في نوبة كرم ديمقراطي مفاجئة، أعلنت دولة «ديموقرانيا» الحرة انها، وفي إطار دعمها للمسيرة الديمقراطية، ورغبتها في مد الجسور مع كل الاتجاهات والأحزاب، قررت اقامة مباراة في كرة القدم بين فريقها الحكومي ومنتخب فرق المعارضة، وقالت في بيان اذاعته مختلف وسائل الاعلام الرسمية، ان اتخاذ الحكومة ذلك الاجراء يأتي انطلاقاً من ايمانها الراسخ والثابت بأن «الدين لله.. والوطن للحكومة.. والكورة للشعب»!! وخلال الفترة التي سبقت موعد المباراة نشطت وسائل الاعلام الحكومية في بث حملات مكثفة للدعاية للفريق الحكومي، الصحف نزلت بمحرريها الى الشارع، تؤكد من خلال تحقيقاتها واستطلاعاتها ان الشعب بمختلف فئاته يبارك خطوة الحكومة الديمقراطية، وأن الأغلبية الساحقة من المواطنين الشرفاء تؤيد وتبايع اي فريق تنزل به الحكومة، أما ميكروفونات الاذاعة وكاميرات التلفزيون فقد تجولت في كل المواقع.. في النوادي.. في المصانع.. في المدن والقرى، وكانت الظاهرة الملفتة في كل اللقاءات هي ذلك الاجماع المدهش من أفراد الشعب على ان حكومتهم الرشيدة وفرت المسكن المريح.. والمأكل الرخيص.. والملبس النظيف لكل مواطن، حتى لم يعد ينقصه شيء سوى تلك المباراة الكروية الديمقراطية ليكتمل سعده وهناه..! اما المعلقون والمحللون السياسيون في الصحف الحكومية فقد ركزوا كتاباتهم ودراساتهم على الاشادة بذلك الانجاز الكروي الديمقراطي الجريء الذي يستوجب الشكر والتقدير من كل فصائل المعارضة، وذهب بعضهم الى المقارنة بين الديمقراطية لهذا العهد الميمون، وبين العهود الغابرة التي ابتدعت مبدأ الفصل بين الرياضة والسياسة، خلافا للواقع التاريخي الذي يؤكد ان كليهما «لعب في لعب»! أحزاب المعارضة فوجئت بالبيان وبالقرار، وتراوحت تعليقاتها بين التأييد المتشكك.. والتشكيك المؤيد، ولكنها بصفة عامة لم تتجه الى رفض الفكرة من حيث المبدأ، وكان هناك اتجاه يدعو الى الرفض، ولكن بعد تداول الرأي بين احزاب المعارضة رؤي اخيرا تفويت الفرصة على الحكومة التي قد تجد في الرفض فرصة للنيل من ديمقراطية المعارضة او لاتهامها بالعجز عن مواجهة الحكومة وجها لوجه على ارض الملعب ـ بدلا من مواجهتها في مكان اخر ـ وهكذا تراجعت فكرة الانسحاب التي تبناها البعض تخوفا من تزوير متوقع في احتساب الأهداف، خاصة وأن الحكم سيتم تعيينه باعتباره موظفاً حكومياً مما يؤكد الشك في نزاهته ونزاهة أحكامه في الملعب.. في صباح يوم المباراة كانت الشوارع والميادين قد غطتها ـ ومن حيث لا يدري احد ـ لافتات وشعارات التشجيع والتأييد للفريق الكروي الحكومي: «كلنا حراس مرمى الحكومة».. «كرة الحكومة كرة الشعب».. «تحيا ديمقراطية القدم».. على باب استاد «ديمقرانيا» الكبير تقاطرت ومنذ الصباح الباكر مئات الباصات وسيارات النقل التي راحت تصب الآلاف من الموظفين والعمال وطلبة المدارس الذين جيء بهم ليعبروا ـ حسب ما جاء بالصحف الحكومية ـ عن صادق ولائهم وعميق تشجيعهم للفريق الحكومي، والذين احتلوا معظم الأماكن في مدرجات الملعب، وكما جاء بالصحف الحكومية فإن جماهير المشجعين للمعارضة