إلى ان الاحياء الريفية على الاغلب تخلو من هذه الصحافة لأسباب عدة رغم انها موجودة وإن بصورة نادرة في الاحياء الراقية اما النقطة الاخرى فنود الاشارة أيضاً إلى ان لهذه الصحافة عمقاً وتاريخاً بعيداً وهي غير مقتصرة على أطفال او مراهقي هذا العصر بل انها موجودة منذ القديم بحيث انه يمكن القول ان عقد الخمسينيات لم يخل منها وان كانت الكثافة السكانية تستدعي في الغالب تكثيف تواجد هذه الصحافة اليوم اكثر من ذي قبل. وذهب يحيى شقير صاحب «الحريات الصحفية» إلى ابعد من ذلك عندما قال انه من الصعب على الباحثين بمثل هذه الظواهر الغريبة الادعاء انهم اكتشفوا تاريخ ظهورها ولكن من السهل القول انها ميزة تنفرد بها دول العالم الثالث وذلك لأسباب عديدة وكما يقول احد المختصين بعلم النفس. وفي فلسطين وصل الامر بهذه الصحافة وخصوصاً بعد الاعلان عن وقف الانتفاضة الاولى ان تبرعت اليابان بالأموال اللازمة من اجل إزالة الشعارات والاعلانات الموجودة على الحيطان والجدران والتي تذكر المواطن الفلسطيني بانتفاضته. وكان ان رسم فنانو فلسطين في الموقع الذي سقط فيه الشهيد الطفل محمد الدرة رسما وشعارات تشير إلى الموقع على الرغم من ان قوات الاحتلال سارعوا إلى هدم الجدار بل جدران المنطقة بأسرها، والعمل على تغيير معالمها. وفي الأردن نجد الصحافة الشعبية على أنواع ابرزها صحافة المساجد، وصحافة المدارس، وصحافة الابواب، وصحافة الجامعات والمعاهد وصحافة المصاعد العامة، إلا ان اشهرها على الاطلاق صحافة الحافلات العمومية، وصحافة الشوارع. يقول شقير عن هذا النوع من الكتابة الصحفية ان رواد الكتابات الخفية يحرصون على اختيار الاماكن العامة، وذلك لحرصهم على ان يطلع اكبر عدد ممكن من الناس على فحوى العبارات وبهدف وصول رسائلهم الاعلامية وتداولها بشكل واسع لذلك فانه ليس من قبيل الغباء ان يتم اختيار مقاعد الحافلات العمومية، كهدف لرواد هذه الكتابات والمصاعد العامة وجدران المدارس واعمدة الكهرباء، بل ان شقير يشير إلى انه لولا بقية من حياء ربما يعمد احدهم إلى الكتابة على بنطاله. على ان شقير يضيف انه اذا اعتبرنا ان هذه الظاهرة موجودة بشكل لافت في الاحوال الطبيعية فانها تزداد في المناسبات الساخنة خاصة المواسم الانتخابية بحيث تتحول الجدران إلى ساحات صراع واهداف ثمينة للمرشحين وفرقهم الانتخابية. ويقول في كثير من الاوقات تتخذ هذه المنافسة طابعاً غير شريف خاصة عندما يتم الصاق التهم والتشهير بمرشح معين بهدف الاساءة له والنيل منه، وربما لا تكون هذه الظاهرة حكراً على الدهماء من الناس عبر الكتابة على الجدران وانتقاء عبارات سياسية ودينية، وشعارات يمر بها الناس مرور الكرام.. لا بل فان الكثير من هذه العبارات يسارع الكثيرون إلى طمسها، خصوصاً ا ذا كانت بذيئة وتخدش الحياء العام، وهي ظاهرة تنتشر بشكل لافت في الاحياء الشعبية. اما صحافة المساجد فانك تجد في هذه المساجد في كل مكان او زاوية ورد فيها حديث بضرورة الدعاء أو الذكر شيئاً يذكرك بضرورة فعل