لم تتعد بضع شراذم قليلة من المضلّلين سياسياً.. والمتطرفين كروياً.. والمعروفين بانتماءاتهم الكروية المشبوهة..! عند دخول الفريقين الى ارض الملعب كان واضحاً ان اختيار الفريق الحكومي خضع لاعتبارات لا علاقة لها بالمواصفات الرياضية على الاطلاق، فقد كان بينهم البدين ذو الكرش المتهدل.. والقصير المفلطح الساقين، والعجوز المتهالك، وقيل في تبرير ذلك ان الترشيح لعضوية الفريق تتم وفقا للأنظمة الادارية وتبعاً للتسلسل الوظيفي والأقدمية المطلقة، هذا مع عدم الاخلال بالأعراف الحكومية التي تعطى لاي مسئول حكومي الحق في تفضيل أقاربه او محاسيبه عند الترشيح وفقاً لمبدأ «أهل الثقة قبل أهل الخبرة»..! انطلقت صفارة الحكم.. وبدأ اللعب، وارتفع صوت المعلق الرياضي ـ وهو أمين عام اللعب في حزب الحكومة ملعلعا وهو يقدم الوصف التفصيلي للمباراة: «أيها الاخوة.. أيها المواطنون الأحرار، انه يوم اللعب الوطني الكبير.. يوم الديمقراطية الرياضية في ساحات الملاعب، ها هو فريقكم الحكومي المظفر يكتسح الملعب بحثاً عن الكرة التي اختطفها لاعبو المعارضة، الكرة مع المعارض رقم 7 الذي مررها للمعارض رقم 3، فريق المعارضة يتجه بالكرة نحو مرمى الحكومة ولكن فريق الحكومة صامد ومنتبه لألاعيب فريق المعارضة الذي يحاول بخسة ودناءة اصابة مرمى الحكومة، مازالت الكرة في قدم المعارض «9»، تصدى له الحكومي رقم «7» واستطاع انتزاع الكرة منه بعد ان اسقطه بضربة رائعة من عصا كان يحملها، كابتن المعارضة يعترض.. ولكن الحكم اكد له انها ضربة «جزاء»، «جزاء» للاعب المعارضة على انفراده بالكرة، استؤنف اللعب بعد اخراج اللاعب المضروب محمولا ودخول لاعب احتياط معارض، الكرة مازالت مع اللاعب الحكومي «7» الذي احاط به عدد من رجال الامن المركزي لحمايته، ولكن فريق المعارضة نجح في اختراق الحماية الأمنية واستعاد الكرة.. انه يتقدم بها نحو مرمى الحكومة.. اللاعب المعارض «6» باصاها للاعب المعارض «5» الذي شاطها شوطة خبيثة لتستقر غدراً وجبناً في مرمى الحكومة، الحكم اضطر لاحتسابها هدفا بعد ان وجه انذاراً بالطرد لهداف المعارضة اذا كرر فعلته مرة أخرى، جمهور المشجعين الحكوميين يصبح مطالبا بطرد فريق المعارضة كله اذا تجاسر على اصابة مرمى الحكومة بهدف ثان.. خاصة في هذه الظروف التاريخية الصعبة التي تمر بها البلاد حاليا..»! «أيها المواطنون الشرفاء.. اللعب مازال مستمرا.. ومازالت النتيجة صفرا لصالح الفريق الحكومي «!»،.. وبهذا انتهى الشوط الاول من المباراة..» في الشوط الثاني استطاع فريق المعارضة احراز «8» أهداف نظيفة اضطر الحكم لاحتسابها بعد ان قام بواجبه وطرد من احرزوها لينهي الحكم بعدها المباراة بسبب عدم قانونيتها، وفي اليوم التالي كانت المانشتات الرئيسية للصحف الحكومية تقول: «انتصرنا على المعارضة صفر / 8».. «نجحت الديمقراطية الكروية.. وفشلت المعارضة».. «فريق الحكومة احرز صفراً ذهبياً.. مقابل ثمانية أهداف يتيمة للمعارضة»..!! «كابتن فريق الحكومة يهدي نتيجة المباراة التاريخية الى كابتن الدولة وكابتن الشعب.. السيد الرئيس»!!.