كذا وكذا الى غير هذه الامور وخصوصاً المجلة التي تدعى في الغالب بمجلة الحائط والتي يقف عليها عدد من نشطاء المساجد من الشباب او غيرهم والتي تتضمن الاحاديث النبوية الشريفة في شتى صروف الحياة والدين. تعليقات الحافلات اما التعليقات التي في الحافلات العامة فهي نوعان الأول الذي يقوم به السائق أو الكنترول بنفسه وهي في اغلبها حكم ومواعظ في الاعم تكون اقوال شعبية للغاية إلى الحد الذي لا يأبه السائق أو صاحب الباص بوضع عبارة يستوحيها من اغنية معينة او شيء من هذا القبيل.. وهذا النوع من التعليقات تجمعه صفة السوداوية والنظرة الحزينة للحياة كأن ترى خسارة يا دنيا فيك دمعة.. أو الحياة مدرسة في اشارة إلى ان السائق غير متعلم، ولكنه يرى انه عالم أو مثقف في شئون الحياة حتى وان لم يدخل المدرسة. ولا ينقص مثل هذه الحافلات الصور والخلفيات التي تحمل في العادة رسومات وصوراً لمغنيات عربيات أو غربيات لا فرق. أما النو ع الاخر من التعليقات الذي يكون في هذه الحافلات فهو الذي يكتبه الركاب انفسهم من المراهقين الا ان اقسى هذه التعليقات ان تجد سبا قبيحاً لشخص ما أو مجموعة ما بالاضافة إلى ما يقوم به هؤلاء المراهقين غير المسئولين عندما يقومون بكتابة رقم هاتف ما لموبايل فتاة أو بيتها أو احياناً يقوم شخص ما بكتابة رقم هاتف صديقه على سبيل المزاح. ويجمع متخصصو النفس والعاملون في الشأن الاجتماعي ان مثل هذه الظاهرة تشكل تهديداً مباشراً لاخلاق الفرد في المجتمع أو التشهير به ولذلك فان عدداً من الحريصين على عدم الوصول إلى خدش الحياء العام يقومون احياناً بحملات تنظيف لإزالة أي من التعليقات غير الاخلاقية. نوع اخر من هذه التعليقات تكون في جدران المدارس سواء الداخلية أو الخارجية أو حتى على المقاعد وهي تعليقات تكلف في اغلب الاحيان المدرسة مبالغ لا تطيقها عندما يقرر مديرها القيام بحملة تنظيف لها بحيث يضطر إلى تخصيص مبلغ من المال من مخصصات المدرسة لهذا العمل. وتتنوع التعليقات هنا بين محاولة اهانة مدرس أو غيره من مسئولي المدرسة إلى العراك الخفي بين الطلاب على موضوع معين. الا ان اشد التعليقات التي تحرص إدارة المدرسة على إزالتها فورا تلك المتعلقة بالاخلاق العامة سواء خارج المدرسة أو خارجها. الا ان شأن الجامعات والكليات المتوسطة والمعاهد في هذا الأمر مختلف إلى حد الممارسة الجدية للتعليقات أي ان الشخص الذي يقوم بفعل هذا الأمر يقوم به جراء ايمان كامل به. وتقسم هذه التعليقات إلى قسمين الأول ديني سياسي خصوصاً اوقات التوتر العام في المنطقة اما القسم الاخر فهو ذو وجه يشي بحراك المجتمع أو طلاب الجامعة القادمين اصلاً من شتى طبقات المجتمع. اخيراً نود الاشارة إلى ان مثل هذه التفاعلات في المجتمع والتي يتم التعبير عنها بأسلوب الكتابة في الاماكن العامة لم نعلم ان احداً من الكتاب أو المثقفين قد تناولها في كتاب ما خاص بالأمر اللهم بعض المقالات والتقارير الصحفية التي عمدت إلى رصد زاوية معينة من هذا الموضوع بالغ الأهمية.